Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي ل"الصحيفة": ليس المطلوب هو تحرير القطاع السمعي- البصري وإنما تخليصه من الرمز الذي يحكمه

لم يتردد الباحث الإعلامي يحيى اليحياوي في التأكيد على أن مشروع القانون المتعلق بالاتصال السمعي-البصري نزل بردا وسلاما على المغاربة دون أن يكون محصلة لأية سيرورة اشتغال مسبقة، منتقدا الطريقة التي هيئ بها. ويتساءل لماذا إذن كل هذا الكتمان في التعامل مع هذا الملف؟ قبل أن يعقب قائلا: "هذا يجعل المرء متحفظا ومشككا في النوايا التي تقف وراءه"، مصيفا أن التلفزيون المغربي هو جزء من السلطة وبالتالي فلا يمكنه أن يكون مستقلا.

الصحيفة: يقول البعض إن مشروع القانون المتعلق بالاتصال السمعي-البصري كان أشبه بمنحة أو هدية قدمتها الدولة للإعلام، بمعنى أن هذا المشروع لم يأت كنتيجة لسيرورة من الاشتغال دامت عدة سنوات. فهل تتفق مع هذا الرأي؟

يحيى اليحياوي: لا أعتقد أنه كانت هناك سيرورة في تحضير ومناقشة مشروع القانون المتعلق بالاتصال السمعي-البصري بدأت مع المناظرة الوطنية للإعلام سنة 1993 وانتهت بتنظيم أيام دراسية من طرف وزارة الاتصال أواسط سنة 2003.

 فهذين الموعدين شكلا نقطتي البداية والبلوغ أما فيما بينهما فلم يكن هناك أي شيء يذكر. كان هناك فراغ تام. نشير كذلك إلى أنه في سنة 2003 كان هناك تسريع في الوتيرة دون أن يكون لهذا التسريع ارتباط بسيرورة مسبقة حيث نزل الموضوع بردا وسلاما مع إلغاء الاحتكار بتكسير نص 1924 وخلق الهيئة العليا للاتصال السمعي-البصري وتعيين أعضائها... كل هذا جاء في فترة جد محدودة.

الصحيفة: هل تعتقد بأنه تم إشراك كل الفاعلين في الميدان في تهييئ مشروع القانون المتعلق بالاتصال السمعي-البصري؟

يحيى اليحياوي: ليست لدي فكرة مضبوطة حول الطريقة التي أعد بها هذا المشروع وإن كانت ثمة مجموعة من المعطيات التي تبين الخلفية والمرجعية التي تحكمه والمتمثلة فيما جرى سنة 1993 وما جرى منذ تولي محمد السادس الحكم أو ما سمي ب"العهد الجديد" وما رافقه من خطاب يتحدث عن مجتمع ديموقراطي حداثي وكل هذا الكلام الفارغ الذي يتردد في كل وقت وحين.

 ما يهمني أنا كباحث في هذا المشروع هي الطريقة التي خرج بها إلى الملأ. أنا كنت أتمنى وبكل صدق من خلال مجموعة من التجارب أن يكون هذا المشروع مسبوقا بمجموعة من التقارير والدراسات والندوات تؤسس لحوار واسع وشاسع بإشراك جميع الأطراف وليس فقط النقابة الوطنية للصحافة المغربية لأنها تبقى مجرد طرف بسيط ويجب أن تمتد هذه العملية سنتين أو ثلاث على الأقل حتى يختمر المشروع ويكون حوله توافق بين مجموعة من الفعاليات المهتمة بهذا الموضوع.

الصحيفة: في غياب هذا الإشراك الذي تتحدث عنه، هل هذا يعني أن المشروع خرج مشوها أو على الأقل غير مكتمل؟

يحيى اليحياوي: المشروع لم يخرج. أنا شخصيا لم أطلع عليه إلا الأسبوع الماضي في إحدى الجرائد الوطنية وأمس عملت على استخراجه بصعوبة من موقع وزارة الاتصال على شبكة الإنترنيت. هذا يعني أنني كباحث وكمهتم بهذا المجال لم يسلم لي المشروع لأطلع عليه.

 لماذا إذن كل هذا الكتمان في التعامل مع هذا الملف ولماذا هذا الغبن في احتقار الكفاءات وتجاوز مجموعة من الأشخاص الذين قد يساهمون في إغناء وإثراء النقاش حول موضوع الاتصال السمعي-البصري وكذا المساهمة في صياغة المشروع أو على الأقل ضمان التوازن. لماذا لم يتم مثلا استقراء أراء عينة من المواطنين لمعرفة مدى تجاوبهم مع ما يتضمنه هذا المشروع؟ على أية حال، المطلوب ليس هو تحرير القطاع وإنما تخليصه ليس من وزارة الداخلية فقط، وإنما من الرمز الذي يحكمه.

