Aller au contenu principal

"عذر ساركوزي في رفض الاعتذار"

news-details

عندما زار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الجزائر، بصيف هذه السنة، سألته الصحافة هناك عن السر في رفض فرنسا الاعتذار للجزائر، عما ارتكبته بها من فظاعات طيلة أكثر من 130 سنة من الاستعمار الاستيطاني، وعن الآية من إلحاحه توقيع "معاهدة صداقة" مع الجزائر، دونما اكتراث بمطالبة هذه الأخيرة بالاعتذار، رد بالمباشر الصريح وقال: "الصفحات القاتمة، وكذلك الآلام وأوجه الظلم، كانت كثيرة خلال السنوات ال 132 التي قضتها فرنسا في الجزائر...أنا مع الاعتراف بالوقائع، وليس مع الندامة. الندامة مفهوم ديني، ولا مكانة لها في العلاقات بين الدول...لم آت هنا لجرح المشاعر، ولا لطلب الصفح...فتلك أحداث تاريخية، والتاريخ جزء من الماضي. أما الآن، فلنبن المستقبل"، بإشارة واضحة إلى مشروع "الاتحاد المتوسطي" الذي نادى به بحملته الانتخابية، وسارع إلى محاولة تجسيده بزيارة إحدى كبريات دول جنوب المتوسط، محذرا بسياقه من "عدم اتخاذ أحداث الماضي ذريعة لإعاقة تنمية العلاقات بين البلدين".

لم يتحرج الجزائريون كثيرا من تصريحات الرجل، ولا كانوا من المراهنين عليه لتحقيق مطلب الاعتذار:

+ فهم يعلمون أن الرجل هو الذي صاغ، عندما كان وزيرا للداخلية، قانون "تمجيد الماضي الاستعماري لفرنسا"، اعتمدته جمعية وطنية يمينية التوجه بفبراير من العام 2005، وكاد يصدر بالجريدة الرسمية ليصبح نافذا، لولا اعتراض الرئيس شيراك على توقيعه، تحت ضغط حسابات اقتصادية وجيو/سياسية، لربما لم يستحضرها نواب الجمعية الوطنية وهم يعمدون لاعتماد القانون إياه.

+ وهم يعلمون أن الرجل هو الذي كان خلف قمع احتجاجات المهاجرين (وضمنهم جزائريون بالأصل كثر) بضواحي باريس، بات الرئيس ساركوزي بأعقابها العدو الأول لقاطنة ذات الضواحي والأحياء، والشخص غير المرغوب فيه من بين ظهرانيهم، بل والمناهض لمصالحهم بامتياز، سيما وهو الثاوي خلف قوانين في الهجرة رحل بموجبها الآلاف، وضيق على الآلاف، وعمد بمقتضاها إلى مطاردة الآلاف بحلهم كما بترحالهم.

+ وهم يعلمون، فضلا عن ذلك، أن الرجل هو صاحب مقولة "إن الأحفاد لا يعتذرون عما فعله الأجداد"، ومقولة: إن محاولة "استنطاق التاريخ من جديد سينتج عنه مزيد من سوء الفهم"، كما لو أن الاعتراف بالذنب، أيما تكن طبيعة هذا الذنب، هو مدعاة لسوء الفهم، ومدخلا لعدم التفاهم.

أزعم أن الجزائريين يعلمون ذلك جيدا. وأزعم أيضا أنهم لم يبنوا موقفهم جزافا، ولا كانوا من السباقين في ذلك. إنهم بنوا موقفهم في المطالبة بالاعتذار، على "حالات" قامت بالتاريخ القديم، وأخريات قائمات من مدد غير بعيدة:

°°- فهم بنوا مطلبهم على سابقة اعتذار الكنيسة المسيحية لليهود، جراء ما طاولهم من "ظلم" و"مطاردة"، عندما عاشوا من أزمان غابرة بظلها، أو حاولوا معايشة زمن كان للكنيسة إياها في خضمه، القول/الفصل في أمور الدين والدنيا معا.

