Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي، الخبير في الاتصال، لجريدة الصباح: "العبرة في الإنترنيت بالاستعمال وليست فقط بالوصول"

 قال يحيى اليحياوي إن حجم الارتباط بالإنترنيت في المغرب يعاني تدنيا كبيرا، وهو ما يجعل من هذه التكنولوجيا شبكة نخبوية لم تلق نفس النجاح الذي عرفته شبكة الاتصالات النقالة. وذكر اليحياوي في حوار خاص مع "الصباح" أن الحكومات المتعاقبة لم تقم بأي خطوات عملية لتطوير قطاع الإنترنيت ولم تضع أي مشروع مؤطر برؤية واضحة وميزانية كافية لتحقيق ذلك، مؤكدا أن هناك عوائق ذات طبيعة تقنية وأخرى ثقافية واجتماعية تحول دون تطور وانتشار هذه  التكنولوجيا. وأشار اليحياوي إلى أن تطوير قطاع التكنولوجيا الجديدة للإعلام والاتصال يجب أن يحظى باهتمام كبير وأن يتم الاستثمار فيه بكل قوة لكن دون إهمال القطاعات الأخرى لأن التنمية عملية شاملة ومتكاملة لا تجزأ، موضحا أنه لا مجال للاعتماد على مساعدات دول الشمال لردم الهوة الرقمية التي تفصل الجنوب عنها لأن الشمال لا يرغب في خلق منافسين له. وفيما يلي نص الحوار:

الصباح: كيف يمكن أن نلخص واقع الإنترنيت وتكنولوجيا الإعلام والاتصال الجديدة بالمغرب؟

 يحيى اليحياوي : أريد أن أوضح أولا أنه لا تتوفر لدينا دراسات وأبحاث مدققة عن واقع الإنترنيت وتكنولوجيا الإعلام والاتصال بالمغرب اللهم إلا بعض الأرقام وبعض التقارير التي يمكن للمرء استقاؤها من هذه الجهة أو تلك.

الإنترنيت دخل المغرب كما تعلم سنة 1995، من تاريخه نلاحظ أن عدد المبحرين  تجاوز بالكاد الخمسمائة ألف، وأن 5 بالمائة فقط من الأسر الحضرية هي التي تتوفر على حاسوب وأن ثلث المقاولات المسجلة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي(حوالي 25000 مقاولة من أصل 75000) هي المرتبطة بالشبكة، وأن مقاهي الإنترنيت لا تتعدى ال 2500 وأن عدد المواقع بالشبكة لا يتجاوز ال 4500 موقع وأن مستوى الصبيب لا يتعدى ال 136 ميغابيت على الرغم من أن 60 بالمائة منه هي المستعملة، وأن الغالبية العظمى من الارتباطات تتم عبر الخطوط الهاتفية...ناهيك عن التباين في الاستعمال والغاية المرجوة من الارتباط أو من الإبحار.

من الواضح إذن أن السوق محدود من ناحية عدد الحواسيب (ناهيك عن الحواسيب المرتبطة) والشبكة ضيقة والصبيب ضعيف وحجم الارتباط متدني للغاية. بالتالي فشبكة الإنترنيت تبقى على هذا الأساس شبكة نخبوية، مقتصرة على فئات محدودة ولم تلق النجاح الجماهيري الذي عرفته مثلا شبكة الاتصالات النقالة على الرغم من إدخالهما تقريبا في نفس الفترة حتى وإن اختلف السياق وتباينت التكنولوجيات.

ثانيا، على الرغم من ملاحظة أن العديد من المؤسسات الرسمية (إدارات ووزارات وغيرها) قد ارتبطت بالشبكة أو أقامت لها مواقع بها فإن ذلك لا يعدو غير كونه انسياقا وراء الموضة بدليل أن العديد من هذه المواقع تبقى فارغة (مواقع أشباح يقول البعض) أو تعطي معلومات عامة لا تفيد المضطلع عليها كثيرا أو لا تتعدى بعض الهواتف للعموم. يبدو الأمر إذن ولكأن هناك رغبة في الارتباط بالشبكة لغرض الارتباط ليس إلا، تماما كاعتبار التجهيز بالحواسيب هدفا في حد ذاته عوض أن يكون وسيلة لتزويد المبحر بما يبحث عنه من معلومات ومعطيات بهذا الموقع أو ذاك. ثم هناك من المؤسسات من اختارت الارتباط بالشبكة لاعتبارات عملية كما هو الحال مع الصحافة المكتوبة أو بعض وسائل الإعلام الأخرى.

