Aller au contenu principal

"التلفزيون المغربي: تعدد بصيغة المفرد أم مفرد يدعي التعدد؟"

"أنا أسمي هذه القنوات بالأجرام الماسخة". بهذه العبارة يصف الباحث في المجال السمعي/البصري والناقد التلفزيوني يحيى اليحياوي، باقة القنوات التي تشكل الآن ما أصبح يصطلح عليه في المشهد الإعلامي المغربي بالقطب العمومي.

"أجرام ماسخة". ما الذي يعنيه هذا الحكم الصادر عن باحث أكاديمي متخصص، واكب منذ التسعينات من القرن الماضي المشهد الإعلامي المغربي بالقراءة والتحليل والنقد؟ هل يعني أن رهان التعدد، الذي كان مطلبا سياسيا... قد وصل وهو في بداياته على يد من يتحكمون في تدبير خطواته، إلى الطريق المسدود؟...

الكل يتذكر كيف أفلس مشروع القناة الخاصة الوليدة التي جاءت في سياق يصفه اليحياوي بالغامض لتلتحق ببيت الطاعة عام 1996 بعدما دخلت تحت جناح الدولة.

ويتذكر مجيء حكومة التناوب وبداية الحديث عن "انتقال تلفزي"، بموازاة ما سمي بالانتقال اليموقراطي، ومجيء فيصل العرايشي على رأس الإذاعة والتلفزة المغربية وإنشاء الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري (الهاكا)، وما رافقه من تحرير للقطاع السمعي/البصري، ولحظة العبور إلى مرحلة الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، ثم إطلاقها قنوات أخرى شكلت الهولدينغ إلى جانب إتم ودوزيم هي "الرابعة" و"المغربية" و"السادسة" و"محطة العيون الجهوية" و"الرياضية". هذه القنوات التي وصفها اليحياوي با"لأجرام الماسخة"، هل استطاعت حقا أن ترفع رهان التعدد إلى مستوى التحقق الفعلي، أم أنها لم تساهم إلا في خلق تعدد صوري، لا يبرح سطح الكم إلى نوعية المضامين وجودة المنتوج التلفزي؟

ويرى يحيى اليحياوي أن هذه القنوات المغربية المبثوثة عبر الأقمار الاصطناعية لا تعمل إلا على إعادة المكرور من  البرامج والمواد. وتؤكد نسب المشاهدة أرقاما لا يمكن وصفها إلا بالكارثية حقا بدون أدنى مبالغة أو تهويل.

ويؤكد اليحياوي أن المراهنة على المضمون لو توفرت لها الإرادة السياسية فعلا لمست أولا القناتين الأولى والثانية. فالقياس بالنوع والجودة لا بالكم فقط. وقناة واحدة ذات مضمون ومنتوج تلفزي جيد أفضل بكثير من سيل من القنوات الفارغة والضعيفة على مستوى المحتوى.

ويقول: "لننظر مثلا إلى التجربة المصرية، فبالرغم من كونها تجربة لا بأس بها، إلا أنها نموذج مهم في هذا المجال، لأن الرهان كان على العدد وعلى المضمون معا. ولمصر إمكانية إنتاج سواء فيما يخص التلفزيون التعليمي أو الثقافي أو الإخباري أو الدرامي أو غيرها".

ما الأسباب الكامنة خلف رهان التعدد الصوري هذا؟

يرى اليحياوي أن الرهان، وانطلاقا من دفتر تحملات الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، "كان على العدد لأسباب استعراضية، ليعرف الناس أننا أصبحنا نملك ست أو عشر قنوات قياسا إلى مصر ولبنان وسوريا، لكن الرهان الأساسي والجوهري الذي لم ينتبهوا إليه هو رهان المضامين، التي بدونها لن يستطيعوا أبدا المراهنة على فضاء سمعي/بصري تحكمه ثلاثية التوعية والتثقيف والترفيه".

ما مصير هذا "التعدد التلفزي الشكلاني" في ظل منظومة السمعي/البصري الحالية؟

يرد يحيى اليحياوي المشكل إلى الأصل، إذ لا يمكن، حسب منظوره، اختزال المسألة في الميزانية، لأن الإذاعة والتلفزة المغربية منذ أن تحولت إلى شركة مجهولة الإسم انقطع حبل سيرتها بالميزانية، وأصبح احتكامها بالأساس إلى السوق: "عندما راهنوا على الدخول إلى السوق وحولوا ذلك المرفق العمومي إلى شركة مجهولة الإسم، وأطلقوا مجموعة من الأجرام في الفضاء، وراهنوا على الإشهار، كانوا يعرفون أن شروط علاقتهم بالميزانية قد تغيرت جذريا".

وهذا حسب اليحياوي، يبين ضبابية الرؤية. "فتكسير الاحتكار وتحرير المجال وفتح باب المنافسة لم يكن محكوما أبدا بأي رؤية، ولا تخطيط استراتيجي. وخير دليل على ذلك الحديث الدائر عن قطب عمومي في حين أن الشركة لم  تعد عمومية إلى حد بعيد جدا"...

اصل المشكل، يقول اليحياوي، "أن المؤسسة لا تملك استقلالية قياسا إلى القصر، وقياسا إلى اللوبيات. والسمعي/البصري مرتبط بالقصر، التلفزيون بالأساس مرتبط بالبلاط الملكي ولا يمكن له التخلص من وضعه الحالي إلا بانفصاله عن المؤسسة الملكية".

ويختم اليحياوي قوله بضرورة إعادة النظر في القواعد التي ينبني عليها القطاع السمعي/البصري، "وإغلاق القناة الأولى والثانية حتى نرتب أمورنا، أما الآن فنحن ندور في العبث"... لخلق تلفزيون حقيقي يتمتع بتعدد كمي ونوعي "لا بد من تدمير هذه المنظومة وإعادة البناء على قواعد جديدة"...

مجلة الأحداث التلفزية، العدد 52، 27 يناير-9 فبراير 2007 (استقى التصريح: عبد العالي دمياتي)

* "التلفزيون المغربي: تعدد بصيغة المفرد أم مفرد بصيغة التعدد؟"، تصريح لمجلة الأحداث التلفزية، العدد 52، 27 يناير – 9 فبراير 2007.

 

 

 

Vous pouvez partager ce contenu