لم يقل البابا، وهو يعتذر لهم، إنه يتنكر لسلوك من سبقه من بابوات، ولا أدار ظهره للتاريخ ("خدمة للمستقبل") بالتستر خلف مسوغة "حوار الأديان" مثلا، أو الادعاء بأن التاريخ ماض محض، أو القول بأن ما تم اعتماده إنما تم بزمن كان محكوما بسياق وظروف ما، انتفت اليوم، ولم تعد لها من قائمة تستوجب الصفح والاعتذار.

°°- وهم بنوا موقفهم على سابقة اعتذار ألمانيا لفرنسا ذاتها، عما قامت به النازية عندما استباح هتلر السيادة الفرنسية بأربعينات القرن الماضي، واحتل فرنسا، وارتكب بها ومن بين ظهرانيها جرائم فظيعة وممارسات مشينة، وحولها إلى مستعمرة محض، تماما كما كانت فرنسا تفعل بالعديد من دول إفريقيا وآسيا وما سواهما.

°°- وهم بنوا مطلبهم أيضا على اعتذار فرنسا ذاتها عما ارتكبه مواطنوها (زمن حكومة فيشي المتواطئة مع النازية) إزاء اليهود، وذهبت لدرجة سن قانون يعاقب بالسجن والغرامة كل من يتجرأ على التشكيك في المحرقة، أو المزايدة على ما تعرض له اليهود منذ نصف قرن من الزمن. لا بل ذهبت لحد دفع تعويضات لهؤلاء، الأموات منهم كما الأحياء على حد سواء...تماما كما كان الاعتذار شاملا لكل يهود العالم.

لم يقتصر الأمر على فرنسا، بل ذهب لدرجة أن العالم، كل العالم، "تسابق" لتقديم العذر لليهود، وطلب صفحهم، وإبداء الاستعداد لتعويضهم إن ثبت في دولة ما، أنها "ظلمتهم" أو "أهانتهم"، أو "قصرت في التعامل مع مواطنتهم" باعتبارها من درجة دنيا مثلا.

لم تتبرأ الكنيسة من سلوك قادتها السابقين، ولم تتبرأ ألمانيا ولا العالم مما اقترف بحق اليهود تحت هذا المسوغ أو ذاك، بل أقروا جميعا بالأفعال، وتحملوا وزر ذلك كاملا، و"اغتسلوا من الدناسة" بتقديم الاعتذار.

ما السر إذن في تمنع الرئيس الفرنسي لتقديم الاعتذار للجزائر، ومن ثمة للعديد مما سواها من دول وشعوب من إفريقيا وآسيا وغيرهما؟ ما الذي يضير فرنسا إن هي اعتذرت لدول وبلدان تم تقتيل أبنائها بالجملة، وأهينت وسلبت ثرواتها، وديس على لغتها وثقافتها بالأقدام...بل واعتبرت (بحالة الجزائر مثلا) جزءا من الأمبراطورية الفرنسية، دونما مسوغ قانوني، أو رادع أخلاقي أو ما سوى ذلك؟

يبدو لنا أن السر في تمنع الرئيس إياه إنما منبعه معطيان أساسيان اثنان:

°- فهو يدرك "حجم الحنين"، حنين الجزائريين كما المغاربة، كما غيرهم من مواطني دول إفريقيا، "لأيام فرنسا" حيث شيدت الطرقات والمسالك، وبنيت المدارس والمستشفيات وسكك الحديد، وعصرنت المعامل والضيعات الفلاحية، وأرسيت مقومات الدولة العصرية والمؤسسات، وأقيم العدل بين الناس... وقس على ذلك.

هو يدرك ذلك جيدا، ليس بالقياس إلى ما "أنجزته" فرنسا الاستعمارية بزمنها، ولكن بالقياس إلى نخب "مرحلة الاستقلال"، دمرت وخربت وأهانت، وصادرت الحقوق، ومركزت الثروة والسلطة بين يديها...وتركت الجماهير الواسعة حافية عارية لسان حالها يقول: "عدل الغريب، ولا ظلم القريب".

