لا يفصلنا عن "الذكرى" الأولى للغزوة العسكرية الكبرى التي شنها التحالف الأنجلو/أمريكي على العراق إلا بضعة أسابيع، تماما كما لا يفصلنا عن سقوط عاصمته وسقوط البلد جملة وتفصيلا إلا بعض من الأيام قليلة سيتسنى ضمنها للعديد (للكل ربما) تقييم الذي جرى و"تحقق"، وسيتسنى على هامشها للبعض الآخر استشراف الذي سيجري و"سيتحقق".
ولئن كان التباين صارخا (ولا يزال) بين مواقف من أيد الغزوة ضمنا ومن صفق لها جهارا ووفر لها المسوغات خطابا وفعلا، فإن الثابت القائم الذي لا يطاله التباين إطلاقا إنما واقع حال الاحتلال المباشر الذي يوجد عليه العراق منذ سنة من الزمن، عراق يديره اليوم حاكم مدني أمريكي تماما كما كان الحال في ظل الاستعمارات التقليدية التي خلناها انقضت دونما إمكانية الارتداد بداخلها.
والواقع أن حقيقة الاحتلال هي التي لا اختلاف حولها ولا خلاف حول توصيفها حتى وإن عمدت العديد من الجهات إلى تلطيف العبارة أو اعتبارها قوية المفعول "مادام الشعب العراقي هو الذي استجدى بالقوى الأجنبية لتخليصه من نظام حكم تلاشت مكوناته الموضوعية منذ استلم السلطة أواخر سبعينات القرن الماضي".
ولئن سلم المرء بذات الحقيقة (حقيقة الاحتلال المباشر بتواجد الحاكم باسم الأمبراطورية ببغداد)، فإنه لن يكون بمستطاعه سوى التسليم بثلاث حقائق كبرى أخرى اعترفت بها سلطة الاحتلال ولربما قبل أن يسلم بها الذين ناوئوها أو الذين قاوموها ولا يزالوا يقاومون وجودها بالكلمة والنار:
+ الأولى وتتمثل في خلو العراق التام من "أسلحة الدمار الشامل" التي على خلفية وجودها "المؤكد" تم تبرير العدوان دونما توفر الأدلة على ذلك أو توفر الحجج.
لم يكن الشك (من لدن الإدارة الأنجلو/أمريكية) قائما بشأن تواجد ذات الأسلحة بالعراق (أو تسنى لهذا الأخير إخفاءها أو أعاد إنتاج بعض من عناصرها)، بل كان اليقين القائم أنها لا توجد وعلى أساس ذات اليقين اتخذ قرار الغزو وعمد إلى تنفيذه.
الولايات المتحدة (وبريطانيا من خلفها) كانت تترصد (ولزمن غابر) الفرص لاحتلال العراق: احتلاله لنفطه، لموقعه الجيو/ستراتيجي، لتهديده إسرائيل، لحضارته، لعلمائه ولما سوى ذلك...ولم يكن لها حساب كبير مع النظام القائم به ولا مع السلوك السياسي لذات النظام ولا مع ممارساته مع شعبه أو مع جيرانه.
بالتالي، فلم تعد الإشارة بالأصبع موجهة لوجود هذه الأسلحة (من عدمه) بقدر ما أضحت، بالتبرير التدريجي في ثبوت خلو العراق من ذات الأسلحة، توجه إلى الأدمغة التي تعتقد ذات الإدارة أنها كانت خلف برنامج العراق التسلحي...من باحثين وعلماء وخبراء وتقنيين وما سوى ذلك.
+ أما الحقيقة الثانية فتكمن في التبشير بالديموقراطية التي لطالما تمت إشاعة "حتمية" قدومها قبل الغزوة كما في خضمها كما طيلة سنة من الاحتلال بأيامها الطويلة ولياليها الأطول.
لا يقتصر الأمر، بهذه النقطة، على تعيين الحاكم المدني لمجلس حكم عميل معظم أعضائه مشبوهون وبعضهم مجهول الصفة والتاريخ، بل وأيضا بتلكؤ ذات الحاكم بإزاء قرار الانتخاب الذي من شأنه إفراز نخب سياسية لن تفتأ مبدئيا مع الزمن على المطالبة برحيل الاحتلال وتصفية قواعده بعدما يتسنى لها استعادة سيادة لم يعمل ذات المجلس إلا على تمريغها في التراب.
