Aller au contenu principal

"شبكات الإرهاب الإعلامي"

news-details

ليس من المبالغة الكبيرة في شيء أن يربط المرء بين الإرهاب كظاهرة أضحت سمة حقيقية لبداية هذا القرن وبين الإعلام الذي غدا بدوره إحدى الخاصيات المركزية المميزة لبداية ذات القرن.

والواقع أن سنوات القرن الحادي والعشرين الأولى إنما تبدو ولكأنها تؤرخ حقا لتزامن في الحركية والوتيرة بين طفرة كبرى في تكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصال وبين تطور عميق في أدوات وأشكال ما تم التوافق على تسميته بشتى جهات العالم بالإرهاب أو بالعنف المادي الموجه ضد سلوك هذه الدولة أو تلك، ضد مصالح هذا النظام أو ذاك.

ولئن كان التزامن الملاحظ لا يخرج إلا قليلا عن السياق العرضي الذي لا يبني كثيرا للتحليل، فإن الثابت أن طفرة المعلومات والإعلام والاتصال، المتزايدة الاندفاع منذ مدة، قد أفادت شبكات الإرهاب وفتحت لها في المجال بجهة مرونة وسهولة الاشتغال بطريقة تضمن لها السعة في الانتشار، تخفف عنها إكراهات ومخاطر التنقل وتمنحها قابلية تنفيذ عملياتها في مأمن عن أعين المخابرات أو المراقبة التقليدية لأجهزتها.

فتقنيات الاتصالات الفضائية كما شبكة الإنترنيت كما غيرها إنما وفرت لذات الشبكات ليس فقط المعلومات والمعطيات والبيانات، بل وأيضا البنية التحتية التي تضمن لعناصرها سبل الاتصال والتنسيق دونما حاجة تذكر إلى اللقاءات الروتينية أو الاجتماعات المباشرة أو ما سوى ذلك.

ولهذا الاعتبار (ولغيره دون شك) لم يعد الخطر في شبكات الإرهاب كامنا في جانبها المادي المباشر فحسب، ولا فقط في القدرة (قدرة الدول والحكومات) على تحييد قوتها داخل هذه الحدود أو تلك، بل أيضا وأساسا في كونها أضحت افتراضية، لامادية...تقتني الشبكات الإعلامية والألكترونية بكفاءة عالية ولا تترك خلفها أثرا ماديا يذكر اللهم إلا ما تستطيع المخابرات فك رموزه أو حل شفرته أو التعامل معه بتركيب معقد للمعطيات والبيانات كبير الأهمية منها كما الذي قد لا يوحي بأهمية تذكر.

إنها شبكات ترسم المخططات بذهنها، ترتبها فيما بين أعضائها عن طريق التقنيات الألكترونية وتجند لتنفيذها أناسا ليس من الضروري (ولا من المطلوب حتى) أن تكون لديهم معرفة مسبقة ببعضهم البعض أو لهم نفس البشرة أو الجنسية ولا لديهم نفس التنشئة الاجتماعية أو نفس الظروف النفسية أو التطلعات وهكذا.

لا تقتصر المسألة عند مستوى اقتناء شبكات الإرهاب لآخر ما استجد من بنى تقنية أو ألكترونية أو غيرها للنيل من أعدائها (أو ما تصنفه ذات الشبكات كذلك)، ولا تقتصر أيضا على توفر ذات الشبكات على خبراء معلوماتيين يصممون لها البرامج ويوظفوا بقوة ما تسنى لهم تعلمه من تقنيات التشفير، بل يوظفون أدوات الإعلام ووسائط الاتصال لترويج بياناتهم وإشاعة منظومتهم وإذاعة ما استقروا عليه من عرائض ومطالب وتهديدات.

وبقدر تعقد ذات الأدوات والوسائط وتداخل مكوناتها، تتعقد وتتسع شبكات الإرهاب في الزمن والمكان، بل قل يضحو متعذرا معها أمر تحديد مكامن تواجد عناصرها أو معرفة طرق اشتغالهم أو تحديد الأهداف المقبلة التي من المحتمل أن تطالها عملياتهم.