°- ثم هو يدرك جيدا حجم تذمر الجزائريين (كما المغاربة، كما ما سواهم) ليس فقط  احتكاما إلى أحجام من يصطفون أمام القنصليات والسفارات الفرنسية استرجاء الحصول على تأشيرة للرحيل، بل وأيضا بتهافت النخبة ضمنهم للحصول على الجنسية الفرنسية، وتماهيها مع النموذج الفرنسي لغة وثقافة واستهلاكا وسلوكا...بل ومراهنتها على العيش من بين ظهراني الدولة الفرنسية، في حال انقلبت الأمور "ببلدانها الأصل"، أو حصل بها ما لا تحمد عقباه.

°- وهو يدرك، فضلا عن كل هذا وذاك، أن من الجماهير كما من النخب بالجزائر كما بغيرها من دول المغرب العربي ومن إفريقيا، من يسترجي عودة "الزمن الفرنسي"، حيث كان بعض من العدل مضمون للأولين، وبعض من الحماية موفرة للثانين..."عوض" ما هو قائم من ظلم وقهر بالنسبة للبعض، وما هو سائد من خوف وتخوف بالنسبة للبعض الآخر.

وعلى هذا الأساس، فما تفوه به الرئيس الفرنسي للصحافة وما أدركه من تذمر جماهيري لدى الجزائريين جراء ما ألحقته بهم نخب الاستقلال، إنما يؤكد له انطباعا لطالما لازمه وأشهره بأكثر من مناسبة، عن "المهمة الحضارية" التي ثوت خلف قرار استيطان الجزائر، واحتلال ما سواها من دول وبلدان.

ويؤكد بديهية أن الاعتذار ذاته خاضع لموازين قوة. فلو كانت الجزائر دولة متقدمة، كرامة مواطنيها مصانة، والعدل من بين ظهرانيها مستتب، لما كان للرئيس الفرنسي أن يتمنع في الاعتذار لضحاياها. أما وأن الأمر غير ذلك، فإن الرئيس إياه غير مضطر ولا مجبر على تقديم ذات الاعتذار.

الجزائريون، كما المغاربة كما ما سواهم، متذمرون أيما يكن التذمر، مما فعلته بهم حقا وحقيقة "نخب الاستقلال"، ويتطلعون جهارة للخلاص من واقع الحال القائم، حتى وإن تطلب ذلك الارتماء بأحضان الغريم. لكنهم مع ذلك ذوو كرامة وعنفوان دفعاهم ولا يزالا يدفعانهم لطلب صفح رسمي، عن سلوك استيطان (واحتلال وحماية) أهان البشر والحجر قسرا ودون وجه حق.

إنهم لا يعتبرون الاعتذار مهانة، ولا هم من قبيل من يطالب بالتعويض، إنهم (ونحن معهم) إنما يطلبون اعتذار الدولة الفرنسية (وليس شخص ساركوزي) لأنهم يرون في ذلك فعلا حضاريا وأخلاقيا وقانونيا وإنسانيا، قبل أن يكون سياسيا أو اقتصاديا. ويعتبرون أنه من غير الممكن إعمال البراغماتية مثلا أو النفعية أو المصلحة الآنية، لجعل الحاضر يختزل الماضي، يتجاهله، ولا يستحضر ترسباته العميقة.

ما قامت به فرنسا بالجزائر وبغيرها، لم يكن فعل فاعل ذاتي، ولا كان متأتيا من سياسة فرد أو جماعة أو ما سواهما. ما قامت به كان فعلا منظما، ثوت خلفه دولة استيطانية استباحت الجزائر أرضا وشعبا ولغة وثقافة ونمط عيش...

من هنا، فمطلب الاعتذار إنما هو بداية وبالمحصلة موجه لرأس ذات الدولة، ولا يعني،  بأي حال من الأحوال الشخص المتربع بأعلى قمة هرمها... لا يعنيه كشخص أقصد.

* "عذر ساركوزي في رفض الاعتذار"، التجديد العربي، 3 شتنبر 2007. التحالف الوطني العراقي، 5 شتنبر 2007. جريدة التجديد، الرباط، 5 شتنبر 2007. التجديد (الورقي)، الرباط، 12 شتنبر 2007. القدس العربي، 20 شتنبر 2007. موقع عبد الرؤوف مكتوب، الجزائر، 20 شتنبر 2007.

Vous pouvez partager ce contenu