لربما قد لا يحن المرء للنظام السابق، لكنه لن يكون بمستطاعه المفاضلة لفائدة القبول بنظام عميل لا سلطة لديه إلا ما يمليه الحاكم المدني أو يلمح إليه أو يشير على اعتماده وتبنيه.
+ الحقيقة الثالثة ومفادها أن تباشير الاستقرار والأمن التي لطالما رفع لواءها التحالف الأنجلو/أمريكي،إنما أضحت (وكانت في الأصل) خطابا استهلاكيا لم يعش العراق الحد الأدنى منه على المستوى الجماعي كما على مستوى الهيئات والأفراد والجماعات.
العراق أضحى، منذ احتلاله، مسرحا للقتل وللقتل المضاد، مكمنا للاغتيال والاغتيال المضاد، موضعا للمصادرة المباشرة دونما قوة ردع تذكر أو قانون يحمي الملك والعرض والشرف.
لم يتحقق الاستقرار إذن ولا حلت تباشير الديموقراطية ولا ثبت امتلاك العراق لأسلحة تدمير من هذا النوع أوذاك والتي على خلفية حيازته لها دمرت مقومات دولة وزج برئيسها ومعاونيه بالسجون بعدما مرغت الكاميرات آدمية بعضهم في إخراج استعراضي لم يألف العالم رديفا له إطلاقا من ذي قبل.
أين أسلحة الدمار الشامل؟ قد تكون "تسربت إلى سوريا قبيل أو أثناء الحرب" يقول بعض الغلاة. وقد تكون حقا قد خضعت للتدمير قبل الحرب يقول بعض آخر. لكنها، يقول "مجتهد" ثالث متجاوزا كل ذلك: إذا لم تكن بهذا المكان أو ذاك، بهذا الحجم أو ذاك، فإنها موجودة تأكيدا بالعقول التي صممتها وطورتها وسهرت على إنتاجها...
بالتالي، يقول ذات الطرف، فقطع دابر إمكانية استنبات ذات الأسلحة من جديد إنما يمر (ويجب أن يمر بنظره ونظر الأغلبية معه) عبر مساءلة العلماء العراقيين الذين قاموا عليها و مصادرة وثائقهم أو ترغيبهم لمغادرة العراق للاستفادة من خبراتهم أو تدمير المعرفة المتواجدة بأذهانهم أو العمل على تصفيتهم جملة وتفصيلا إن تعذر كل ذلك ولم يؤت أكلا (تماما كما فعلت مع علماء ألمانيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية).
والواقع أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تفتأ (منذ حرب الخليج الثانية) تغازل علماء العراق بغرض استقطابهم بمراكز أبحاثها وجامعاتها ومختبراتها، لكنها لم تنجح...ولم تفتأ (ومن خلفها بريطانيا) في مساومة ذات العلماء للإفصاح لها عن مكامن المشروع العراقي ولم تنجح...ولم تتنازل عن إصرارها تضمين قرار مجلس الأمن (القرار 1441) بندا يسمح لمفتشي الأمم المتحدة مساءلة واستجواب العلماء العراقيين العاملين بالمشروع إياه أو المتخصصين بالجامعات العراقية في العلوم الفيزيائية والرياضية والكيماوية والبيولوجية والنووية وما سوى ذلك.
وقد تم لهم ذلك، فاستجوبوا أكثر من عالم وصادروا وثائق ومراسلات أكثر من أستاذ جامعي متخصص وهكذا...ولم يسفر كل ذلك عن حوصلة مهمة تذكر...بل قل لم يشفع كل ذلك للعراق تعاونه ولا حال دون استمرار الشك والاتهام بشأن "المخزون الضخم من أسلحة الدمار التي يعمل على إخفائها ويراوغ في كشف أمكنة تواجدها".
لم يكن أمر استجواب علماء العراق أو مداهمة مكاتبهم ومصادرة أبحاثهم ولا مسألة الاستفراد بهم أو ترحيلهم إلى "أماكن آمنة لاستنطاقهم"...لم يكن كل ذلك محكا، المحك كان المراهنة على رفض الرئيس العراقي لذلك كي تجد الإدارة الأمريكية مبررا إضافيا يوفر لها مسوغة الغزو ويضمن لها "مشروعيته" في القرار كما في التبرير.
