Aller au contenu principal

المعرض يطرق الرهانات المعرفية والأدبية والرقمية لمجتمع المعرفة في العالم العربي

لم يعد مجتمع المعرفة اختيارا، بل ضرورة ملحة تندرج في مشروع مندمج وشامل يقتضي نقل المعرفة وتوطينها، واستنباتها وتملها. هذا ما استهل به الباحث محمد نور الدين أفاية مداخلته في ندوة “مجتمع المعرفة ورهانات التنمية”، التي انعقدت بقاعة صالح الشرقي بعد زوال الجمعة الماضية.

ولتسليط مزيد من الضوء على هذا القول الذي يدعو ضمنيا إلى تدارك التأخر الحاصل في هذا الباب، قال أفاية إن الإنسانية دخلت إلى مرحلة معرفية وتبادلية جديدة، بعدما كانت المعرفة، من قبل، نخبوية، لتصبح شأنا عموميا. وقد ساعد في تعميم المعرفة، كما قال الباحث، انتشار التعليم والمعلوميات، وكذا الثورة المعاصرة الحاصلة في مجال نشر المعرفة، حيث لم تعد هذه الأخيرة، في نظره، حكرا على نخبة، أو حضارة، أو منظقة، أو حتى جماعة محصورة، بل أضحت جماهيرية. ولا يمكن اختزال مجتمع المعرفة، كما يرى أفاية، في تقنيات، بل هو هو “جُماع روافد المعرفة”. في هذا السياق، شبه الباحث المعرفة بالماء، الذي يحفر مجراه بشكل عميق وفريد. إذ يصعب اليوم حصر المعرفة، أو ضبطها، أو تقييدها داخل مجال محدد، أو هامش أو حيز معين.

وفي محاولة تعريفه هذا المفهوم، تساءل أفاية عما إذا كان الأمر يتعلق بحوامل مثل الحواسيب والهواتف وباقي الأدوات الإلكترونية المتطورة، أم بمجتمع تجاوز الاقتصاد الصناعي إلى الاستثمار الذهني، أم بمجتمع استطاع أن يعمم التعليم والمعرفة. وقد خلص أفاية من خلال هذه الأسئلة إلى القول إن المعرفة تغطي جميع الحقول، وإلى اعتبار مفاده أن تملك المعرفة لا يكفي لتحديد ما يرغب الإنسان في معرفته.

وتناول الباحث يحيى اليحياوي، من جانبه، ما سماه بالمحددات الكبرى لمجتمع المعرفة، منطلقا في هذا التناول من تقرير التنمية الإنسانية في العالم العربي، للحديث عن ثلاثة مؤشرات. إذ يفيد المؤشر الأول أنه لا يمكن لأي مجتمع أن يصبح مجتمع معرفة، ما لم يتحقق تعميم القراءة والكتابة. وبالرغم من أن نسبة الأمية انخفضت من 60 إلى 43 في المائة، فإن حجم الأمية ازداد، كما قال اليحياوي، لأن العالم العربي دخل القرن الجديد بـ60 مليون نسمة من الأميين، والجزء الأكبر من هذا المعدل يتكون من النساء، خاصة نساء القرى والأرياف. هذا الواقع أفرز اختلالات كبرى على مستوى التنمية، خاصة سوق الشغل والابتكار، حيث خلص الباحث، في هذا الباب، إلى أنه لا يجوز الحديث عن مجتمع المعرفة ما لم تنشر التربية والتعليم انتشارا شاملا.
أما المؤشر الثاني، فيرتبط بتدني البحث العلمي والإبداع التكنولوجي، حيث أن الميزانية المخصصة لهما منخفضة جدا في العالم العربي، مما أفرز اختلالات كبرى على مستوى مداخيل التنمية ومخارجها. ويتعلق المؤشر الثالث بتدني منسوب ما ينتجه العالم العربي من معارف ومضامين باللغة العربية، وهو يتراوح بين 2 و5 في المائة مما ينشر على الإنترنت. وقد خلص اليحياوي إلى أن الركائز الكبرى لمجتمع المعرفة تقوم على ضرورة إصلاح المنظومة السياسية، وخلق ظروف مناسبة لخلق هذا المجتمع، أي أنه رهين بوجود بيئة، لا أن يتعلق الأمر بظاهرة فحسب.

من جانبه، اعتبر الباحث محمد زرنين مجتمع المعرفة تحديا نظريا ومنهجيا معقدا ومركبا، ذلك أن التفكير فيه ينتهي بصاحبه إلى التشاؤم. ورهان الموضوع، في نظر الباحث، هو رهان التربية والتكوين، حيث يعتبران البوابة التي تسمح بولوج مجتمع المعرفة. ويقوم هذا الرهان، كما يرى زرنين، على تبيئة الشروط واستنبات العوامل المساعدة على بناء مجتمع المعرفة.


* "المعرض يطرق الرهانات المعرفية والأدبية والرقمية"، جريدة الأحداث المغربية، الدار البيضاء، 21 فبراير 2012.

Vous pouvez partager ce contenu