على أية حال فوضعية الإنترنيت وتكنولوجيا الإعلام بالمغرب في حاجة إلى تقييم حقيقي ليس فقط من الناحية التقنية ولكن أيضا من نواحي أخرى سوسيولوجية بالأساس.

 الصباح: منذ سنوات عدة لم يفتأ المسؤولون الحكوميون المتعاقبون على اعتبار الإنترنيت وتكنولوجيا الإعلام والاتصال الجديدة أولوية...برأيكم هل اتخذ هؤلاء المسؤولون مبادرات لتطوير هذا الميدان؟

يحيى اليحياوي: أولا لا أخفيك تقززي وتشاؤمي من كلمة أولوية بالمغرب، إنها أضحت عامل شؤم علينا بامتياز، إذ كلما تم إلصاقها بقطاع أو بخيار فلكأنما يقصد منها إهمال هذا القطاع أو الحيلولة دون نهوضه وأمثلة الفلاحة والصناعة والسياحة والتعليم والصحة وما سواها، منذ استقلال المغرب وإلى اليوم، خير دليل على هذا الكلام.

عندما " يمنح" قطاع ما صفة الأولوية فالمفروض أن يكون ذلك مؤطرا برؤية واضحة وبمشروع متكامل وتكون ميزانية تمويله متوفرة ومداه الزمني محددا.

لنأخذ نموذج فرنسا، عندما قرر الرئيس الفرنسي جيسكار ديستانغ جعل الاتصالات قطاعا ذو أولوية وطنية أواسط السبعينات (حيث كانت فرنسا متأخرة جدا في هذا الميدان) وضع لذلك رؤية ومخططا من خمس سنوات وميزانية من حوالي 75 مليار فرنك فرنسي وتم بلوغ الأهداف في تاريخها ولربما أكثر. هذه منهجية في العمل لم تتمرن عليها بعد الحكومات المتعاقبة بالمغرب.

أعتقد، بالعودة إلى سؤالك، أن المرة الوحيدة التي تم فيها خطابا بالأساس اعتبار قطاع تكنولوجيا الإعلام والاتصال قطاعا استراتيجيا كان في تصريح حكومة التناوب الأولى عندما تحدث التصريح الحكومي عن "مجتمع الإعلام والمعرفة".لماذا؟ لعدة أسباب ضمنها ورود العبارة في الحملة الانتخابية السابقة على تكوين حكومة التناوب وكذلك لأن الموضة السائدة في حينه كانت هكذا سيما مع المشاريع المعتمدة في هذا الشأن بالضفة الأخرى للمتوسط.

بالمحصلة، محصلة هذا "المشروع" (الخطاب أقصد) لم نلاحظ شيئا يذكر على مستوى الأداء أي على مستوى تكريس ذلك عمليا اللهم إلا المشادات العقيمة وذات الطابع الشخصي حول الصلاحيات بين المؤسسات الحكومية (وزارة البريد، وكالة تقنين الاتصالات واتصالات المغرب) ليتم التغاضي عن كل ذلك جملة وتفصيلا وخطابا حتى مع تعيين حكومة ادريس جطو.

أنا أتساءل: ماذا عملت الدولة ومؤسساتها العمومية لغرض ترجمة التزامها بهذا الجانب؟ هل حددت استراتيجية ما على مستوى التجهيز وأسعار الحواسيب وكلفة بلوغ الشبكات وتوفير المضامين التي من المفروض وضعها رهن المرتبطين؟

لا أعتقد أنها عملت شيئا يذكر ولا كانت حقا جادة في تمرير هذا الخطاب وترويجه على نطاق واسع.

أتصور شخصيا أن اعتماد مبدأ الأولوية يفترض تجاوز الأفراد والحكومات على اعتبار أن ذلك يضحو خيارا سياسيا (وجماعيا أيضا) لا مجال للمزايدة بشأنه أو التفريط فيه تحت هذا المسوغ أو ذاك...في نقيض ذلك لا يصبح لكلمة أولوية معنى يذكر.

وأتصور أيضا أن التنمية لا تفترض الأولويات القطاعية، هي مشروع متكامل من الواجب أن تكون كل القطاعات أولوية بداخله. صحيح أن نماذج التنمية أصبحت أكثر ارتكازا على الإعلام والاتصال والمعرفة والبحث العلمي، لكن ذلك لا ينفي الأولوية (على الأقل في بلادنا) عن باقي القطاعات التي لا تزال إمكانات التنمية بداخلها مرتفعة ومحددة لمستقبل الأفراد والجماعات.

