في كتاب له مرجعي صادر أواخر ثمانينات القرن الماضي عن "القوة الناعمة: معاني النجاح في السياسات الدولية" حدد الأدميرال جوزيف ناي جنيور مفهوم هذه القوة في كونها "القدرة على الاستقطاب والإقناع...إذ بما أن القوة الخشنة تكمن في القدرة على الإجبار والإكراه المتأتية من القوة العسكرية للدولة أو من تفوق قدراتها الاقتصادية، فإن القوة الناعمة تتأتى من جاذبيتها الثقافية أو السياسية" أو ما سواها.
يتحدد مفهوم القوة الناعمة عند ناي إذن قياسا إلى مفهوم القوة الخشنة التي غالبا ما تجد ترجمتها العسكرية بالحرب المباشرة وترجمتها السياسية بالمضايقة بالهيئات الدولية والإقليمية وترجمتها الاقتصادية بسبل الضغط والمقاطعة والحصار.
ولما كانت القوة الخشنة هكذا وأكثر، فإن غريمتها (الناعمة أعني) تتغيأ ولذات الأهداف ربما، أساليب رخوة قوامها نشر الأفكار والمعلومات ودعم قنوات البث الإذاعي والإرسال التلفزي وترويج سلع وخدمات وبرامج معلوماتية يكون المبتغى منها زعزعة ثقة الناس في طبيعة النظام القائم أو تشويه صورة القائمين عليه أو إغرائهم جميعا ب "مزايا" تبدو لمالك القوة الناعمة (والخشنة) أنها الأمثل والأصلح والأنجع وسبيل "الخلاص الأوحد".
هي أداة من أدوات الحرب النفسية التقليدية (وإن تطورت أدواتها كثيرا منذ مدة) القصد منها تجنب اللجوء للقوة العسكرية المكلفة والمراهنة على درء خطر أو تحصيل غنيمة دونما كلفة حرب قد يذهب في خضمها الأخضر واليابس من كلا الطرفين.
يقول جوزيف ناي: " لقد أضحى، في العالم المعاصر، من الصعب استخدام العصا...إذ القوة العسكرية على الرغم من ضرورتها كسياسة ردع وإكراه، فهي أصبحت صعبة جدا ...وأصبحت الحرب أمرا جد مكلف من الناحية المادية..."، ناهيك عن المناهضة المتزايدة للحروب واستخدام القوة من لدن الرأي العام.
بالتالي (يقول ناي) فالقوة الناعمة أفضل سيما وقد أثبتت التجربة نجاعتها: ف"الجماهير السوفياتية كانت تشاهد الأفلام وتتمثل خلفياتها السياسية وعبرها استطاعت ذات الجماهير معرفة أن الناس بالغرب لا تقف في طوابير لاقتناء الطعام ويقيمون في مساكن مستقلة ولديهم سياراتهم الخاصة" وهكذا. لا يقلل ناي على الرغم من ذلك من مركزية وأهمية القوة الخشنة، فهو يعتبرها مازالت "ضرورية وحتمية" سيما بإزاء "الدول القومية التي تسعى للحفاظ على استقلاليتها وكذا المنظمات والجماعات الإرهابية" التي تتبنى سياسات "استخدام العنف".
ليس ثمة من شك، على الأقل فيما يبدو، أن الأدميرال ناي لا يقلل من مركزية القوة الخشنة، لكنه لا يستحبها في المطلق، بل لا يفضل اللجوء إليها إلا في حالات خاصة وبنهاية المطاف...أي عندما لا تستطيع أدوات وشعارات القوة الناعمة إتيان أكلها في الزمن المحدد.
هما إذن، بتصور المؤلف أساسا، أداتان لسياسة واحدة تستنفر عناصر إحداها لمجرد فشل عناصر الأخرى، بل قل إن الأولى (القوة الخشنة) هي في خدمة الثانية مادامت هي عصاها بالمحصلة النهائية، والثانية خديمة الأولى إن هي استطاعت "لعب الدور" دونما لجوء للعسكر.
هما وجهان لعملة واحدة كما يقال، هما العصا والجزرة متكاملتين، متناسقتين (حتى وإن بديا متناقضتين عضويا) تأخذ إحداهما المبادرة إن تعذر على الأخرى السبيل.