 وأنا أكثر من مرة قلت التلفزيون ليس جهازا وإنما هو جزء من جهاز وليس سلطة بل جزء من سلطة.

هذه الإكراهات الرمزية والمادية والتاريخية التي ندعو إلى تخليص "الفضاء السمعي-البصري" منها، هي نفسها التي حكمت صياغة المشروع والذي نقرأ في أحد فصوله: "هذا المشروع لبنة أساسية للمساهمة في تعميق الاختيار الديموقراطي الذي التزم به المغرب وبناء المشروع المجتمعي الديموقراطي الحداثي الذي يقوده صاحب الجلالة". هذا يبين أن الخلفية التي تحكم هذا المشروع هي خلفية غير بريئة لأننا نحن لم نتوافق أصلا على هذا المشروع المجتمعي بل هو مجرد خطاب يردده مجموعة من الأشخاص والأحزاب.

الصحيفة: إذن أنت تعتقد بأن الفضاء السمعي-البصري الذي تضعه بين قوسين سيستمر في خضوعه للسلطة حتى بعد المصادقة على المشروع؟

يحيى اليحياوي: طبعا، لذلك أقول بأن تخليص هذا الفضاء أهم من تحريره. وهنا أود أن أشير إلى أن التحرير ليس شيئا جديدا فهو تحصيل حاصل والدليل على ذلك ميلاد القناة الثانية سنة 1989 بدون قانون ونفس الشيء بالنسبة لإذاعة ميدي1 وكذا إذاعة سوا الأمريكية مؤخرا. كل هذا حدث في وقت كانت فيه الدولة محتكرة ل "الفضاء السمعي-البصري".

الصحيفة: هل تظن بأن مشروع القانون المتعلق بالاتصال السمعي-البصري جاء لخدمة المشروع المجتمعي الحداثي غير المتوافق عليه مسبقا كما ذكرت؟

يحيى اليحياوي: لست متأكدا لكنني ما دمت غير متفق مع الخلفية والمرجعية التي بني عليها المشروع فإنني كذلك غير متفق على هذا الأخير في حد ذاته. وهنا أتساءل: ما هي الحداثة؟ ماهي معالم هذا المشروع الحداثي؟ ما معنى الانتقال الديموقراطي الذي نتحدث عنه منذ عشر سنوات تقريبا؟ هذه أمور غير مضبوطة وغير مفسرة ، بالتالي ما بني عليها بني على باطل.

في المقابل نجد بعض المسؤولين في هذا القطاع يتحدثون عن تأهيله. وهنا أتساءل أيضا تأهيله قياسا إلى ماذا؟ وعلى أية خلفية أو مرجعية وبأية أدوات؟ بالتالي وكمحصلة أولية يظهر بأن هذا المشروع في خلفيته وفي مرجعيته وطريقة صياغته وأجرأته وكذا في طبيعة الأشخاص الذين تفاوضوا حوله لم يأخذ طريقه السليم. فبأي حق وبأي قانون كسر قانون الاحتكار الذي جاء به المقيم العام ليوطي سنة 1924؟ تكسير الاحتكار وجلب الخوصصة ليس أمرا مزاجيا يأتي هكذا بجرة قلم.

ما يهمني أنا شخصيا هي آليات الاشتغال. فالسرية والكتمان في طريقة صياغة بعض النصوص وإدخال بعض الفخاخ في هذه الأخيرة يجعل المرء متحفظا ومشككا في النوايا التي تقف وراء المشروع؟

الصحيفة: ألا تعتقد بأن المشكل يتمثل أساسا في عدم تحديد قواعد اللعبة مسبقا بشكل يمكن من معرفة من سيقوم بماذا؟

يحيى اليحياوي: صحيح، فمستقبل وزارة الاتصال مثلا لا نعرفه كما لا نعرف أيضا لماذا توصلت الهيئة العليا للاتصال السمعي-البصري بالمشروع رغم أنها مبدئيا يجب أن تكون مستقلة؟ إذن كيف يمكن أن نراهن عليها في تقنين أو تنظيم القطاع السمعي-البصري وهي جزء من الجهاز التنفيذي وبالتالي فهي خصم وحكم في نفس الوقت.

