Aller au contenu principal

"تحديات القطاع السمعي- البصري بالمغرب"

news-details

الحديث في السمعي-البصري بالمغرب بصيغة التحديات أو من منطلق الرهانات يثير في ذهني على الأقل ثلاث ملاحظات أولية كبرى:

- أولا، هو قول حق أريد به باطل. أعني لو قسنا هذه التحديات والرهانات بمعضلاتنا الكبرى (معضلة أزمة الاقتصاد وتأزم المجتمع وتيه السياسة والثقافة) لو قسناها هكذا لكان تحدي السمعي-البصري ورهاناته أهون وأخف. أما وأن لكل تحدياته ورهاناته فإن الأمر أصبح أقرب إلى الأدلجة منه إلى واقع الحال أو غير ذلك مما شابهه.

- ثانيا، الحديث في تحديات ورهانات السمعي-البصري بالمغرب لا يمكن ضبطه عند هذا الطرف أو ذاك سيما إذا كانت هذه الأطراف مخترقة بتصورات مبهمة أو غير قارة. بالتالي فالحديث في تجليات هذه التحديات والرهانات التي تجرها من ورائها هو أقرب إلى الموضوعية ما دامت التجليات ظاهرة وبارزة، والخفي هي التحديات والرهانات التي يتمثلها هذا الطرف أو ذاك.

سأتحدث هنا في التجليات من منطلق كونها عنصرا أساسيا لتبيان التحديات والرهانات.

- ثالثا، لن أتحدث هنا إلا عن التلفزة لا سواها ليس فقط لكوني أشتغل عليها، ولكن بالأساس لأنها مكمن الرهان والأخطر أثرا ومصدر التنابذ والممانعة   الملاحظين بالمغرب منذ الاستقلال.

هذه ملاحظات أولية قدمتها هنا لضبط الإطار العام الذي من الواجب تقديمه في بداية هذه المداخلة.

وعلى هذا الأساس، فلو جاز لنا أن نستقرأ واقع التلفزة بالمغرب، أن نستقرأ آليات الاشتغال التي تعمل وفقها أو مستويات الضغط التي كانت فضاءها وموضعها، لاستقرأنا كل ذلك، ودونما مجازفة كبرى، على خلفية المحنة التي عاشتها ولا تزال، وعلى أساس من البلية والنكسة التي كانت، في آن معا، مكمنها ونقطة مصبها.

والواقع أن وضعية المحنة هاته (بالتلفزة أعني) هي أصلا وبالأساس من أربع معضلات ومن أربع محن أخرى عاشها المغرب ولا يزال لأكثر من أربعة عقود من الزمن مضت، سأحاول أن أختزلها هنا في أربع حقائق كبرى:

- الحقيقة الأولى أن محنة التلفزة بالمغرب هي، في عمقها وفي جوهرها، من محنة الجسد الإعلامي برمته ومن النكبات التي طالته منذ مرحلة الستينات على الأقل وإلى اليوم.

محنة الجسد الإعلامي هاته لا تتجلى فقط في ممارسات الإكراه والتضييق والمنع والإقصاء وفرض الفكر الواحد على الأفراد وعلى الجماعات، ولكن أيضا في كون الإشكالية الإعلامية (بكل مكوناتها المكتوب والمسموع والمرئي) لم تحسم، وعناصرها لم تطرح الطرح السليم ولربما لم تطرح حتى.

قد نسلم ببعض الانفتاح التدريجي بداية الثمانينات (على اعتبار فضاء الحرية النسبي الذي أتيح للمكتوب، للسينما، للمسرح وللإذاعة وغيرها)، لكن بقدر انفتاحه على هذه المكونات بقدر تشديد "القبضة" على الممارسة التلفزية باعتبارها الأقوى، باعتبارها الأخطر وباعتبارها الواسعة الانتشار.

الملاحظ إذن أن المسألة التلفزية بالمغرب (كجزء من الممارسة الإعلامية) لم تطلها، على مستوى المضمون بالأساس، ما عرفته تلفزات العالم من طفرات ضخمة (تكنولوجية ومؤسساتية) تعدت البعد الأدواتي لتمس المضامين، مضامين ما يجب تقديمه والاشتغال عليه.

هذه حقيقة أولية: حقيقة أن التلفزة لن تتحرك ولن تتغير طالما لم يحسم الإشكال الإعلامي برمته بما هو مؤطرها ومرجعيتها أيضا.

