Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي: "ما يبث برمضان من سيتكومات، هو أقرب للدراما الحقيقية منه إلى الفكاهة أو الكوميديا"

الأحداث المغربية: ما هو تقييمكم للأعمال الترفيهية التي تعرض في رمضان في ذروة البث؟ وهل يمكن مقاربتها وفق أدوات النقد المعتادة؟

يحيى اليحياوي: أنا أزعم أن الذي يقدم بالقناتين بهذا الشهر العظيم، لا علاقة له بالأعمال الترفيهية بالمرة، ليس فقط لأنه لا يستحضر ثلاثية "الإخبار والتثقيف والفرجة" الأساسية بكل مادة تلفزيونية، ولكن أيضا لأني أشك في خلفية الذين اختاروا هذه المواد، واستساغوها لتمرر بفترة الذروة، أي مباشرة بعد آذان المغرب.

لا يحتاج المرء إلى كبير عناء لإدراك ذلك، إذ هزالة النصوص، وضعف الحبكة بالسيناريو، وتدني مستوى الإخراج والأداء، وما سوى ذلك، كلها معطيات تبين بجلاء أننا بإزاء دراما حقيقية بصيغة "الترفيه"، وتبين أيضا الارتجالية والتسيب في التعامل مع المشاهد، ولكأن هذا الأخير قاصر، لا يستطيع التمييز بين الجيد والرديء.

أتصور أن المادة المقدمة هنا تشي بغياب الإبداع، والإبداع قيمة مضافة، تتأتى من عمل جماعي بين كل أطراف العملية، من صياغة النص إلى كتابة السيناريو لحين تحريك الممثلين، بقالب جمالي يحس المشاهد معه بأنه بإزاء مجهود حقيقي. لا أرى أثرا لهذا المجهود، لدرجة استباحة عقل ورأي المتتبع. الشخوص بهذه المواد، تبدو ولكأنها مجتمعة فيما بينها، وتتسلى كما يتسلى عامة الناس بالمقاهي أو بالمنتديات الخاصة. أعني هنا أن الأطرف المشاركة في إخراج المنتوج غير مسؤولة أمام مشاهد يميز، قد يعاقب وقد يقاطع إن هو استفز، أو استهين بذوقه، فيتحول إلى مئات الفضائيات المتوافرة.

بالتالي، فإذا كانت عناصر جودة النص وحبكة السيناريو وتمكن المخرج من ممثليه والقالب الجمالي العام، إذا كانت كل هذه العناصر غير متوفرة، فكيف السبيل لإعمال النقد لمقاربتها أو قراءة مدلولاتها. إنها أعمال ارتجالية، سطحية في تناول القضايا المطروحة، غير متمكنة من الأدوات، لا تصلح للمشاهدة، فما بالك بمحاولة معالجتها نقديا بأفق التقويم مستقبلا. هذه أمور عبرت عنها منذ بدأت هذه السلسلات بالظهور، وعبر عنها غيري، ومع ذلك فالأمر سيان لدى القائمين على القناتين بالمغرب. أتمنى أن يكون هذا آخر استجواب أسأل فيه عن ذلك.

الأحداث المغربية: هل يعتبر غياب النقد التلفزيوني الحقيقي الممنهج في الجرائد والمجلات، سببا في تشجيع التلفزيون على تقديم مثل هذه المواد الهزيلة؟

 يحيى اليحياوي: العطار لا يستطيع أن يصلح ما أفسد الدهر. بمعنى أنك عندما ترى أن القائمين على القناتين لا يتحركون إلا قبل شهر أو شهرين من رمضان، فينادون على هذا الشخص أو ذاك لصياغة "سيتكومات" رمضان، وبطريقة ارتجالية، وفي بعض الأحيان دون أخذ العبر مما سبق، عندما ترى كل ذلك، يبدو لك أن ثمة استهانة كبرى بأهمية ما يعد. ببلدان أخرى، يبدأ العمل لإنتاج مواد رمضان المقبل، مباشرة بعد انتهاء شهر رمضان لهذه السنة، وتختار النصوص ويتم البحث عن كتاب السيناريو وعن المخرجين وعن الممثلين، ويتم التعاقد مع الجهة المنتجة، مؤسسات خاصة أو من لدن التلفزيون ذاته، وتكون المادة مركبة وجاهزة للبث شهورا قبل حلول رمضان التالي.