 الصباح: ما هي في نظركم العوائق التي تحول دون تطور الإنترنيت بالمغرب؟

 يحيى اليحياوي: أولا أريد أن أؤكد على أن الإنترنيت ليس فقط ظاهرة تقنية بل هو ظاهرة سوسيولوجية بامتياز. وعلى هذا الأساس فالعوائق أمام تطوره وانتشاره هي من طبيعة تقنية ومن طبيعة ثقافية واجتماعية كذلك.

العائق التقني مرتبط أساسا بتجهيز الأفراد والمؤسسات وما يستتبع ذلك من سياسات في الارتباط ونوعيته وسياسات التسعيرة والفوترة وغيرها. هذا البعد هو الذي يحدد بلوغ الشبكة...وهو بعد ضاغط بكل المقاييس في المغرب، إذ الإنترنيت وتكنولوجيا الإعلام والاتصال عموما تبدو ولكأنها عامل تكلفة (بالنسبة للأفراد كما للمؤسسات والمقاولات) وإمكانات الارتباط متعذرة قياسا إلى أثمان الحواسيب والموضيمات وسعر الإبحار. بالتالي فبعد البلوغ يبقى محكوما بعوامل اقتصادية وتجارية تحد من انتشار الإنترنيت.

البعد الثاني ويرتبط بالمستويات الاجتماعية والثقافية... والتاريخية أيضا. فثقافة المغاربة ثقافة شفوية بامتياز (وهو بالمناسبة ما سهل مأمورية انتشار الهاتف النقال) بالتالي فإذا كانت ثقافة المكتوب وثقافة الصورة شبه معدومة من بين ظهرانينا فما بالك بثقافة الفضاء الافتراضي...هذا لو استبعدنا عامل الأمية ونفور المغاربة من الكتاب ومن القراءة عموما.

هذا البعد هو الذي تسميه سوسيولوجيا الاتصال ببعد التملك، وهو بعد موضوعي إلى حد كبير لأنه محدد بنيوي قد لا تنفع معه كثيرا التحفيزات ولا السياسات العمومية. بمعنى أنه لو تمت معالجة إشكالية البلوغ من الناحية التقنية فإن ذلك ليس مؤكدا في حالة التملك الاجتماعية والثقافية وما سواها.

معنى هذا مرة أخرى أنه لو سلمنا بأن إكراهات البلوغ أو الوصول إلى الشبكة هي إكراهات ظرفية فإن إكراهات التملك هي بكل الاعتبارات إكراهات متجذرة في الثقافة لا يمكن تحريكها إلا بتحريك الثقافة ذاتها.

أنا أقول هذا الكلام وأنا على علم بأن لشبكة الإنترنيت إكراهات أخرى تتجاوز حالة المغرب كونها أصبحت وكرا للمخابرات والتجسس وتتبع الأفراد في حلهم وترحالهم وهو ما يقلص من لجوء العديد إليها وتخوفهم من التوظيفات الجانبية لها وهو أمر يطول الحديث فيه.

 الصباح: هل تظنون أنه بالإمكان حقا بلوغ 10 مليون "أنترنوت" بالمغرب في أفق 2010؟

 يحيى اليحياوي: لماذا 10 مليون وليس أقل أو أكثر ولماذا 10 مليون وليس أقل أو أكثر بالسياحة كذلك؟ ولماذا 2010؟ يخال لي أن رقم 10 أصبح فألا جميلا بالنسبة للحكومات بصرف النظر عن أطيافها وتلويناتها؟

أنا لست مرتاحا لهذه المنهجية في العمل والتحقيب سيما عندما لا تكون مبنية على دراسات محددة ولا على نماذج اقتصادية مضبوطة ولا على استشراف للمستقبل على خلفية من دروس الماضي والحاضر. هذه ملاحظة أولى.

الملاحظة الثانية هو أن المؤسسة التي كانت تتبنى هذا الخطاب وهذه المنهجية (حكومة التناوب وقطاعها في البريد والتقنيات الإعلامية) قد تم إلغاؤها خطابا وممارسة كوزارة بداية الأمر ثم ككتابة دولة فيما بعد لتغدو اليوم مجرد قطاع من وزارة لا رابط لها بها...في حين تمت ترقية وزارة الداخلية إلى أكثر من حجمها عندما أصبح الأمن أولوية. أية مفارقة...

