لم أكن يوما، أنا كما العديد غيري من المغاربة البسطاء، مستلطفا لطرق التعاطي وأشكال التعامل التي عمدها المغرب منذ العام 1975 وإلى حين الوقت الحاضر، مع قضية عايشنا تشعباتها الأولى ونحن يافعين، ولا نزال نعيش إرهاصاتها وقد بدأ الشيب يغلب على الأسود من شعرنا.
والواقع أن ما بات يعرف من تاريخه (بالمنتديات الدولية تحديدا) بمسألة "الصحراء الغربية"، لم يقتصر على اقتطاع جزء ضخم من الجهد والمال والنكد من المغرب كما من بين ظهراني الجهات الغريمة له وبمقدمتها الجزائر، بل أضاع على المنطقة ولا يزال أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، أهدرت فيها الموارد والإمكانات في غير محلها، وبدرت طيلتها الملايير لاقتناء أسلحة لا يجد هذا الطرف أو ذاك غضاضة في إشهارها بوجه الآخر، عندما تستعصي وسائل التحاور السلمية ويبلغ الاحتقان أوجه، أو تتعذر سبل التلاقي، أو يطول مدى مراوحة المشكل لمكانه، دونما بصيص ضوء في الأفق قادم.
لم نكن بالمغرب على بينة دائما بما يجري ويرتب (سيما بعدما ما دخلت القضية محافل الأمم المتحدة، وبعض الهيئات الإقليمية، وتكفل بملفها دهاة في السياسة والمناورة)، ولم تكن الأحزاب تستشار إلا للتسويغ، وبعدما يكن القرار قد اعتمد، ولم نكن (ونحن الحلقة الأضعف، الغير الآبه برأيها) نأخذ خبرا بمجريات ما يقع إلا عبر تسريبات بعض الصحف، أو عندما تغدو الأمور مشاعا لنا كما لغيرنا، لا تمايز بين المتلقين يذكر.
كانت أبوية الحسن الثاني تختزل المغرب، حاضرا ومستقبلا، في شخصية كاريزمية عنيدة، لا يتجرأ أحد فردا كان أم جماعة، على منافسته أو مناقشته أو المزايدة على ما يتراءى له، حتى إذا انتاب هذا الشخص أو ذاك بعض من الوطنية "المفرطة" (عن سوء تقدير، أو جراء اجتهاد أحادي طائش) رمي بالسجن (كما كان الحال مع عبد الرحيم بوعبيد)، أو تمت مطاردته، في حال من عاكس جوهريا التوجه السائد، أو تبنى طرحا جذريا نقيضا.
لم تكن القضية قضية وطن، بعض آلاف من جنوده مرابطون بتخومه بالجنوب حيث الصحراء، وجزء من مدخرات الملايين الآخرين يصرف عليهم عدة وعتادا، بقدر ما كانت قضية شخص وضع دهاءه السياسي على محكها، وراهن بكل ما أوتي من علاقات قريبة أو بعيدة، لمقارعة خصوم بالجزائر خبروا المنتديات الدولية جيدا، ولهم بتسييرها باع كبير، ويحتكمون فضلا عن ذلك، إلى شعارات (من قبيل "حق الشعوب في تقرير مصيرها") من المستحيل تكسير منظومتها المادية، أو استقطاب حلفاء جدد على حسابها، أو غض البصر عن تعاطف الدول والحكومات مع الرمزية التاريخية الثاوية خلفها.
كنا نتطلع إلى تحول ما في نمط وطبيعة التعاطي مع قضية الصحراء، سيما بقدوم ملك شاب لا تهمه كثيرا مسألة الزعامات بالمنطقة، بقدر ما يقلقه لدرجة الهوس، تدارك الخصاص الاجتماعي والاقتصادي لبلد شبه منكوب، بعد أكثر من أربعة عقود من التطاحن البدائي على السلطة، ومن الفساد المبالغ فيه، ومن الاستهتار برأي شعب أنهكته سلوكات نخب سياسية واقتصادية متعفنة، أتت على كل الأخضر، ضرعا وزرعا وبحرا، وباشرت بعد ذلك في إحراق اليابس.
بهذه النقطة، أستطيع أن أجزم أن مقترح الحكم الذاتي الموسع الذي صاغه المغرب إنما يدخل صوبا، بل وينهل من هذا التوجه، ليس فقط بجهة الانطلاق من مبدأ "لا غالب ولا مغلوب" لحل إشكال بات مزمنا بكل المقاييس، ولكن أيضا لترجمة "حق في تقرير المصير" سيغدو لأبناء الصحراء بموجبه الكلمة/الفصل في حالهم ومآلهم، يتصرفون بظله كدولة داخل الدولة، بل قل كدولة قائمة الذات، مادام سيكون لهم برلمان، وحكومة، ومصالح أمن، وممثليات، وما سوى ذلك.
قد يكون لذات المقترح قيمة في حد ذاته، يؤخذ بها بمجملها أو ببعض من عناصرها. وقد يكون في الدفع بذات المقترح حلحلة لملف لا يتقدم ولا يتأخر بمرور الزمن. لكنه يبقى مع ذلك، حمالا لذوات الفلسفة والمنهج اللذان لطالما لازما طريقة تناول القضية منذ البدء، أي منذ كان الحسن الثاني الماسك المطلق بثناياها العضوية وبمفاصلها الأساس:
+ فالمقترح صيغ في جو من التكتم شديد، صاغه الملك بمعية مقربين من حاشيته، ولم تقدم للأحزاب الممثلة للشعب بالبرلمان (فما بالك بالبسطاء ضمننا) إلا عناصره الكبرى، ليزكوها بالجملة دونما الاطلاع على التفاصيل أو على الصيغة النهائية للمشروع، أو على الترتيبات المزمع اعتمادها في حال التنفيذ...أو إبداء الرأي في السيناريوهات البديلة، إن لاقت المقترح إياه صعوبات، أو اعتراضات، أو مواقف مناهضة.
