Aller au contenu principal

"مجاميع الصحوة" بالعراق المحتل

news-details

لم نلوك الكلام قطعا عندما اعتبرنا بالعديد من مقالاتنا، وقبلما تدخل قوات الغزو الأنجلو/أمريكية للعراق، وحتى عندما بات البلد برمته بظل الاحتلال المباشر، بأن المقاومة حق شرعي ومشروع، وأن ما اعتمد بإطار ما أطلق عليه "العملية السياسية" والاحتلال جاثم على الصدور، كابس على الأنفاس، إنما هو عمل باطل بكل المقاييس، ليس فقط لأن الاحتلال هو مصممه والثاوي خلفه، ولكن أيضا لأن من أثث العملية إياها من أحزاب وميليشيات وطوائف، وملل ونحل، إنما هم أدوات الاحتلال، أوتي بهم ليشرعنوا له السلوك، ويتخفوا خلفه لتحصيل نصيبهم من مغنمة الثروة والسلطة، ببلد بات، منذ التاسع من أبريل من العام 2003، في عداد البلدان المنكوبة بامتياز.

ولم نلوك الكلام إطلاقا، عندما قطعنا بأن المقاومة العراقية هي مقاومة وطنية صرفة، لم ولا تستهدف أبناء الوطن بالمرة، وإنما توجه سلاحها ومفخخاتها بجهة المحتل، وبجهة من دار بفلكه بالتنسيق المباشر، أو بالتبرير للسلوك، أو بالترتيب لاستمراره بالزمن.

قلنا في حينه ولا نزال نقول، بأنه لو كان ثمة من إرهاب، فهو متأت من الاحتلال، من فظاعات مخابرات الجوار المباشر، ومن مخابرات إسرائيل، وأن لا علاقة للمقاومة بذلك، بل ولا مصلحة لها فيه تذكر، على خلفية من الإيمان بأنه ليس هناك من سبب يستدعي توجيه السلاح لصدور أبناء الوطن، وهم تحت الاحتلال يقبعون.

لست متأكدا من أن تنظيم القاعدة ببلاد الرافدين (ببداياته الأولى، كما حين أعلن "الدولة الإسلامية"، وإلى حين صياغة هذه الأسطر) قد تنافى أو تناقض مع ما أعلنه منذ اليوم، من أهداف وغايات: فهو أعلن من الأول (بالنسبة للقلة القليلة الآتية من شعاب وجبال أفغانستان) بأن ثأره هو مع الأمريكان تحديدا وحصرا، وأن لا ثأر له مع العراقيين يذكر. وهو أعلن (بالنسبة للأغلبية العراقية المنضوية تحت لوائه) بأن سلاحه موجه بالأساس للاحتلال، وأعوان الاحتلال، حكومة وطوائف وميليشيات...وأن لا تمييز له هنا بالطائفة إطلاقا، حتى وإن تشارك مع بعضها المرجعية الدينية، أو تماهي معها في الانتماء للطائفة الواحدة.

يقول حارث الضاري، الأمين العام لهيئة علماء المسلمين بالعراق: " نحن لا نقبل أعمال القاعدة، ونحن رفضنا أعمالهم، ولكن تبقى القاعدة منا ونحن منها، و90 بالمائة من القاعدة عراقيون".

من الظلم إذن، والحالة هاته، اعتبار تنظيم القاعدة ببلاد الرافدين تنظيما إرهابيا خالصا، ولا تسجيل عملياته "الجهادية" ضمن خانة ما يقوم به الاحتلال، أو من يتساوق معه من "العراقيين" بالسياسة القريبة التداعيات، كما بالترتيبات البعيدة المدى، أعني ترتيبات تقسيم العراق، وارتهان ثرواته، وتوزيع مناطق النفوذ من بين ظهرانيه على الجار القريب، كما على الغريم البعيد والأبعد.

القاعدة ببلاد الرافدين عراقية التركيبة بنسبة كبيرة، وهي جزء من المقاومة العراقية، لكن تفاصيل الاختلاف لديها مع باقي روافد المقاومة، قائم بجهة أدوات المقاومة، وطبيعة الدولة المراد بناؤها، وليس حول مشروعية وآنية دحر الاحتلال، وصد مشاريعه بالعراق وبالمنطقة.

وعلى هذا الأساس، فما أضحى منذ مدة "مجالس صحوة" هنا وهناك (بمناطق العراق السنية تحديدا، حيث يفعل تنظيم القاعدة) ليس موجها ضد ذات التنظيم، كما يزعم الأمريكان، بقدر ما هو موجه ضد فصيل من المقاومة (وضد المقاومة بالبداية وبالمحصلة)، قدمه الاحتلال منذ اليوم الأول، في كونه "إرهابي التوجه"، "عنيف السلوك"، "عدمي التصور"، و"خادما لأجندات الأجنبي".