لم يعد، على الأقل منذ الحادي عشر من شتنبر، للقوة الناعمة ذاك الدور الذي عهد إليها وفيها في حقبة الحرب الباردة، بل غدت عنصرا مكملا ليس إلا (مشرعنا يقول البعض) لإدارة لم يعد يتراءى لمكوناتها (ذات الأطياف اليمينية المحافظة والصبغة الصهيونية البارزة والتطلع الأمبراطوري المبني على الأساطير)...لم يعد يتراءى لها على القوة الناعمة كبير اعتماد ومراهنة:
+ فالولايات المتحدة ضربت في صميمها الاقتصادي والمالي والعسكري وفي رمزية دولة تجرأ اليابان من أكثر من أربعين سنة مضت على ضرب إحدى أساطيلها بجزر الهاواي فدمرت بالنووي مدنا بعمقه فقتلت الآلاف وشوهت الملايين.
كيف إذن لدولة أضحت القوة الوحيدة الواحدة لم تمسسها حربان كونيتان (باستثناء حادث بيرل هاربر) كيف لها والحال هاته أن تسكت أو تتساهل (وهي التي لم تتساهل أواسط الحرب العالمية الثانية مع قوة عسكرية كبرى) كيف يتسنى لها ذلك بإزاء تنظيم يحتمي بالكهوف والمغارات و" تتستر عليه" حكومة لا تعترف بأدنى مكتسبات العصر، المادي منها كما اللامادي سواء بسواء؟...لم يكن لإدارة أمريكية كالتي أشرنا إلى بعض من خلفياتها أن تسكت ولا أن تغض الطرف تحت هذا المسوغ أو ذاك.
وعلى الرغم من استبسال القوة الناعمة (والإعلام أساسا) في تبيان الولايات المتحدة في وضعية الضحية وتعاطف باقي أطراف القوة الناعمة معها (حتى بالدول الفقيرة) فإن استعادة الهيبة استدعى اللجوء للقوة الخشنة لتقصف، بأفغانستان في أعقاب ذلك الكهوف وبيوت الطين و" قواعد القاعدة" وكل شبر بأفغانستان لا يعلم ما خلفه كل ذلك من موات زرع وبشر وضرع إلا الله.
+ والولايات المتحدة التي لطالما استوظفت القوة الناعمة لكسر أنف الرئيس صدام حسين عبر حصار العراق واستباحة بره وجوه وتضييق الخناق عليه بالتفتيش المذل المهين وتجويع أبنائه والرسي وراء تفشي الأمراض المزمنة بين أطفاله وشيوخه، الولايات المتحدة (في ظل حكام متطرفي الخلفية، أحاديي النظرة) لم تعد تطيق الانتظار فدفعت بعساكرها (على خلفية من الحرب الاستباقية وإيديولوجيا الحرب الوقائية) لتدمير مقومات حضارة واحتلال أمة وتفجير نعرات داخلية بالاتكاء على وجوه حملتها الدبابات لا يعرف العراق العديد الوافر منهم ولا استطاع جلهم التعبير بلغة بلاد الرافدين.
وعلى الرغم من اصطفاف القوة الناعمة خلف القوة الخشنة منذ العشرين من أبريل من السنة 2003، فإن الإدارة الأمريكية لم تراهن عليها كثيرا بداية احتلال العراق (المتعذر الاحتلال أصلا) ولا راهنت عليها في تخفيف نبرات المناهضة لذات الاحتلال بداخل العراق كما لدى الشعوب العربية كما لدى شعوب العالم حتى الأمريكي منه.
+ والولايات المتحدة التي تراهن حاليا على القوة الناعمة في تصريف وتسويق مشروعها "للشرق الأوسط الكبير" (على خلفية من إيديولوجيا إصلاح المنطقة) لا تقيم كبير اعتبار لذلك بقدر ما تراهن على سياسات الإجبار والإكراه والقسر لدفع ذات الأنظمة على "إصلاح منظوماتها" وإلا كان لها مع ذات الأنظمة "موقف آخر".
وعلى هذا الأساس، فليس من المستبعد إطلاقا لجوء الإدارة الأمريكية الحالية (سيما لو أعيد انتخاب رأسها) على القوة الخشنة (الحصار أو المقاطعة وليس بالضرورة القوة العسكرية المباشرة) في حالة عدم تجاوب ذات الأنظمة مع ما يتم التلميح له ببنى القوة الناعمة.
إننا إذن بالحالات الثلاث إنما بإزاء حالات من المزج بين القوتين غالبا ما يكون للخشنة ضمنها القول-الفصل إذا لم يكن بالعمل المادي المباشر فتأكيدا بالتلميح الغير قابل لكثير اجتهاد في التفسير.
ليس ثمة من شك، فيما نتصور، بأن القوة الخشنة بحالة أفغانستان كما بحالة العراق، إنما كانت لها الكلمة النهائية وكان للقوة الناعمة أن تبرر لها الاختيار وتشرعن لها السلوك بل تتواطأ في الإحجام على تمرير ما قد يكون من شأنه إفشال خطط القوة الخشنة مستقبلا أو إثارة الرأي العام على تجاوزاتها أو تجاوزات القائمين عليها تصميما وتنفيذا على الأرض.