لم تكن الأحزاب هنا شاهدة زور فحسب، بل كانت أيضا (والإعلام الرسمي من خلفها، ناهيك عن إعلامها الخاص) مروجة لأمل كاذب، في مشروع مقترح قيل في إبانه بأن الجهر بمضمونه دون الأوان، هو كمن يكبس على زنادة سلاحه، وقد انتفت الجدوى من إشهاره.
+ والمقترح تكفل بترويجه مسؤولون من الدرجة الثانية (من الأمن والاستخبارات تحديدا)، ومن عيار سياسي متوسط للغاية، قطعوا مئات الآلاف من الكيلومترات، لاطلاع رؤساء دول وحكومات، على خطوط عريضة للمشروع، لم يكن من بد أمام الرؤساء إياهم سوى القول المجامل بأن المشروع "جدي وذو مصداقية". لا، بل إن الدولة المغربية اعتمدت مؤسسات علاقات عامة أمريكية وغيرها، للترويج للمشروع داخل وخارج الأمم المتحدة، لتكلف العملية عشرات الملايين من الدولارات، أطلعتنا عليها بعض وكالات الأنباء الغربية، فيما الإعلام الرسمي في صمته عن ذلك قابع.
+ والمقترح بالمحصلة النهائية، لم يعتمده مجلس الأمن لا بالشكل ولا بالمضمون (حتى وإن ألمح إليه في ديباجة لا يعتد كثيرا بطبيعتها الإجرائية)، بل طالب الطرفين بالتفاوض المباشر، وشدد على حق في تقرير للمصير، أوله المغرب لفائدته بالقول بأن مقترحه إنما هو شكل من أشكال الحق إياه، وأولته الجزائر وجبهة البوليزاريو كتنصيص على استشارة السكان بعين المكان، عن الجهة التي يودون العيش بظلها حالا وبالمستقبل.
هو الحوار إذن، والتفاوض بين المغرب وجبهة البوليزاريو مباشرة (بأطراف مساعدة أو بدونها) ودونما شروط مسبقة من لدن هذا الجهة أو تلك، أي دونما أن يكون مقترح الحكم الذاتي مثلا مادة التفاوض الواحدة والوحيدة.
وعلى هذا الأساس، فإذا لم يكن من العيب أن يعمد المغرب إلى التكتم في الإفصاح عما هو مقدم عليه، من قبيل التكتيك السياسي أو من باب تضليل الخصم المعتمد عموما في المفاوضات، فإنه من قصر النظر المطلق حقا، ألا يستحضر رد فعل غريم له، متسلح بمنظومة في "الحق في تقرير المصير"، لن يستطيع المغرب (أو غيره) تجاوزها، وقد أضحت بأدبيات الأمم المتحدة أو تكاد، من مجال الثوابت والبديهيات.
هي فكرة ثابتة لا يستطيع إلا جاهل أو مكابر، التغاضي عنها. أما القول بأن الحكم الذاتي هو شكل من أشكال ذات الحق، فهو قول غير دقيق، كونه يبقى معلقا، طالما لم يقبل به الطرف الآخر، أو لم يستشر بشأنه من قبل، أو قدم له على شكل حق ممنوح، لا مكان من بين ظهرانيه للأخذ والرد، أعني للتفاوض.
هي كلها عوارض نفسية من المتعذر تكسيرها، أو تقويض منظومتها، أو لي عنق المواثيق والأعراف الدولية لتثبيت عكسها، أو تضمين عنصر النفي بداخلها.
وإذا كان من الصعب حقا، لدرجة الاستحالة ربما، أن يذهب المغرب أبعد من اقتراح حكم ذاتي موسع، يمنح سكان الإقليم عناصر التصرف بالشأن المحلي، دونما مساس بمكونات السيادة المغربية، فإن الجزائر وجبهة البوليزاريو لن يقبلا (على الأقل بالقياس إلى طبيعة تفكير حكامهم الحاليين) بأقل من استفتاء، سيرتضونه حتما إن هو استنبت استقلالا كاملا للإقليم (ولن يقبل به المغرب قطعا)، ولا يدري المرء كيف سيتعاملون مع نتائج له، إن هي أتت بما لا يشتهون، أو بما لا يجاري مشاريعهم بالمنطقة.
عن أي حل وسط يمكن التفاوض إذن؟ أعني أي حل ممكن، بإمكانه تجسيد مقولة "لا غالب ولا مغلوب"؟
لا يستطيع المرء حقا التكهن بسبل تقارب الطرحين، وهما نقيضان بأكثر من عنصر...حتى وإن أبانت التجارب أنه قد يتم اعتماد حكم ذاتي ما لمدة من الزمن، يعمد بعدها إلى استشارة السكان في المآلات المتاحة...
لو سلمنا جدلا بأن المحصلة ستكون على ذات الشاكلة، فإن خلق المصلحة في الانتماء بين الأمدين، ستكون حتما أهم وأنجع من حروب السلاح، أو حروب المناورات التي لم نر منها إلا اشتداد الاحتقان، وتزايد فرص القوى الكبرى في ابتزاز هذه الجهة كما تلك.
الرباط، 4 يونيو 2007