Aller au contenu principal

"مجتمع الاتصال"

news-details

يبدو من العبارة (عبارة مجتمع الاتصال) أن الاتصال إنما أضحى حقا وحقيقة، قيمة مركزية بالمجتمع، بل ظاهرة مركزية بصلبه، يقول فيينير...إذ لا يتحدد الاتصال قياسا إلى المجتمع، بل الأخير قياسا إلى الأول، ولكأن الأمر يفيد بأنه لا أثر لمجتمع بالمرة، إلا إذا تواصل أفراده  فيما بين بعضهم البعض بهذا الشكل أو ذاك.

كل المجتمعات البشرية كانت ولا تزال تتواصل بطريقة من الطرق، بل قل إن الاتصال (كائنا ما يكن شكله أو وسيلته) إنما هو مكمن المجتمع، ميزته الكبرى، وإحدى أدوات تكونه وتهيكله.

والواقع أن المصطلح (مصطلح مجتمع الاتصال) وإن عبر عن واقع الحال القائم اليوم، حيث أدوات الاتصال أضخم وأغزر مما كانت من ذي قبل، فهو مع ذلك يبقى قاصرا على فهم طبيعة ذات المجتمع، ولا لديه القدرة على تلمس مكامن التميز بداخله:

+ فمجتمع الاتصال، كما تروج له الأدبيات، إنما هو كذلك أساسا بجهة الأدوات والأعتدة والوسائل والأجهزة، وليس كذلك إلا نسبيا بالمحتويات أو بالمضامين، فبالأحرى أن يكون بالمعارف والمضامين الثقافية.

لهذا السبب، فالحاصل أننا اليوم، كما من خمسة أو ستة عقود مضت، إنما بإزاء فورة كبرى تساهم في الاتصال، لكنها لا تساهم إلا نسبيا في التواصل.

بالتالي، فلو سلم المرء بأننا حقا بإزاء مجتمع للاتصال، فإنه لا يستطيع التسليم بوجود مجتمع للتواصل، مادامت الموسطة أضحت أداة تنهل من مبدأ البعد، أكثر ما تنهل من مبدأ التفاعلية والحميمية والقرب.

+ ومجتمع الاتصال، المتداول اليوم بالأدبيات والخطابات، لا يحيل على الأدوات والوسائل (مقابل المحتويات والمضامين) فحسب، بل ولا يعير كبير اهتمام لطريقة تحول ذات المحتويات والمضامين إلى معارف، ولا إلى كيفية تجذر هذه الأخيرة بالثقافة وبمنظومة القيم الرائجة أو المتبناة.

ومعنى هذا أن التوفر على معلومة ما (في ظل مجتمع الاتصال) لا يضمن القدرة أو القابلية على موطنتها في المعرفة أو في الثقافة.

ومعناه أيضا أنه ليس هناك من جسر قائم لتحويل المعلومة (بالمعنى الكمي للكلمة) إلى طفرة نوعية، تتمظهر بالمعرفة أو بالثقافة أو بما سواها.

وعلى هذا الأساس، فمجتمع الاتصال إنما يعطي الإحساس بالتواصل، في حين أنه بالمحصلة،  لا يعدو سوى كونه "مجتمعا" تتنقل بصلبه المعطيات والمعلومات، ذات الفائدة المباشرة، كما تلك التي لا قيمة لها إلا في حد ذاتها.

+ و"مجتمع" الاتصال، بناء على كل هذا، لا يضمن ذات الصفة (صفة الاتصال) لكل فئات ومكونات المجتمع، بقدر ما يوفرها للتي تتوفر لديها القدرة في البلوغ والتملك...وهي نسبة من المجتمع تبني بالضرورة للاستثناء، ولا تؤسس قطعا  للقاعدة.

لن يبالغ المرء إذن بالمحصلة، إن اعتبر أن الاتصال إنما هو سمة كل المجتمعات، القديم منها كما الحديث كما المعاصر، المتقدم منها كما المتخلف. وهذه السمة لوحدها كافية لأن تجعل من كل المجتمعات مجتمعات اتصال بهذا القدر من القوة أو ذاك. إلا أن الثابت فيهما معا، إنما يكمن في تعذر تحول الاتصال إلى تواصل، بل وتعذر تأثيرهما المباشر في منظومات القيم، أو في الثقافات، حتى وإن ساد الاعتقاد اليوم بذلك.

* "مجتمع الاتصال"، شبكة الرافدين، 5 يناير 2010. التجديد العربي، 5 يناير 2010. التحالف الوطني العراقي، 6 يناير 2010.

Vous pouvez partager ce contenu