انا أعتقد أن هذه المراهنة هي من الكلام الذي يطلق على عواهنه. 10 مليون من ماذا؟ من المرتبطين بالشبكة عبر حواسيبهم؟ من المرتبطين بها بمكاتبهم؟ من المبحرين في مقاهي الإنترنيت؟ من الذين يبعثون بين الفينة والأخرى رسائل ألكترونية أم من الذين يبحرون بالويب بحثا عن المعلومات والمعارف؟ من الذين يبحثون فيها عن عمل أم من الذين تستهويهم المواقع الإباحية؟ عن الذين يقضون دقائق معدودة أم بالقياس إلى ساعات ارتباط؟ من المراهنين على اعتبار الشبكة أداة متاجرة أم من الذين يكرسونها أداة لتبادل الخبرات والتجارب؟ هل تقاس حاجات كل هؤلاء بنفس المقاييس؟ هذا إشكال منهجي حقيقي لم أجد جوابا له في الخطابات الرائجة.

ثالثا، لو سلمنا بهذا الرهان... من يا ترى الجهة التي ستتكفل بالقيام عليه في غياب الأداة المؤسساتية وتراجع الخطاب عنه شكلا ومضمونا؟  من الممول؟ من الذي من المفروض أن يقوم على عمليات التقييم المرحلية؟

قد يكون جميلا أن يراهن المرء على شيء لكن ذات المراهنة تفترض الحد الأدنى من الجهد وهو ما لا يتراءى لي في خطاب "العشرة ملايين".

 الصباح: في نظركم هل يستخدم المغاربة الشبكة الاستعمال الصحيح؟

يحيى اليحياوي: أنا حقيقة لا أتوفر على دراسات دقيقة بهذا الشأن...أعني عن سلوك المبحرين المغاربة بشبكة الإنترنيت وعن طبيعة علاقتهم بالشبكة، كيف ينظرون إليها؟ لأي غاية ولأي هدف؟...الخ.

لكن ما دمت تسألني في هذا الباب فأعتقد أنه يمكن الوقوف عند بعض التوجهات الكبرى لترصد طبيعة المبحرين المغاربة قياسا إلى الملاحظ بالدول المتقدمة ولو تجاوزا.

أعتقد أن هناك صنف من المغاربة يأتي الإنترنيت بغاية الاكتشاف على خلفية من الانبهار أو تحت ضغط الدعاية أو ما سوى ذلك. الغريب في هذه الفصيلة أن نسبة العودة لديها تكون غالبا متدنية بعدما يكن قد تم لها استكشاف ما هو الإنترنيت ولو بطريقة سطحية واختزالية. الاستكشاف هنا بريء إلى حد ما ولا يتغيأ شيئا آخر.

هناك صنف ثان يوظف الشبكة بغرض التعارف أو تبادل المعلومات أو البحث عن سبل للهجرة أو ما سواها...وهو سلوك يتزايد نسبيا ضمن المتعلمين أو حتى بعض الموظفين أو ما سواهم.

ثم هناك أيضا الباحثون عن فضاءات للتسلية (عبر مواقع الحوارات) أو للذة كما هو الشأن بالنسبة لارتياد بعض الشباب للمواقع الإباحية أو الجنسية أو غيرها.

وهناك بالتأكيد الذين يبحثون عن المعلومات والمعارف وسبل تبادل المعطيات والحوارات الجادة والمنابر في ذلك لا تعدم كما تعلم.

بالتالي فالعبرة كما قلت هي بالاستعمال وليس بالارتباط. التكنولوجيا عموما براء من الاستعمال الذي قد تكون مكمنه وعرضة له...السليم كما القبيح وشبكة الإنترنيت لا ولن تخرج عن هذا السياق سواء بالمغرب أو بغيره.

أعود وأؤكد مرة أخرى على ضرورة الاهتمام بهذا الجانب والعمل على توفير الدراسات بهذا الشأن من لدن الجامعات والمدارس العليا كما من لدن العديد من الوزارات التي يتزايد بداخلها "المكلفون بمهمة" و"المكلفون بدراسة" ويقومون بأعمال تافهة بل غاية في التفاهة.

 الصباح: يقال إن المستقبل هو لتكنولوجيا الإعلام والاتصال الجديدة...أي مستقبل للدول التي لا تستعمل هذه التكنولوجيا بالنجاعة المطلوبة؟

 يحيى اليحياوي: لا أعتقد أن سؤالك يصب في خانة الأسئلة التي تلمح "للمحددات التاريخية" للتنمية ومن هو المحرك المركزي لذلك أهي الفلاحة أم الصناعة أم الخدمات أم غيرها لأنها أمور قيل فيها الكثير ولا يتسع المقام هنا للتفصيل فيها.