الصحيفة: عندما هيئ مشروع القانون المتعلق بالاتصال السمعي-البصري بدأت تتوالى الكثير من الأحلام الجميلة ونبرات التفاؤل بإعلام أكثر ديموقراطية فهل توافق مثل هذا التوجه؟

يحيى اليحياوي: لا بد من التأكيد أولا على أن المشروع يجب أن يكون نقطة بدء وليس الوصول. فالغريب أن نجد هذا المشروع يتعامل مع فلسلفة التحرير كنقطة وصول وبالتالي فالمحك الحقيقي ليس هو ميلاد النص بل الممارسة التي ستأتي بعده.

 تسألني عن دمقرطة الإعلام. هذه مسألة لا يمكن لأحد أن يزايد عليها، كلنا مع التعددية والحرية والدفاع عن حقوق الإنسان وتمكين المواطنين من الوصول والنفاذ إلى المعلومة وأن تكون الأخبار متوازنة والتلفزة تلفزة قرب تعكس واقع الحال.

يمكن القول إن هناك تعددية سياسية نسبية في البلاد ولو أنها تعددية مغلوطة إلى حد بعيد فجل الأحزاب إما مستقطبة من طرف السلطة وإما مقزمة وإما لا تظهر إلا في الفترات الانتخابية. وهناك تعددية ثقافية نسبية أيضا لكن ليست هناك تعددية إعلامية والتي من المفروض ان نكون قد راهننا عليها منذ سنوات طويلة كخيار ديموقراطي منذ الدستور الأول.

لكن يجب التنبه في نفس الوقت إلى أن التعددية لا يجب أن ننظر إليها على أساس أنها هدف في حد ذاته بل وسيلة لبلوغ مجموعة من الأهداف منها تلك التي تحدث عنها المشروع كالانتقال الديموقراطي.

 كما أن هذه التعددية لا يجب أن تقاس بعدد القنوات أو المنابر التي سيتم إنشاؤها كما أحس وأنا أقرا هذا المشروع، بل بالمضامين التي ستمرر من خلالها وعبرها. وهنا أشير كذلك إلى أنه كيف تتم المراهنة على تعددية سمعية- بصرية في وقت لا نتوفر فيه على نص يضمن الحق في الاتصال سواء في الدستور أو في النصوص التي ولدت مع النقاش الأخير حول تحرير القطاع السمعي-البصري اللهم إلا ما جاء في ديباجة الظهير المنشأ للهيئة العليا. كما أنه ليس هناك قانون عام للنفاذ إلى المعلومات وبالتالي هذا يبين أن التعددية التي نراهن عليها لن تكون مؤطرة بقانون بل ستكون ربما مجرد تعددية نراها في الخطاب السياسي لكنها على أرض الواقع لن تكون مضمونة.

الصحيفة: ألا تعتقد بأن المراهنة على التعددية يجب أن تكون مسبوقة بتوسيع هامش حرية الاشتغال الصحفي وبالتالي يجب إعادة النظر في قانون الصحافة مثلا وجعله يتلاءم وفلسفة وروح هذه التعددية؟

يحيى اليحياوي: طبعا، لا بد من المراهنة في هذه النقطة على سعة الحريات العامة التي سنبلغها.

أعطيك مثالا وهو مثال غير وارد في المشروع. إذ يشاع بأن القنوات التي سيتم إنشاؤها مجبرة على تمرير الخطب الرسمية بما فيها خطب الملك. إنها مسألة غير سليمة، إذ كيف يعقل أن تفرض علي خطبا رسمية في وقت أشاهد فيه برنامجا أو مسلسلا يحقق نسبة 50 بالمائة من المشاهدة؟  بالتالي كيف ستتحقق المنافسة مع وجود مثل هذه الإكراهات الموضوعية الخارجية المتحكمة التي تتحكم في الشبكة البرامجية ومع ذلك يأتي مسؤول مغربي ويقول أمام المشاهدين: "أنظروا إلى فرنسا حتى إعلامها مجبر على تمرير خطب رئيس الجمهورية". في هذا احتقار للمغاربة لأنني شخصيا لا أعرف من أين جاء هذا المسؤول بمثل هذه الأخبار. هذا المثال الذي سقناه لا يسمح بالتعددية ولا يعطي فضاء للحرية يمكن من التصرف في الخطب الرسمية، بل يجبر الإعلام على تمريرها كاملة وهذا قد يجعل النشرة الإخبارية تتجاوز وقتها المحدد بكثير. هذه طقوس خارجة عن التلفزيون.