إن طبيعة وتركيبة "مجالس الصحوة" بالعراق لا تؤشر مرة أخرى، عن ترتيب ما، جديد، لمواجهة تنظيم القاعدة، بل ويدخل في سياق حملة جديدة، اعتمدها الاحتلال لمواجهة المقاومة العراقية بنفس الأدوات التي تمتح منها هذه الأخيرة فعلها:

+ فهذه المجاميع (وأكبرها موسطة إعلامية، مجلس الأنبار الذي ثوى خلفه المقبور أبو ريشة) مصممة لتشكل جماعات محلية مسلحة، عشائرية الصفة، محددة الفضاء الجغرافي حيث مجال الفعل، وظيفتها الأساس "التصدي لعمليات القاعدة"، ومطاردة عناصرها، في أفق دحرهم أو تحجيم عملياتهم. هي مجهزة وممولة (حتى وإن كان تدريبها "فطري") تعمل مقابل مال أو ب"التطوع"، لمواجهة "إرهاب عناصر القاعدة"، لدرجة بات لها بمنطقة بغداد مثلا، أكثر من أربعة ألف مجند يسيطرون على مناطق واسعة بها، وضمنها منطقة أبو غريب "الساخنة".

+ وهذه المجاميع مقتصرة على المحافظات حيث غالبية الساكنة سنية المذهب، حيث تفعل القاعدة (والمقاومات الأخرى بوجه عام)، في حين أن لا أثر لوجودها كبير بجنوب العراق (أقل من 20 بالمائة من عدد المجاميع)، حيث الغالبية شيعية، أو بالشمال حيث بات للأكراد ما يشبه الدولة القائمة البنية والبنيان.

+ وهذه المجاميع قبلية الطابع والطبيعة (عشائرية بالمفهوم العراقي الأصيل) تذود، كل فيما يخصها (بديالى أو بالأنبار أو بغيرها) على أمن قبيلتها وعشيرتها، بمعزل تام أو يكاد، عما يعتمل بالقبيلة المجاورة أو العشيرة المقابلة، وهكذا. هي صممت بالأصل لأن تلزم حدود قبيلتها، ضمانا في الأمن وتشريعا في العلاقات مع الآخر، دونما الاكتراث كثيرا بالتنسيق مع مجمع القبيلة المحادية، أو مجلس العشيرة المتحاددة معها.

وإذا كنا على قناعة تامة بأن الأفراد، كما الجماعات سواء بسواء، ذووا منسوب قابلية مرتفع للارتماء بأحضان انتماءات بدائية (طائفية أو مذهبية أو عرقية أو غيرها) للاحتماء ضد المجهول، الرافع للواء الثأر أو القتل على الهوية والمذهب، فإننا على قناعة تامة بأنه لم يبق لأهل العراق من سبيل آخر، بعد خمس سنوات من القتل البشع، والتهجير القسري الفظيع، والاستهداف على الهوية والمعتقد، إلا سبيل الارتماء بصدر "مجاميع الصحوة"، نجحت لحد الآن في ضمان الحد الأدنى من الأمن والأمان. وهو معطى قد يجد له المرء المسوغ، ويتلمس بظله المبررات والدفوعات.

إن الذي ذاقه العراقيون، بعد خمس سنوات من الاحتلال، تلازمت وظلم ذوي قربى استسهلوا الرقاب، وسوغوا للإقصاء، إنما يشفع لهم (أو هكذا يقولون) الارتماء بأحضان العدو، فما بالك بالمنتمي لنفس الطائفة، أو المعتنق لنفس المذهب.

قد يجد المرء لذات السلوك مبررات ودفوعات، لكن الذي لا يستطيع ذات المرء التجاوز عليه أو غض البصر عنه، إنما خلفيات ذات المجاميع والغايات الدفينة المتسترة وراءها:

+ فهي مجاميع ثوى خلفها الاحتلال جملة وتفصيلا، وعين لها "مشايخ ووجهاء قبائل وعشائر"، للتصدي جهارة للمقاومة (المقاومة العراقية أقصد، وضمنها القاعدة) بعدما تعذر عليه (على الرغم من توالي الاستراتيجيات العسكرية لديه) مواجهتها، أو صد هجوماتها، أو التحايل على عبواتها الناسفة المنتشرة بجنبات الطرق، أو الحؤول دون العمليات الاستشهادية المتجاوزة لتحصيناته، والمستهدفة لنقط تفتيشه.