الحاصل والمؤكد هو أن الأدبيات اتجهت منذ مدة ليست بعيدة على اعتبار تكنولوجيا الإعلام والاتصال إحدى الروافد المركزية للتنمية بعدما تبين بالمعطيات الإحصائية تراجع العديد من القطاعات التقليدية أمام تقدم قطاع تكنولوجيا الإعلام في الناتج الداخلي الخام وفي الدخل القومي وفي سواهما...وهذا غالبا ما يتم التدليل عليه بمساهمة هذا القطاع في الناتج والدخل القوميين وفي خلق مناصب الشغل وفي العلاقات مع الخارج وفي إمكانات مساهمتها في إعداد التراب الوطني وما إلى ذلك.

قد لا يجد المرء غضاضة في تبرير وتفسير ذلك بالنسبة للدول المتقدمة حيث كل ما ورد صحيح وقائم وثابت بالمعطيات الإحصائية والنماذج الاقتصادية وهكذا...ويبدو من خلال ذلك أن من لم يستثمر في هذه التكنولوجيا سيكون خارج السياق وهو لربما ما وعته الهند والمكسيك وجنوب إفريقيا والعديد من الدول الأخرى.

بهذه النقطة أنا أتصور أن المراهنة على تكنولوجيا الإعلام والاتصال ليس أمرا معيبا لكن شريطة أن تنخرط ذات المراهنة في تصور عام للتنمية، إذ التنمية عملية شاملة ومتكاملة ولا مجال لتجزيئها.

بالتالي فالمفروض هو الاستثمار بكل قوة في هذه التكنولوجيا لكن دون التفريط في باقي القطاعات أو اعتبارها ذات أهمية ثانوية. ومعنى ذلك أن عدم المراهنة على هذه التكنولوجيا سيكرس الإقصاء حتما وتقديم هذه المراهنة على التنمية في شموليتها قد يجعل الإقصاء مضاعفا.

 الصباح: نتحدث عن الهوة الرقمية بين الشمال والجنوب...بالنظر إلى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها الجنوب، هل تعتقدون أنه بالإمكان تقليص هذه الهوة وهل من الوارد الاعتماد على مساعدة الشمال؟

 يحيى اليحياوي:عبارة الهوة الرقمية لها بعدان: بعد كمي وبعد نوعي. كميا ما يتوفر ببلدان الشمال هو أكثر من 95 بالمائة مما تتوفر عليه بلدان الجنوب قياسا إلى مستويات الارتباط والبلوغ والمضامين بالتكنولوجيا عموما وبتكنولوجيا الإنترنيت تحديدا (على مستوى نوعية الارتباط والصبيب المتوفر والمضامين المتوفرة وما سوى ذلك). ونوعيا لأن دول الشمال تمركز بين يديها كل سبل وأشكال البحث العلمي والتطوير التكنولوجي المتعلق بالتكنولوجيا الجديدة للإعلام والاتصال كما بسواها من تكنولوجيات (في الفضاء والأحياء وغيرها).

دول الشمال تمركز بين يديها القوة المادية (الهارد) والقوة الناعمة (السوفت)التي تحكم الشبكات والمعارف والمعلومات والمعطيات...وهي حالة كانت تميز الاقتصاد عموما منذ مدة طويلة وطالت القطاعات واحدا واحد فيما بعد لتمس منذ مدة قصيرة ما يصطلح على تسميته ب " شبكات المعرفة".

أنا أعتقد أن الهوة الرقمية التي نلاحظها اليوم (والتي كرسها الإنترنيت بعمق شكلا ومضمونا) إنما هي انعكاس للهوة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تميز علاقات الشمال بدول الجنوب. بالتالي فتقليص الهوة في ميادين تكنولوجيا الإعلام والاتصال هو بداية من تقليصها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إذ هذه بالمحصلة هي من تلك وهكذا.

تسألني عن مساعدة الشمال...أنا لا أومن بالمساعدة أصلا فما بالك بتلك التي يقال أنها تتجه للقطاعات التي هي مكمن تأجج المنافسة العالمية والتنافسية والربح والحصول على حصص الأسواق وما سوى ذلك.

قد يسلم المرء ببراءة المساعدة في حالة تعرض دولة لكارثة طبيعية لكنه من المتعذر التسليم بمساعدة دولة ما لدولة أخرى هكذا لتخلق لنفسها بذلك مشروع منافس.

* "يحيى اليحياوي لجريدة الصباح : ارتباط المؤسسات الرسمية بالإنترنيت جاء انسياقا وراء الموضة لأن العبرة في الإنترنيت هي بالاستعمال وليست فقط بالوصول"، استجواب، جريدة الصباح، 25 غشت 2003.

Vous pouvez partager ce contenu