 كل هذا غير متوافر لدينا، لدرجة لا ندري كم يصرف على هذه السلسلات، ومن يقوم على اختيار الأطراف المتدخلة بالعملية، ومن يمول، وكم حجم التمويل، وهكذا. كلها أمور لا نعلمها بدقة، بل أزعم أن العقود غالبا ما تتم على خلفية من المحسوبية والزبونية ولفائدة ذوي القربى والأصدقاء، وخارج مؤسسة التلفزة في العديد من الحالات، ودونما توفر دفتر تحملات، ودون مبارات لاختيار الأنسب.

النقد لا يستطيع أن يصحح مسارا كهذا، إذا لم تكن ثمة النية والقابلية قائمتين على الأخذ به، والتعامل معه بجدية، كظاهرة مواكبة وليس كغريم يتآمر على هذه الجهة أو تلك، أو يستهدف تصفية حسابات مع هذا الطرف أو ذاك. النقد الجاد هو عنصر ضمن عناصر العملية، المفروض أن يحضر أصحابه العروض التجريبية قبلما يحسم بشأنها، أو يستشاروا في نص أو سيناريو وما إلى ذلك. ثم جانب النقد أساسي في عملية التقييم، بغاية التقويم بالمستقبل، والمفروض أن يتم التعامل معه على هذا الأساس، لا على أساس آخر.

النقد هنا لا يجب أن يهدف إلى تبيان مكامن الضعف أو الهشاشة بهذه السلسلة أو تلك، بل يجب أن يقدم بدائل حقيقية، وإحداها فيما يبدو لي أن يفتح باب الترشيحات علانية، ويتم الاختيار على أساس الأفضل، لا على أسس أخرى، من قبيل المناداة على هذا "الفنان" المتواجد بكندا أو بفرنسا أو بضواحي الدار البيضاء من خلف ماشيته، فيعطاه العرض دونما منافسة تذكر.

أنا أتصور أن التلفزيون بات صناعة قائمة الذات، خاضعة للمنافسة والقياس بالسوق. بالتالي، وجب استحضار عوامل الجودة والمصداقية والصدق والجمال في اختيار هذا "الصانع" أو ذاك. وهي أمور مكرورة أيضا، لطالما نادينا بها ونادى بها متخصصون أخرون.

أريد أن أنبه إلى عنصر آخر مرتبط باللغة. الملاحظ بسيتكومات هذه السنة، كما بسيتكومات السنوات الماضية، أنها جرم ليس فقط في حق اللغة العربية، بل وأيضا بحق الدارجة. الدارجة المستعملة بهذه السلسلات، هي دارجة ممسوخة، غير منتقاة، وذات صفات تمييعية صرفة. إنها مذبحة للغة العربية وللدارجة المغربية معا، وإفساد للهجة الدارجة الجميلة التي نتواصل بها يوميا.

وأريد أن أنبه أيضا إلى أن الفكاهة الأمازيغية غير موجودة بالمرة، علما بأن الثقافة الأمازيغية حبلى بالصور الكوميدية الرائعة، وبالمواقف الساخرة الهادفة، وبالنكتة البناءة والممتعة. لست أدري أيضا لماذا تستبعد بشبكة سيتكومات رمضان، ومن يقف خلف إقصائها جملة وتفصيلا.

الأحداث المغربية: لماذا تتضخم نسبة الترفيه في رمضان وتكاد تنعدم في الشهور الأخرى؟ هل هناك حاجة ملحة تدعو القائمين على التلفزيون لإضحاك المشاهد في الشهر الكريم؟

يحيى اليحياوي: لربما يعود تضخم منسوب "الترفيه" برمضان إلى طبيعة الشهر ذاته. فالمشاهد يفضل أن تقدم له مواد خفيفة، ترفيهية، مسلية وجميلة، عندما يكون على طاولة الإفطار. هذه ليست قاعدة ثابتة، لكنها باتت منذ مدة تقليدا بالتلفزيون المغربي، وببعض التلفزيونات العربية أيضا.

ليس من الضرورة في شيء أن يضحك المشاهد ملأ ذقنه، بقدر أهمية استنبات المتعة فيما يقدم له، مسلسلا كان أم سيتكوما أم دردشة عادية، ولكم استمتع العديد من المغاربة بسلسلة "قناة الحريرة" مثلا، التي استبعد صاحبها من تاريخه لأسباب أجهلها.

