Aller au contenu principal

جندي " شعب الله المختار"

news-details

ليس لدي أدنى شك أن رجال المقاومة الفلسطينية (عندما قرروا تنفيذ عملية الهجوم على موقع عسكري إسرائيلي محصن بمعبر كرم أبو سالم نهاية شهر يونيو الحالي) إنما كانوا يعلمون علم اليقين أن تبعات ما هم عازمون على القيام به ومقدمون على تنفيذه سيجلب لأبناء شعبهم مزيدا من الحصار والتجويع والاغتيال بالجملة وتأنيب ما فضل من " رأي عام عالمي" ... لم يؤنب بعد ضد "الإرهاب الفلسطيني المتزايد".

وكانوا يعلمون علم اليقين أيضا، أن "جيش الدفاع الإسرائيلي" كان يلجا لمعاقبة الفلسطينيين جماعيا لأدنى وأتفه الأسباب، فما بالك وقد اخترق شبان صغار تحصيناته من تحت الأرض فباغتوه من حيث لم يدر وقتلوا منه زمرة وأسروا جنديا وعادوا لمواقعهم في غفلة من مراصد المخابرات وأعين الرادارات وإشارات الحواسيب وطائرات الرصد والأسلاك الشائكة المكهربة وما سواها. 

وكانوا يعلمون علم اليقين، فضلا عن كل هذا وذاك، ان عملية نوعية من هذا القبيل التي أدهشت جنرالات إسرائيل وكسرت كبرياءهم، لن تمر بسلام سيما في ظل حكومة إسرائيلية جديدة تنقصها كاريزما رجل امتهن القتل والتدمير، لكنه يرقد منذ مدة بغيبوبة تامة هي إلى الموت أقرب بكثير منها إلى الحياة.

وإذا كان الشبان المقاومون السبعة قد راهنوا منذ البدء (والغنيمة الثمينة من بين أيديهم) على مبدأ مقايضتها بمئات الأطفال والنساء الذين تعتقلهم إسرائيل تحديا لكل القوانين والشرائع، وأنهم لن يساوموا بهذا الشرط (دونما تلويح من لدنهم بقتله)، فلأنهم على قناعة (ونحن نشاطرهم إياها شكلا وبالمضمون) بأن لا سبيل آخر لإطلاق سراح بعض من أبناء طينتهم في تعذر سبل إدراك ذلك ارتكازا على اتفاقات موقعة أو تعهدات معتمدة أو " مشاريع حلول" طال أمد انتظار تحقيقها بأرض الواقع.

وعلى الرغم من تواضع الثمن المطالب به (قياسا إلى واقع الاحتلال وتهويد الأراضي وآلاف المعتقلين واستهداف المقاومين بالطائرات وعبر المستعربين)، فإن دولة "شعب الله المختار" رفضته جملة وتفصيلا و"أمرت" المقاومين بإطلاق سراحه دون شروط، وإلا لتكفل "جيش الدفاع" بذلك حتى وإن تطلب منه الأمر  تدمير البيوت من على رؤوس أصحابها بحثا عنه.

لا يخرج سياق تدمير محطة الكهرباء اليتيمة بغزة (وإدخال أكبر منطقة كثافة بالعالم بظلام دامس) ولا تدمير الجسور ومحاصرة المدن بالضفة الغربية ومطاردة الشباب المقاوم للدبابات حتى من بين ظهراني المساجد والمقابر...لا يخرج عن منطوق وعيد رئيس وزراء إسرائيل  تماما كما لم يخرج اختطاف وزراء حماس ونوابها بالبرلمان عن منطوق وزيره في الدفاع... وهو " مغربي" مثلي بسخرية من جغرافية الانتماء وظلم قوانين البشر التي تبقي على الانتماء حتى بانتفاء الولاء.

ولهذا السبب، فإن تعذر الوساطة المصرية مثلا لإطلاق سراح هذا "الجندي/الضحية" لم تفلح في بلوغ ذلك، ليس فقط بسبب استهانة ما ب" دور الرئيس مبارك" (وهو المستقبل لأولمرت  مؤخرا بكثير من الحفاوة) ، ولكن على اعتبار (يقول الإسرائيليون) إن "إطلاق سراح الجندي الأسير شيء" والنظر فيما بعد (وفيما بعض فقط) في مسألة الأسرى الفلسطينيين شيء آخر... ولكل سياقه وفق ما يقولون... وهم، على أية حال، أوقفوا مؤقتا الحملة العسكرية الشاملة على غزة والضفة "إكراما" لمصر ورئيسها.