ليس ثمة شك، فيما اعتقدناه ولا نزال نعتقد به جازمين، أن قرار الغزو كان مبيتا بوجود ذات الأسلحة كما بعدمه، باستجواب علماء العراق كما بعدم استجوابهم، بتجاوب العراق مع قرارات مجلس الأمن كما باعتباره ذات القرارات مجحفة وظالمة...الغزو كان أمرا مبيتا... وكان بائنا أنه لن يسلم من آثاره وتبعاته لا دولة العراق ولا شعبه ولا علماءه...ولن تشفع له في تجنبه ذلك لا آلاف الوثائق ولا مئات الأقراص المدمجة التي سلمها للأمم المتحدة متضمنة ما يتوفر لديه بما في ذلك أسماء وعناوين العلماء العاملين في الحقول المرتبطة بذات الأسلحة، الصرف منها كما التطبيقي سواء بسواء.
يقول الجنرال فينيست بروكس: إن الولايات المتحدة الأمريكية "لها أهداف أخرى أيضا غير الإطاحة بصدام وعلى الأخص القضاء على مقدرة العراق على تطوير أسلحة نووية أو كيماوية أو بيولوجية...".
من تحصيل حاصل إذن الجزم بأن الذي سرى على شعب العراق منذ العشرين من مارس 2003 (وما يجري له لحد الساعة) إنما سرى على علمائه وخبرائه وعقول أبنائه: إذ أضحوا جميعا عرضة للتقتيل والمداهمة والمصادرة والإهانة والترهيب وفي أحسن الأحوال (بالنسبة للعلماء) للإقامة الجبرية دونما إمكانية للتحرك أو البحث عن مصدر عيش لأطفالهم بعدما حل الاحتلال الدولة وفتت الجماعة و لغم علاقات الأفراد وكاد أن ينجح في تحويل الكل ضد الكل بمبرر يشاع أو بالتحفيز المبيت.
لم يعد ثمة مبرر، في ظل العراق المحتل، المصادر، المدمى الجسد والنفس، لم يعد ثمة من مبرر لمساءلة هذا العالم أو استجواب ذات الخبير أو استصدار هذه الوثيقة أو تلك ...الكل أضحى مشاعا بمعاهد البحوث كما بالمختبرات كما بالجامعات كما بمنازل وحرمات هؤلاء لدرجة أضحى الاعتقاد معها أن التأكد من خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل بصورة قطعية إنما يمر عبر تصفية العلماء والخبراء والجامعيين الذين كانوا خلفه تصميما وتجريبا وتصنيعا.
"إن الطي النهائي لملف أسلحة الدمار الشامل العراقية" يقول غلاة الإدارة الأمريكية، إنما غدا رهينا، في مراحله النهائية، "بتصفية الذين صمموه وطوروه ووضعوه طور التصنيع والتنفيذ"...أي تصفية علماء العراق بعدما تعذر أمر ترغيبهم وترهيبهم وسبل استقطابهم من ذي قبل عندما كانت الدولة العراقية قائمة والعلماء في جامعاتهم ومختبراتهم العادية يعملون (أعني دونما التساؤل في التوظيف الذي من الممكن أن تخضع له أبحاثهم وإبداعاتهم العلمية).
من الذي يقوم على اغتيال علماء العراق؟ من القائم على تصفية "المتورط" ضمنهم في برامج التسلح كما الذي لا رابط يربطه بذات البرامج إلا طبيعة المادة التي يدرسها لطلبته بالمعاهد والجامعات؟
قد يتعذر الجواب لدرجة الاستحالة في حالة العراق السائدة اليوم حيث يبدو الأمر ولكأن الكل يغتال الكل. لكنه لا يتعذر كثيرا لو قارب المرء ذلك من زاوية "من له المصلحة" في تصفية علماء العراق.
والواقع أنه لن يكون الأمر بناء على هذه الزاوية، لن يكون مكمن مزايدة كبيرة مادام صاحب المصلحة أبان عن ذلك قبل الغزوة وبعدها ولا يتوان اليوم في تأكيد ذلك:
+ فإسرائيل "الكبرى" أول من له مصلحة مباشرة (ناهيك عما هو بعيد المدى) في تصفية علماء العراق وإفناء ما توفر لديهم من طلبة وأتباع.
