Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي لجريدة الصباح: "القناة الثانية أصبحت وعاء للمواد الخارجية"

عندما طلب مني أن أقوم بعمل تقييمي للأداء التلفزي بالقناة الثانية، استوقفتني ثلاثة إشكالات منهجية جوهرية:

 - الإشكال الأول:  تقييم الأداء إياه قياسا إلى ماذا؟ هل باستحضار كل التجربة منذ الانطلاق إلى الآن أم بالرجوع إلى طبيعة "التصور العام" الذي حكم القناة طيلة مراحل إرسالها؟ أم بتداول الإدارة وكيفية التسيير؟ أم بمساءلة العطاء العام قياسا إلى ما كان سائدا عندما كانت الملكية خاصة؟ أم من خلال صهر كل هذه المعطيات واستنباط الخلاصات دونما تمييز في المراحل والإدارات وفلسفة من له الملكية؟

- الإشكال الثاني:  لو كان لنا أن نحتكم إلى التجربة بكاملها دونما عودة إلى ما ميزها من تحول في الملكية والتسيير، هل لنا أن نستقرئها كتجربة للقطاع العام أم محاولة للقطاع الخاص؟

والفارق بين هنا على مستوى التقييم على اعتبار أن آليات اشتغال وطبيعة التصور والأهداف والمقاصد الكبرى بين العام والخاص هي التي نراها في المحك وليس مخرجات الأداء التلفزي في حد ذاته.

- الإشكال الثالث:  ما الواجب تقييمه؟  المضامين والمحتويات وفق المقاييس العلمية المعتمدة في ذلك أم السياق العام الذي ترتب عنه إفلاس القناة وبالتالي تأميمها (والعزم الحالي على خوصصتها)، أم النتائج قياسا إلى ما حدد من أهداف وغايات (في غياب الاستراتيجية)؟

هذه قضايا إشكالية كبرى تطرحها تجربة القناة الثانية لا بحكم طبيعة السياق الذي أفرزها وتذبذب القرار بازاء الجهة التي من الوارد تمكين القناة إياها، ولكن أيضا بحكم طبيعة الاختيارات الكبرى (السياسية ...والمزية كذلك) حول نسبة وحجم انفتاح المشهد التلفزي بالمغرب حتى في انفتاح السماوات وتزايد المنافسة.

ولما كان من المتعذر راهنا تقييم محتويات ومضامين البرامج ومكونات الشبكة البرامجية بالقناة الثانية، فإنه من الممكن تقييم مجموعة من المستويات التي حكمت وتحكم الأداء التلفزي بذات القناة، وستبقى دون أدنى شك متحكمة في صيرورتها والخلفية التي تحتكم إليها نصا وروحا:

- المستوى الأول، مستوى التصور السياسي العام. والمقصود هنا ليس طبيعة انتماء إدارة القناة ولا توجه القائمين عليها، ولكن بالأساس اختيار السلطات العمومية بازاء إشكالية حرية الرأي والتعبير ومدى قناعتها بمبدأ الحق في الإعلام والاتصال دونما تنميط مضمر أو زجر مباشر.

لا يدخل في هذا الإطار إشكال الخوصصة والتأميم (وضرورة الاستقرار على صيغة محددة وقارة) ولا أمر الرقابة الذاتية على الخبر والتعليق فحسب، بل أيضا ظروف وملابسات التعيينات التي تتم على رأس القناة والشروط التي يتم إملاؤها أو التلميح إليها للمسؤول الأول على ذات القناة.

والمعنى من هذا المستوى لا يحيل إلى مبدأ تمرير الاختيارات بل إلى تبريرها على اعتبار أن في تبعاته ضيق وسعة الفضاء التلفزي الذي من المفروض أن تشتغل ضمنه القناة الثانية.

- المستوى الثاني، مستوى أدواتي خالص ويتعلق بإشكالية اللغة في العمل التلفزي بوجه عام وبالخلفية التي تتعامل القناة الثانية في إطارها بوجه خاص.

ليس التلميح هنا فقط إلى طغيان اللغة الفرنسية واعتمادها كأداة تبليغ و" تواصل" بذات القناة، ولكن التلميح هنا يحيل إلى الوظيفة الرمزية التي لم تفتأ القناة الثانية تدفع بها وتكرسها: وظيفة التعبير عن مصالح محددة تسهم اللغة في تجسيدها والتعبير عن تجلياها.

ما من شك في أن اللغة الفرنسية هي إحدى مكونات الإرث الثقافي الإنساني، لكن لبوس الفرنكوفونية الذي طالها (أو ألصق بها) لا يمكن إلا أن يثير التشكيك بهويتها ويثير الاحتجاج إزاءها.

وللتعبير على ذلك بصيغة الاستفهام نقول: ما السر في اعتماد القناة الثانية الفرنسية كلغة للإرسال في بلد عربي جل سكانه يتحدثون اللهجة المغربية ويفقهون الفصحى وجزء منه يتحدث الأمازيغية؟

- المستوى الثالث ويتعلق بالأساس بغاية الرسالة الإعلامية في حد ذاتها، لمن هي موجهة؟

في الإجابة على هذا التساؤل تتحدد هوية القناة الثانية سيما فيما يتعلق بمعادلة الجماهيرية والنخبوية لديها، فيما يخص طبيعتها " الوطنية" وفيما يخص الادعاء بتوجهها كتلفزة قرب.

القناة الثانية تحاول عبر شبكتها البرامجية أن تكون كل هذا، وهو ما نلاحظه، لكنه يلاحظ كترقيع لا كبناء متكامل.

والسبب في ذلك يأتي (ضمن أسباب أخرى) من سياسة اقتناء المواد والبرامج عوض إنتاجها. وهو ما من شأنه أن يحول القناة إلى وعاء في بحث مستمر عن المادة الخارجية.

أعتقد، بالمحصلة النهائية، أن التقييم الموضوعي لتجربة هذه القناة لا بد أن يتم، إلى جانب ما ورد، بالاحتكام إلى الجمهور في تطلعاته وانتظارا ته الإعلامية والثقافية وغيرها...وهو، مع الأسف، ما لا يتم الاعتماد عليه في تشكيل الشبكة البرامجية للقناة الثانية.

* "يحيى اليحياوي لجريدة الصباح: القناة الثانية أصبحت وعاء للمواد الخارجية"، جريدة الصباح، يومية، الدار البيضاء، 12-13 ماي 2001.

Vous pouvez partager ce contenu