بالتالي فالاعتقاد القائم لدينا (عكس ما ذهب إليه الأدميرال ناي) إنما أن القوة الخشنة تستوظف القوة الناعمة (والعكس بالعكس) زمن السلم كما زمن الحرب لكل منهما وظيفته ودوره وخطوطه الحمراء:
+ ففي حين تذهب القوة الخشنة إلى أقصى مداها في الهدم والتدمير والقتل والاغتصاب والمداهمة، لا تتوانى القوة الناعمة (بأفغانستان كما بالعراق كما بفلسطين) في تبرير ذات السلوكات واستحضار ظروف التخفيف لديها حتى وإن تسنى لها تمرير مقاطع من ذات التجاوزات جملة أو بالتفصيل.
+ وفي حين تذهب القوة الخشنة إلى حد محاصرة الفلوجة وتدمير مساكن أهلها بصواريخ الطائرات والمدافع، تحيل القوة الناعمة على عملية التنكيل التي تعرض لها قتلى أمريكيون بمداخل المدينة دونما قدرة على قوة الاحتلال على انتشال أطرافهم أو تحديد "الجناة"...ولكأنها تبرر لأطروحة "البادي أظلم".
+ وفي حين تتم مداهمة البيوت منتصف الليل ويتم إرعاب أهلها من لدن القوة الخشنة، تدفع القوة الناعمة بأن ساكنيها "إرهابيون"، "خارجون عن القانون" أو "متسترون على عناصر مطلوبة"...وهكذا.
+ وفي حين تمارس القوة الخشنة بالعراق شتى صنوف التعذيب والإهانة والإذلال على عراقيين شرفاء بسجن أبو غريب (كما بغيره) لشهور طويلة، ترى القوة الناعمة (الشبكات التلفزية تحديدا) لا تولي ذلك كبير اهتمام أو تتماطل في تمرير بعض منه بعد طول مراوغة وابتزاز. وعندما تسنى لها تمرير بعض من ذات الصور فلاعتبارات سبق صحفية خالصة وحسابات إشهارية صرفة أو على خلفية من الربح المباشر...دونما استحضار يذكر لأدنى الاعتبارات الإنسانية التي كان من المفروض أن تحكم قرار تمرير الصور إياها.
إن صمت بعض أدوات القوة الناعمة (وشبكات التلفزيون الأمريكية بالتحديد) على السلوكات السادية لقوات الاحتلال بالعراق إنما يترجم تواطؤها مع القوة الخشنة وانصياعهما معا في مسلسل من الإهانة والإذلال لأبناء شعب لا ذنب له إلا ذنب مقاومة الاحتلال ضمنته له المواثيق الدولية بعدما قدسته شتى النصوص السماوية المتداولة. ومن ثمة، فإن الذي عرت عليه بعض من قنوات القوة الناعمة إنما هو من باب تحصيل حاصل...حاصل أن شعب العراق أضحى منذ أواخر أبريل 2003 مكمن الإهانة والإذلال والاستباحة المادية والمعنوية من لدن قوة ادعت تحريره وتخليصه وفتح أبواب المستقبل من بين ظهرانيه بل واعتباره النموذج المقبل لما سواه من دول المنطقة.
بالتالي فما تم تقديمه من صور التنكيل بأسرى عراقيين إنما هو حقيقة الأمر صورة ذات النموذج مطبقة على الفرد قبل الجماعة، على الإنسان في حيوانيته قبل الآدمية...
إن ما بثته قنوات أمريكية قليلة من صور لأسرى عراقيين في أقصى درجات الإهانة والتعذيب لا يشي فقط بانتفاء قيم الأخلاق على الأمريكيين ساسة وعسكرا، بل وأيضا بالطبيعة الفاشية لشعب كانت مكوناته الأولى من البدء مرتزقة وقطاع طرق وسراق أبقار لا اعتبار لديهم لما هي الأخلاق ولا لما هو الآخر.
لا يمكن أن ينتابنا بصيص شك في أن أمريكا القرن الحادي والعشرين إنما هي القوة الخشنة المشرعة بامتياز، وما القوة الناعمة بصلبها إلا أداة لذات القوة يحركها أصحاب النفوذ خدمة لمصالحهم ودودا من لدنهم على استمرار دورة رأس المال المرتكزة على قوة النار والحديد دون سواها.
* "قوة أمريكا الناعمة"، جريدة العلم، فاتح يونيو 2004، مجلة التجديد العربي، 8 يونيو 2005.