فالتي ضربت مفاعل تموز بداية ثمانينات القرن الماضي في قمة رضا الإدارة الأمريكية عن النظام القائم، لن تتوان اليوم في ضرب بنيته المادية والبشرية والعلمية لأنها تتراءى لها مصدر التهديد المركزي والمباشر بعدما ضمنت سكون دول وحكومات كانت إلى حين عهد قريب مكمن تهديد علمي وبشري...وفي أخف الأحوال ديموغرافي.
إن إسرائيل التي صفت في السبعينات والثمانينات علماء من مصر والعراق وغيرهما بدولهم كما بالمنافي كما بالاستدراج إلى أماكن بعيدة لم ولن تعدم، منذ التاسع من أبريل، الوسائل في اغتيال علماء العراق سيما وأن لديها قائمة بأسمائهم وعناوينهم واختصاصاتهم سلمتها إياها الولايات المتحدة بعدما تم لمفتشي الأمم المتحدة حصر عددهم وتحديد ميادين اهتمامهم واشتغالهم "ودرجة تورطهم" بمشروع التسلح بالعراق (حوالي 3500 عالم من مستوى عالي ضمنهم 500 خبير من مستوى رفيع).
+ أما صاحب المصلحة الثاني في تصفية علماء العراق فإنما هي الولايات المتحدة دون شك...فهي التي راهنت على ترغيبهم ولم تنجح، وراهنت على ترهيبهم ولم تنجح ولم يعد لها اليوم من فائدة كبرى في وضعهم تحت الإقامة الجبرية إلى ما لانهاية...بالتالي "وجبت" تصفيتهم حتى يتأكد لها ب"الصريح الواضح والملموس" أن لا مكمن بعد اليوم لخطر ما من لدن علماء بلاد الرافدين.
ليس من المثير للدهشة في شيء أن يستحضر المرء كيف عمدت الولايات المتحدة، أواخر تسعينات القرن الماضي، إلى إهانة علماء العراق فأمرت باستصدار بحوثهم ووثائقهم ودراساتهم واعتقلت بالكلبشات خيرتهم على مرأى من العالم و مسمعه (حالة عامر السعدي ومن قبله عبد اللطيف المياح ومن بعدهما القبض على العالمة هدى صالح مهدي عماش المختصة في بكتيريا الجمرة الخبيثة والتي كانت ضمن قائمة المطلوبين من نظام الرئيس صدام حسين)...لن تعوزها الوسائل بالتالي في اغتيالهم جسديا أو تصفية معنوياتهم بالسجون والمعتقلات وما سواها.
+ أما ثالث المستفيدين من تصفية علماء العراق فهم عملاء مجلس الحكم الذين استرخصوا تاريخ العراق وحضارته ف"أفتوا" بضرورة غزوه واستباحة رمزيته على خلفية هذا المسوغ أو ذاك.
إذا لم يكن الأمر كذلك فما السر في صمت ذات المجلس واستنكافه عن إدانة عمليات اغتيال علماء العراق أو اعتقالهم أو وضعهم تحت إقامة إجبارية دائمة قد لا يصمد معها مبدأ قطع الأعناق مادامت الأرزاق قد قطعت أو تكاد؟ ما السر في ارتكان ذات المجلس إلى عدم إدانة ذلك أو مطالبة المحتل بضرورة حماية العلماء وهي مطالب تضمنها القوانين الدولية ولا سبيل للاجتهاد كبير بها؟
لن نبالغ إطلاقا لو زعمنا أن الذي يسري على علماء العراق اليوم من تصفية جسدية ومن استهداف معنوي ومن اغتيال رمزي إنما هو الترجمة الحرفية لمؤامرة كبرى يشترك في تحقيقها الذين ينفذون كما الذين لاذوا ويلوذوا اليوم بالصمت...في مقدمة هؤلاء"العلماء العرب" العاملين بداخل دولهم كما بدول المهجر...والذين في ذمتهم دين للعراق.
إن الذين يغتالون علماء العراق إنما يغتالون المستقبل من بين ظهرانينا والسكوت على الذي يجري من لدن هذه الجهة أو تلك هو مؤامرة على ذات المستقبل جملة وتفصيلا.
* "عن اغتيال علماء العراق"، جريدة العلم، 16 مارس 2004، مجلة المحرر، العدد 223، السنة 13، 2005.