- الحقيقة الثانية، أن محنة التلفزة بالمغرب (أكثر من غيرها من مكونات "الفضاء الإعلامي" بالمغرب) هي أيضا من محنة السياسي، من محنة الممارسة السياسية ومن محنة الديموقراطية بداية المطاف ونهايته.

محنة التلفزة مع السياسي لم تتجل يوما فقط في استصدار المؤسسة (مؤسسة التلفزة) من لدن السلطة (أعني من لدن الداخلية) وعنجهيتهم في التعامل معها (بمنطق الأمن ونظرية المؤامرة)، أقول لم تتجل في هذا فحسب، بل تجلت أيضا في الحيلولة دون أن تكون التلفزة مرآة للواقع السياسي أو (بأقصى تقدير) في أن تكون قاطرة لتجدير الانتقال الديموقراطي (إذا كان هناك عزم على ذلك).

محنة التلفزة (جراء السياسي) هي إذن من محنته معها في تدبير الشأن العام، ومن محنته معها أيضا داخل الجهاز نفسه (أي داخل التلفزة) مادام القائمون عليها رجال أمن وسلطة لا رجال تلفزة وإعلام.

ليس غريبا إذن ملاحظة أن وظيفة التلفزة تحولت من سلطة الكلمة إلى كلمة السلطة، تهلل لها، تنفخ فيها وتنشر "تعاليمها" على نطاق واسع.

وليس غريبا أن يخضع الأفراد والجماعات، الفكر والفكر المضاد، الاجتهاد والاجتهاد المضاد لكل ضروب المنع والإقصاء والتمييع ولشتى أساليب الهجرة والقسر ولأعنف صور التبئيس والتفقير (مقابل تلميع وجوه والدفع بأفراد لم تثبت الممارسة كفاءتهم و لا صدق نيتهم ولا نظافة ذمتهم حتى.

وليس غريبا أيضا القول بأن التلفزة كانت ولا تزال عائقا من عوائق الديموقراطية ما دامت تشتغل وفق منطق مؤسسة (أعني الداخلية) لا هما ديموقراطيا لها كي لا أقول بأن تطوير الإشكال الديموقراطي هو آخر "المفكر فيه" من بين ظهرانينا.

الحاصل إذن أن عنف السياسي الضيق أعاق التلفزة وأعاق الديموقراطية وأضاع ما ينيف عن سنتين من تجربة (تجربة التناوب) لم تستطع على الرغم من تزكية الملك الراحل لها من تحريك الملف أو تجريب اجتهادها في الميدان.

بالتالي فالمسألة التلفزية ومن خلالها الإعلامية ستبقى مطروحة بحدة (داخل المشهد الإعلامي بالمغرب) طالما لم تحسم علاقتها مع السياسة، مع السلطة ومع طرق التعامل وقضايا الشأن العام.

- الحقيقة الثالثة أن محنة التلفزة بالمغرب (في بعدها الاجتماعي والاقتصادي هذه المرة) هي كذلك من محنة الثقافي بالمغرب بما هو مكمن الهوية ومصدر الخصوصية وسبيلا من سبل الانفتاح على العصر وعلى رهانات العصر.

والواقع أن محنة الثقافي بالمغرب لا تكمن فقط في ضروب التمييع التي تطاله في الميدان العام (جراء هجرة القراء واستهجانهم "للعطاءات" الثقافية البائسة) ولا تكمن فقط في محنته (أعني الثقافي) داخل التلفزة (جراء المعالجة السطحية للإشكالية الثقافية من لدن التلفزة) ولكن أيضا وبالأساس بسبب تعذر حسم الإشكالية الثقافية ذاتها: أي ثقافة نريد؟ وفق أية مرجعية نبني؟ على أساس أي مشروع مجتمعي نريد هذه الثقافة أو تلك اللغة وبأي مقياس...؟

ضمن هذه الحقيقة، حقيقة محنة الثقافي خارج التلفزة وداخلها، تبرز أيضا محنة اللغة بما هي وعاء التخاطب والتواصل وبما هي كذلك كنه الهوية والخصوصية والتميز الإيجابي.