الصحيفة: تجمع تصريحات كل المسؤولين الإعلاميين على أن الدولة ستراهن أساسا على القطب السمعي-البصري كيف يمكن أن نحدد معالم هذه المراهنة؟

يحيى اليحياوي: يجب أن نتساءل أولا ما معنى القطب العمومي. قياسا للمشروع نجد بأن هذا القطب سيتمحور حول القناة الأولى التي ستصبح شركة وطنية والقناة الثانية (سورياد). لكن في نفس الوقت نجد بأن بعض المسؤولين بالهيئة العليا للاتصال السمعي-البصري يقولون إن مستقبل القناة الثانية رهين بقرار من السلطة بمعنى أنها قد تخوصص. وهذا يحمل تضاربا وضبابية في الرؤية المستقبلية للإعلام. فالدولة لم تضبط بعد ما الذي سترتكز عليه.

تقول إنها ستراهن على قطب عمومي قوامه القناتين معا لكن في الوقت ذاته تقول إنها ستخوصص القناة الثانية، الشيء الذي يوضح بأن القطب العمومي المفترض لا يقف على خلفية قارة واضحة المعالم يمكن أن تمنحنا سياسة إخبارية وشبكة برامجية مستقرة مبنية على ثقافة المرفق العمومي،  بمعنى أن يكون التلفزيون قريبا من المواطن، يعكس واقع حاله. وفي التلفزيون الفرنسي خير مثال لمن أراد أن يطلع على مفهوم المرفق العمومي. نشير كذلك إلى أن التلفزيون المغربي لا نؤثر فيه بانتقاداتنا ومعاتباتنا أو حتى بتقززنا، إنه مؤسسة سميكة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تطالها يد النقد.

الصحيفة: هل سبب ذلك هو هيمنة السلطة على الإعلام؟

يحيى اليحياوي: أولا في المغرب لا نمتلك ثقافة النقاش، بل ثقافة المزايدة والاحتكار والإهانة، بدليل أن الملفات الكبرى التي تحكم مستقبل المغرب لا تطرح للنقاش في الفضاء العام. والإعلام السمعي-البصري واحد من هذه الملفات التي يطالها الكتمان والتستر لأن الإعلامي جزء من السياسي وبالتالي هو جزء من السلطة لأن السياسة في المغرب لا تضعها إلا السلطات العليا بالبلاد. بالتالي فالإعلام لا يمكن أن يكون مستقلا وإلا فكيف نفسر صياغة ظهير يحدث الهيئة العليا للاتصال السمعي-البصري دون أن يثار أي نقاش حول هذا الموضوع في الفضاء العام، بل نزل علينا هكذا بردا وسلاما في صيف السنة الماضية بناء على الفصل 19 من الدستور ولكأننا في وضع حرب.

الصحيفة: ذكرت بأن الإعلام السمعي-البصري أحد الملفات التي يطالها الكتمان والتستر، فهل هذا يعني بأن هناك نوايا غير سليمة أو "غير بريئة" هي التي تقف وراء مشروع القانون المتعلق بالاتصال السمعي- البصري وخصوصا في شقه المرتبط بالقطب العمومي؟

يحيى اليحياوي: أولا فكرة القطب العمومي كما جاء بها المشروع كلمة حق أريد بها باطل، فنحن لحد الساعة لا نعرف كيف ستتم المراهنة على هذا القطب لأنه لم يفتح نقاش حوله في الفضاء العام، الشيء الذي يقوي احتمال وجود نوايا غير سليمة تقف وراء المشروع.

الصحيفة: كيف يمكن أن تكون للتلفزيون المغربي سياسة إخبارية واضحة وغير ملتبسة؟

يحيى اليحياوي: لا بد من أن يكون هناك اتفاق حول الأولويات. مثلا لدينا خبر مركزي من الفلوجة، حينها لا يمكن أن نبث زيارة الوزير الأول لبلجيكا أو زيارة الملك لكينيا أولا كخبر مركزي أو أن يبث التلفزيون مسلسلا مكسيكيا أو رسوما متحركة في وقت يهز فيه زلزال عنيف مدينة الحسيمة. الشيء الذي يدل على أن هناك مزاجية في اختيار الأخبار وعدم ضبط لمفهوم الخبر. بالتالي فالقناة الناجحة هي القناة التي تشتغل بمهنية ومصداقية.

* "الباحث الإعلامي يحيى اليحياوي ل"الصحيفة الأسبوعية": "ليس المطلوب هو تحرير القطاع السمعي- البصري وإنما تخليصه من الرمز الذي يحكمه"، الصحيفة الأسبوعية، 30 يونيو-6 يوليوز 2004.

Vous pouvez partager ce contenu