+ وهي مجاميع تتماهى مع الاحتلال (سيما بمناطق السنة المتضررة أصلا من "عملية سياسية معتوهة) ولا تجد غضاضة في التسلح بسلاحه، وارتداء لبوس جنوده وأذرعه الواقية، وأخذ المقابل بالدولار، وهو مقابل لا يكلف المحتل بالوقت الحالي، إلا بعض 300 دولار شهريا لكل منتسب، سرعان ما ستتكفل بدفعها حكومة المنطقة الخضراء.

وعلى الرغم من ارتفاع عدد المنتسبين إليها (حوالي 77 ألف منتسب)، وسعة المجال الجغرافي المغطى من لدنها (حوالي 186 جماعة تعمل ب 186 منطقة)، فإن خبراتها القتالية ضعيفة، وتمرسها العسكري شبه معدوم، وغالبا ما تلجأ للنهل من سلوك الميليشيات في القتل والمطاردة والاستهداف.

هي مجاميع بدا لها التحصن بالعشيرة والقبيلة والمذهب أسلم أداة وأنجع وسيلة، لتحصيل ما لا يمكنها تحصيله إن هي تحصنت بوطن موحد، بات مستقبله ضمن عالم المجهول، وفي كنف "دولة" متشظية، ارتمت بحضن الغريب المحتل، واصطفت حول مشاريع جار لم يكن يوما مؤتمن الطرف، وفي صلب محيط محادي لم يعد من بين ظهرانيه، من اعتبار يذكر لقيم العروبة أو التضامن أو المؤازرة، ناهيك عن الالتزام الديني كحد أدنى.

+ وهي، فضلا عن كل ذلك، مجاميع يبدو أنها لن تتردد بالقادم من أيام، في تبني منظومة الكانتونات، دعامتها في ذلك حماية الاحتلال (عن بعد تأكيدا، حينما يرحل عن العراق) وتقوي عودها بالسلاح الموفر لها، ولربما أيضا باحتمالات الاعتراف الرسمي لها بالوجود، بمنتظم دولي كالأمم المتحدة، لن تتمنع في الاعتراف بها عندما يشار إليه بذلك.

إن الذي يشي به إنشاء هذه المجالس، إنما ضرب المقاومة العراقية مباشرة، بأياد من ذات البلد والطائفة والمذهب، مع التستر (تستر الاحتلال وحلفائه) خلف الادعاء بأن المقصود هو تنظيم القاعدة "الغريب والدخيل"، لا سواه.

والذي يشي به أيضا، أنه إذا كانت الفيديرالية ستفضي حتما للتقسيم، فإن الجاري من خلال هذه المجاميع، إنما سيفضي قطعا صوب التفتيت. وهو ما حذرت منه هيئة علماء المسلمين مرارا، لا بل أصدرت فتاوى تحرم التعامل مع هذه المجالس، وتدعوها للكف عن دعم الاحتلال.

تقول لجنة إفتاء هيئة علماء المسلمين بالعراق: "إن كل من يعمل بالصحوة ويحمل باجا من القوة الصليبية، يعد محاربا وخارجا من ملة الإسلام، لكونه يخدم المخطط الأمريكي لقتل أهل السنة، واستباحة دمائهم وأموالهم، وإثارة الفتن داخلهم". وتتابع: طالما لم ينصاعوا، "يعد هؤلاء الزمر من الذين عملوا في الكفر، مهدوري الدم لمدة 20 عاما، بعد هذا القرار".

إن خلق هذه المجاميع وتمويلها وتسليحها وحمايتها، إنما هو تعبير لا يقبل التأويل كثيرا، للتدليل على فشل المشروع الأمريكي بالعراق، وعنوانا بارزا لبداية تسارع عده العكسي. لذا ترى ذات المشروع مضطربا، منهكا، باحثا عن قشة تضمن له انسحابا مشرفا. فتراه، بآخر أيامه، يلوح علانية بمسوغ الأرض المحروقة: إذا رفضتم الفيديرالية "الوطنية" كما صممناها لكم، فلا بديل لكم عنها إلا بديل "فيديرالية الطوائف" والعشائر والقبائل، أي بديل التفتيت، وهندسة الكانتونات.

بالحالتين معا، سيرى العراقيون أن أخف الضررين هو القبول بالفيديرالية المروج لها اليوم، فيقبلوا بها قسرا، مخافة إخراج سيناريو "التفتيت"، ستكون الفدرلة معه متعذرة الإدراك، لدرجة الاستحالة.

* "مجاميع الصحوة بالعراق المحتل"، شبكة الرافدين، 3 دجنبر 2007. التجديد العربي، 3 دجنبر 2007. التحالف الوطني العراقي، 3 دجنبر 2007. جريدة التجديد، 5 دجنبر 2007. القدس العربي، 7 يناير 2008. موقع أخبارنا، 5 يناير 2008.

Vous pouvez partager ce contenu