وإذا كان البعض يدفع بطرح أن ما تقوم به إسرائيل من قصف وتدمير وقتل ومطاردة واختطاف للوزراء والنواب إنما يدخل في خانة تصميمها على تقويض الديموقراطية الفلسطينية وإسقاط الحكومة الشرعية المتأتية منها، بدليل (يقول ذات الطرح) أنها لم تعمد إلى اختطاف أحد من " زعماء فتح" (ولا ضيقت على القاطن منهم بالقدس) ولا حاصرت مقر "الرئاسة" ولا ضيقت على أحد مما أضحت الفضائيات ملجأه " ومصدر شرعيته الوحيد"، فإن ذات الطرح لا يبدو بالدقة الظاهرية التي قد يشي بها لأول وهلة:

+ فحكومة حماس، منذ يوم تشكيلها، محاصرة، مقيدة الجناحين، مضيق على حل أفرادها وترحالهم... والكل (إسرائيل تأكيدا ولكن أيضا "رموز أوسلو") يتربص السبل لدفنها... فلم تكن تنتظر بالتالي إلا رصاصة الرحمة التي أطلقت إسرائيل جزءا منها عبر اختطاف أعضائها (أعضاء حماس أعني) وبعض من ركيزتها التشريعية، وأطلق " رموز السلطة" الجزء المتبقي من ذخيرتها عندما أعلن الناطق باسم حركة فتح بالمجلس التشريعي أن ثمة   " فراغا قانونيا على رئيس السلطة ملأه بناء على صلاحياته".

+ وحكومة حماس كانت تعي جيدا أنها لن تستطيع تنفيذ مشروعها بالسهل الهين، ليس فقط بحكم الحصار "الدولي" المطبق عليها (وحصار ذوي القربى أيضا)، ولكن أيضا لاستحالة المزاوجة بين ممارسة السلطة (أية سلطة بالمحصلة؟) وصيانة المقاومة... في وضع إحدى سماته الأساس احتلال عسكري متجبر ومشروع سياسي (مرتكز عليه) يقضم الأخضر واليابس دونما رادع مادي أو أخلاقي يذكر.

من ناقلة القول، بهذه النقطة تحديدا، إن عملية الشبان السبعة إنما اتخذت كذريعة إضافية (ضمن ذرائع أخرى قائمة) من لدن إسرائيل مباشرة وكمدخل  عملي "لسلطة أوسلو" (أو ما تبقى منها) لتعويض حكومة كانت أخف النعوت الموجهة إلى طروحاتها "عدم واقعيتها"   و" قصر النظر السياسي" الذي يطبعها. 

يبدو لنا، على ضوء هذا، أن الأمر (بالنسبة لإسرائيل) إنما يتجاوز بكثير مسألة الجندي الأسير (أو المستوطن المغتال) ويتجاوز حكومة حماس (والسلطة أيضا)...إنه مرتبط بعقدة نفسية تركبت لدى قادة إسرائيل وعلى طول الانتصارات التي حققوها بمواجهة العرب والفلسطينيين: عقدة قطع دابر كل من يتجرأ على "شعب الله المختار" بالكلام... فما بالك لو عمد إلى أسر عنصر من مؤسسة هي حامي ذات الشعب ومصدر فخره منذ العام 1948.

لقائل يقول: وما الضير لدى إسرائيل لو راوغت فأطلقت بعضا من الفلسطينيين مقابل الإفراج عن جنديها بالأسر، ثم عاودت فيما بعد ذلك إلى سجنهم من جديد؟

وما الضير لديها (إذا كانت حقة متخوفة على حياة جنديها) أن تقدم بعض من الوعود ثمنا لتحرير سجينها، ثم تتنكر لها فيما بعد... وهي خبيرة بذلك بكل الأحوال؟

وهو قول لربما راود قادة إسرائيل، لكنهم استبعدوه قطعا لسبب بسيط مفاده: أنهم لا يريدون خلق سابقة في تعاملهم مع "الإرهاب الفلسطيني" (مع كل الفلسطينيين بالمحصلة) كي لا يغدو بمقدورهم مستقبلا "التجرؤ على أسيادهم"... مجرد التجرؤ.

* "جندي ' شعب الله المختار' "، التجديد العربي، 3 يوليوز 2006، جريدة القدس العربي، 5 يوليوز 2006، جريدة التجديد، الرباط، 6 يوليوز 2006، موقع الحلم العربي، 4 يوليوز 2006.

Vous pouvez partager ce contenu