ليس التلميح هنا فقط إلى البعد الفرنكفوني الذي يتموقع خلف استعمال اللغة الفرنسية بالقناتين، وليس التلميح أيضا إلى تضارب الفصحى بالعامية في التلفزيون، ولكن أيضا إلى الإشكال اللغوي الحقيقي الذي تطرحه الأمازيغية والذي لا يلقى إلا معالجة سطحية بئيسة تترجمها " نشرة اللهجات" أو الطابع الفلكلوري الذي تقدم به ثقافة وهوية وخصوصية جزء كبير من ساكنة المغرب نهاية هذا القرن.

سيبقى الإشكال الثقافي واللغوي بالتلفزة مطروحا (أعني متذبذب الطرح) طالما لم تحسم الإشكالية الثقافية برمتها باتجاه أي ثقافة نريد و بأي لغة نريدها...الخ.

- الحقيقة الرابعة أن محنة التلفزة بالمغرب هي كل هذا مجتمعا دون أدنى شك، لكنها أيضا من محنة المشروع المجتمعي الذي لم يتسن له البروز والتجدر ولم يتسن بالتالي البناء عليه لإقامة مشروع تلفزي وإعلامي بوجه عام.

بمعنى أنه لم ولن يكون للمشروع التلفزي الحقيقي، الهادف والبناء، لم ولن يتسنى له البروز ما دام المشروع المجتمعي الذي يجب على أساسه البناء لم يقم، إذ المشروع التلفزي جزء من المشروع المجتمعي (وإن كانت الجدلية  عكسا قائمة ومبررة).

محنة المشروع التلفزي هي إذن من محنة ولادة وتكريس المشروع المجتمعي بما هو صياغة للرؤيا وترجمتها إلى سياسات وإلى واقع حال.

بالتالي، فمادام المشروع المجتمعي (الذي من شأن المشروع التلفزي أن يتكأ عليه، يبني عليه ويؤسس) غير قائم، فلن تكون هناك قائمة للمشروع التلفزي والإعلامي الجاد بوجه عام.

هذه الحقائق، هذه المحن الكبرى أعني، هي التي فعلت في التلفزة بالمغرب باتجاه أن تكون على ما هي عليه الآن وليس غير ذلك: منع الأفراد والجماعات وإقصاء الفكر الآخر، سيادة كلمة السلطة على سلطة الكلمة، تفشي ثقافة الميوعة والفن المتدني، تناحر في اللغة أو اللهجة الواجب التعامل بها، تهميش لقضايا المغرب الكبرى والتهليل بولاة الأمر والنهي وقس على ذلك.

ما البديل إذن للخروج من المحنة؟ هل من مشروع تلفزي (وإعلامي عموما) يكون صورة لمغرب المستقبل وقاطرة (ضمن أخريات) للدفع به باتجاه الديموقراطية والعدالة في توزيع السلطة المادية واقتسام السلطة الرمزية المحتكرة لهما معا؟

الواقع أن التساؤل بهذه الصيغة يحيلنا (ولا يمكن إلا أن يحيلنا) على مسلمة بسيطة: مسلمة أن المشاريع بالمغرب  نوعان، إما تكون جادة فتوأد في مهدها أو تكون غير جادة فتعتمد وتسود، وهذا أمر يصدق على كل "المشاريع" بالمغرب.

لو كان لنا، بصرف النظر عن هذه المسلمة، أن نتصور مشروعا تلفزيا عاما لمغرب العقود الأولى من القرن المقبل لتصورناه على مستويين:

+ أولا على مستوى الاعتراف بمحدودية "المشروع" التلفزي (إذا  كان السائد  مشروعا) الذي اعتمدته السلطة لأكثر من أربعة عقود.

+ وثانيا على مستوى ما يجب أن يكون قياسا إلى حركية محيط، إلى حركية مجتمع وإلى حركية التاريخ بوجه عام.

الفارق بين المستويين هو من الفارق بين التلفزة كجهاز والتلفزة كجزء من جهاز، أي بين التلفزة كسلطة والتلفزة كجزء من نظام سلطة قائم.

مشروع التلفزة للأربعة عقود الماضية لم يكن إذن لينتج واقعا آخر غير واقع المحنة الذي أنتجه:

°- فهو لم يكن مبنيا ، لا في شكله ولا في جوهره، على رؤيا واضحة وتصور مستقبلي جلي (بدليل أنه لم يستفد من طفرة البث الفضائي وثورة التلفزات من حوله).