إن الذي يقدم هذه السنة، كما السنة الماضية، كما من ذي قبل، لا يمت للضحك أو المتعة بشيء، إنه الضحك على الذقون، والاستبلاد بأبشع صوره وتجلياته. ومع ذلك، فهناك من القوم من تضحكهم هذه السلسلات، وتدخل السرور إلى قلوبهم. ترى ماذا سيفعل هؤلاء عندما تنتج سلسلات بالمعايير الفنية والجمالية المعروفة؟ أخالهم يبكون أو يتقززون. إنهم يعيشون معنا، لكننا لا نحتكم إلى نفس القيم التي يحتكمون إليها.

الأحداث المغربية: يلاحظ بأن القناتين تمطران المشاهد بكمية كبيرة متتالية من المواد الإشهارية في ذروة البث، تصل في بعض الأحيان إلى 16 دقيقة...هل يمكن اعتبار هذا أمرا عاديا بالنسبة لقناتين عموميتين تمولان من أموال الشعب؟

 يحيى اليحياوي: الإشهار بكل تلفزيونات العالم، مورد مالي أساسي، سيما بالقنوات الخاصة التي لا تستفيد من مساعدات المال العام. لكن وتيرة مرورها مقننة ومضبوطة ومحددة، ومعاقب على تجاوزها مدة وطبيعة وموضوعا. وهذا أمر لا يمكن للتلفزة بالمغرب أن تكون استثناء له بالمطلق كما بالنسبي. إلا أن منسوبها بالقناتين العموميتين، سيما بهذا الشهر، مبالغ فيه للغاية، إذ يبدأ قصف المشاهد بالوصلات الإشهارية مباشرة بعد انتهاء الآذان، وقد ذهبت القناة الثانية، ببداية هذا الشهر، لحد تمرير إشهار لشركة اتصالات قبلما ينتهي المؤذن من آذانه.

ثم إن هذه الوصلات، غالبا ما تركز على الجانب الاستهلاكي الصرف، وتذهب لحد تأجيج نعرة الاستهلاك، كما لو أن لا هم للمغاربة بهذا الشهر إلا الاستهلاك في أقصى أوجهه. وحتى هذه الوصلات مصاغة بطريقة ارتجالية، تحيل على الرتابة والإزعاج، على اعتبار أسلوبها المباشر المتجاوز، ورسالتها الموجهة الفجة. إنها أسلوب من أساليب الابتزاز الجديدة.

القناتان التلفزيتان بالمغرب عموميتان، تتحصلان على نسبة من المال العام مباشرة، وتدعيان المرفق العام والخدمة العمومية، في حين يبدو مع الحجم الضخم للإشهار بهما ولكأنهما قناتين خاصتين بامتياز. المفروض أن يكون للهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري رأي بهذا الخصوص، لكنها لم تحرك ساكنا، اللهم إلا وعد خجول بأنها ستقدم تقريرا عن الإشهار بنهاية الشهر، لا أدري لأية غاية.

من جهة أخرى، فالمواد الإشهارية الممررة هي في الغالب الأعم لنفس المؤسسات، ويعاد تمريرها بطريقة متوالية لدرجة التقزز، علما بأن النظرية تثبت أن الإلحاح في قصف المشاهد قد يدفعه للتبرم عن المادة المراد إشهارها. بهذه النقطة أيضا، يبدو لي أن هدف المشهرين هو التواجد بهذه القناة أو تلك، بصرف النظر عن رد فعل المشاهد أو مستوى إشباعه من هذه السلعة أو الخدمة أو تلك.

إذا سلمنا بأن وتيرة الإشهار بالقناتين مرتفعة، وسلمنا بأنها مصدر مداخيل ضخمة، فكيف الادعاء بضعف الإمكانات، كلما سألنا عن تواضع هذا المنتوج التلفزيوني أو ذاك بالقياس إلى ما يقدم ببلدان شبيهة لنا؟ إلى متى سنبقى ندور بفلك أسطوانة "ضعف الإمكانات"، علما بأن ثمة من البرامج ما لا يتطلب مالا كثيرا لتمويله؟ إن التدثر خلف هذه الأسطوانة لتسويغ ضعف المنتوج لم تعد مبنية، المفروض البناء على غيرها.