°- ولم يكن مؤطرا، لا في قلبه ولا في قالبه، باستراتيجية إعلامية (وتلفزية خصوصا) تترجم الرؤيا إياها إلى برنامج عمل متوسط وطويل المدى (لاحظ نشرات الأخبار بين دقيقة وساعتين).

°- ولم يكن، فضلا عن كل هذا وذاك، أمينا في تقديم القضايا الكبرى التي ترهن حاضر المغرب وتربط مستقبله (لاحظ خطابات "حساسيات المرحلة"، "حساسية المنطقة"...الخ).

لهذه الاعتبارات أعتقد أن سيناريو الاستمرارية في هذا التصور وذاك الاشتغال سيكون من العبث ولربما من غير الوارد احتكاما إلى إشارات الملك الأخيرة بإزاحة القائم على هذا السيناريو.

ولهذه الاعتبارات أيضا أعتقد أن سيناريو الإصلاح (من قبيل تغيير العقليات أو تشحيم الميكانيزمات) هي من العبث أيضا على اعتبار تعذر إصلاح ما أفسده الدهر حتى وإن كنت متعاطفا في المرحلة الراهنة مع خطاب التدرج بحكم قوة اللوبي الممارس داخل الفضاء الإعلامي والتلفزي وخارجه.

لكن لهذه الاعتبارات أيضا أعتقد أن سيناريو التغيير وقطع أوصال اللوبيات هو الأقرب إلى نفسي وهو الأنجع حلا والأقوى مفعولا.

أتصور شخصيا سيناريو التغيير هذا على ثلاثة مستويات كبرى سأطرحها هنا باختصار شديد:

- المستوى الأول، مستوى مؤسساتي محض على اعتبار أن المشروع التلفزي المنظور (والإعلامي أيضا) إنما هو (ويجب أن يكون) رافدا من روافد البعد السياسي (الديموقراطي أعني) والثقافي واللغوي والمجتمعي الذي تحدثت فيها من قبل  بصيغة المحنة: هم جميعا جوهر المشروع الذي أتصور فيه التلفزة سلطة لا جزءا من سلطة، جهازا لا جزءا من جهاز، بنية لا جزءا من بنية.

هذا مستوى أولي لا مندوحة عنه لتحديد الأرضية واستنبات الخلفية والمرجعية وإقامة الركائز.

- المستوى الثاني، مستوى عملي خالص ويتمثل في ضرورة تفكيك "المركب التلفزي" الذي تبنته السلطة (الداخلية) حول التلفزة تصورا وتسييرا و لا تزال تفعل فيه وإن بصورة تجميلية خلال الأيام الأخيرة.

 تفكيك المركب إياه إنما يتمثل  في توقيف العجلة التي دارت عليها التلفزة لحد الآن وإدخال عجلات ومحرك جدد لتفعيل التلفزة وفق تصور جديد، وفق ثقافة جديدة ووفق وجوه جديدة وهكذا.

أعني بهذا المستوى التسريع برفع المحنة عن التلفزة بالمغرب تماما كما رفع السلطان بأمر منه محنة ابن رشد.

- المستوى الثالث ويتمثل بالأساس في ضرورة تحديد الرؤية الواضحة والجلية لما نريد أن يكون عليه المغرب في الألفية القادمة ليس فقط على مستوى التلفزة ولا على مستوى الإعلام ولا على مستوى الثقافة واللغة ولكن أيضا وبالخصوص على مستوى الممارسة الديموقراطية للشأن العام، إذ الممارسة هاته هي التي ستحدد، بداية المطاف ونهايته، أفق مغرب القرن المقبل بحيويته وتطلعاته وتناقضاته.

 بالتالي فقناعتي العميقة أنه لن يكون هناك مغربا إلا وفق التصور الذي نريد ووفق الحق في الاختلاف الذي يجب الدفع به ووفق تنافس المشاريع والمشاريع المضادة لا تصارعها وتناحرها.

 وما دمنا نحن الذين هم هدف ووسيلة الفعل والتفاعل في آن معا ، فمن حقنا أن نكون أصحاب مشروع أو على الأقل أصحاب رأي حر.

* "تحديات ورهانات السمعي-البصري بالمغرب"، محاضرة، نادي الطليعة السينمائي، سيدي سليمان، 4 دجنبر 1999.

Vous pouvez partager ce contenu