الأحداث المغربية: هناك كتاب و فنانون كبار تورطوا في أعمال تلفزيونية رديئة...كيف يمكن أن تشرحون لنا ذلك؟

 يحيى اليحياوي: عندما تسأل بعضا مما تسميهم فنانين وكتاب كبار عن السر في ذلك، يجيبونك للتو بأن السبب هو غياب البديل، وبأن الفنان المحترف لن يكون بمقدوره تحصيل لقمة العيش لأبنائه إن هو انتظر حتى يأتيه النص السليم والدور الأسلم. بالتالي، فهو يقبل بما يعرض عليه حتى وإن تنافى مع قناعاته، أو أبانه أمام جمهوره بمستوى دون مستواه المعهود. هذه حقيقة لا يمكن المكابرة لتجاهلها، وقد أسر لي بها أكثر من فنان، لدرجة خاطبني أحدهم وأنا بمحاضرة بمدينة مراكش من سنة، بما معناه أنه ليس متذمرا مما قدم فحسب (يعني بإحدى سيتكومات 2007) بل خجول في الدفاع عنها. هذا واقع قائم لا مجال للمزايدة بشأنه.

ثم هناك من الفنانين من يرتضي لنفسه "التورط" بكذا مهازل لأسباب يصعب تفهمها، وإلا فما معنى أن يشارك فنان من حجم عبد الوهاب الدكالي، في إحدى السيتكومات التافهة من سنتين أو ثلاث سنوات؟ قد يكون الإغواء وقد يكون الإغراء، وقد يكون شيئا آخر، لكنه ليس ضيق حال بكل الأحوال.

أنا أزعم أن الفنان ذي المصداقية الثابتة، والقناعة الراسخة بفنه وعطائه، لا يستطيع المجازفة بكذا سلسلات، إذا لم يكن لديه الثقة بأنها ستضيف شيئا إلى مساره. الفنان هنا لا مجال لإغرائه أو إغوائه، حتى وإن كان بوضعية العوز. يبقى أن يعملوا على بلوغه وإقناعه بالنص الجيد والسيناريو الجيد والممثلين المتجاوبين معه.

الأحداث المغربية: لماذا لا ينفذ النقد إلى داخل الجسم التلفزيوني..؟ ولماذا لا يأخذ القائمون على التلفزة  رأي الشارع والانتقادات العديدة الموجهة إليهم في الصحف بعين الاعتبار؟

يحيى اليحياوي: قرأت مؤخرا بأن القطب العمومي قد قام بقياس نسب مشاهدة سيتكومات هذه السنة، وتبين له أن "نسبة المتابعة مرتفعة"، وأن "المغاربة متعطشين إلى المنتوج المحلي والوطني"، وأنهم بالتالي راضين عما يقدم لهم وهم حول مائدة الإفطار.

قد يكون بهذا القول بعض من الوجاهة، إذ قد يكون الإقبال على هذه السلسلات "مرتفعا" بالداخل، وقد يكون أكثر بالخارج، حيث الحنين إلى الوطن يدفع لاستحباب كل ما يأتي منه. ف"المنحوس" قد يذكر مهاجرا سريا بواقعة، وقد يبث بخاطر عامل بإحدى ضيعات إسبانيا الطمأنينة والغبطة والذكرى الجميلة وهكذا. الإقبال هنا مسألة نسبية للغاية، ولا يمكن الاعتداد بها لإصدار حكم أو تقييم مادة.

إلا أن نسبة الإقبال، وإن كانت ضرورية لنجاح هذه السيتكومات، فهي غير كافية لضمان رضا المشاهدين عليها، تماما كرضا مواطن من البادية بحافلة مهترئة، في غياب حافلات مكيفة ومريحة. الإقبال على مادة ما شيء، واستلطافها لدرجة الرضا شيء آخر، تماما كالفرق بين الرأي المؤسس والمبني والانطباع العابر.

بالمقابل، فإذا تسنى للقائمين على التلفزيون تحديد نسب المشاهدة، فلم يا ترى لا يقومون بالشيء نفسه لتلمس تطلعات المشاهدين، قبل الإقدام على إنتاج هذه السلسلات؟ حينها، وحينها فقط، سيكون بالإمكان، تقييم المنتوج بالقياس إلى ما حدد سلفا، أي قبلما تدور عجلة الإنتاج.

أعود وأؤكد أن ما يقدم بالسنين الأخيرة، لا يعتبر بالمرة من رأي الجمهور، أو من النقد على تواضعه وندرته وجديته. والسبب في ذلك أنه ليس ثمة قابلية للقبول بالرأي الآخر، حتى وإن كان مصيبا... وهذه هي مصيبتنا.

* "يحيى اليحياوي: ما يبث برمضان من سيتكومات هو أقرب للدراما الحقيقية منه إلى الفكاهة أو الكوميديا"، استجواب، مجلة الأحداث .ت.ف، العدد 92، 27 شتنبر-10 أكتوبر 2008.

Vous pouvez partager ce contenu