وعلى هذا الأساس، فإن القناعة المتزايدة لدى الدول والحكومات (المصنفة من لدن الشبكات إياها) إنما أنه بقدر ما تتطور التكنولوجيات ويتسع مجالها، بقدر اتساع قدرة شبكات الإرهاب واتساع فضاء اشتغالها...لدرجة قد يصدق معها الاعتقاد بأن إرهاب القرن الحادي والعشرين سيكون إرهابا عن بعد بامتياز.

لن ينحصر إرهاب القرن الحادي والعشرين على شبكات منظمة أبانت عن قدرة فائقة في اختراق أنظمة الحماية بأمريكا كما باليابان كما بالعديد من الدول العربية والإسلامية، لم ينحصر هذا الإرهاب على ذات الشبكات، بل أضحى سلوك الدول والأنظمة والحكومات إما على خلفية من"ضرورة" مواجهة الشبكات إياها مباشرة أو اتقاء لما قد تقدم عليه استقبالا بهذه الجهة من العالم أو تلك.

والواقع أن استخدام ذات الدول أو الأنظمة والحكومات لشبكات الإعلام والاتصال بغرض مواجهة ما قد يتأتى من مكامن الإرهاب لا يختلف كثيرا عما سبقت الإشارة إليه:

+ فالإدارة الأمريكية، منذ الحادي عشر من سبتمبر الشهير، لم تعمد فقط إلى تقنين سبل الإبحار بشبكة الإنترنيت وتبادل الرسائل عبرها، بل عمدت إلى استصدار الحرية الكامنة بالشبكة إياها لالتقاط الرسائل والتجسس على الأفراد والجماعات والتضييق على هذه الجهة أو تلك بتوفر المعلومات عنها أو لمجرد الشائعات.

إذا لم يكن الأمر كذلك، فبم تفسير إقامة وتوسيع نظام إيشلون الذي يحصي على الأفراد والدول والجماعات أنفاسها ...سواء اقتنت ذات الأنفاس الهاتف أم الفاكس أم الإنترنيت أم الفضائيات أم غيرها؟

لا يتراءى لنا من تفسير يذكر لذلك اللهم إلا إرهاب الدولة المنظم الذي على خلفيته تستصدر الهويات وتستباح خصوصيات المراسلات وترفض التأشيرات ويعتقل الأبرياء لآماد طويلة بذنب ثابت أو دونما ذنب يذكر.

+ والعديد من الدول والحكومات العربية والإسلامية اعتمدت منهج الإدارة الأمريكية ولم تتوان في التضييق على حريات الأفراد والجماعات لمجرد تبنيها بالكلمة أو بالصوت والصورة لهذا الموقف أو ذاك من هذه العملية الإرهابية أو تلك على خلفية من محاولة تفسيرها لا بالضرورة تبريرها.

بالتالي، فعلى هدى الإدارة الأمريكية وبإيعاز منها في الغالب الأعم، اعتقل الصحفيون وأغلقت محطات للتلفزيون ودمرت مواقع بالإنترنيت ودفع بالعديد من المنابر المكتوبة إلى الإفلاس بعد منعها أو سجن القائمين عليها...وهكذا.

ما الآية من ذلك يا ترى إذا لم يكن إرهاب المؤسسة الرسمي الذي يطلق النار، زمن إيديولوجيا الإرهاب المعممة، على الساكن قبل المتحرك، على الصوت والكلمة والصورة بعد الجسد (وقبله في بعض الأحيان)؟

+ في صلب ذلك أو بموازاة معه، لم تتوان العديد من المنابر الإعلامية الناطقة باسم هذه الجهة أو تلك، المنتفعة من ريع هذا النظام أو ذاك من النفخ المتعمد في قوة هذا الفصيل أو هيمنة ذات الجماعة أو تطرف ذات الطائفة لتقحمها (لاعتبارات خفية وحسابات ملتوية) في سياق عمليات قد تكون براء منها أو لا يد كبرى في تفجيرها أو تأجيجها أو الدعوة لها حتى.

ما السر في ذات السلوك إذا لم يكن إرهاب بعض من المنابر الإعلامية التي من مصلحتها تسويق الخوف وتعميم الرعب وإشاعة الفتنة واستقطاب جماهيرا من القراء قد تغفل في معظمها رهانات ما يتم التمرير له أو الإشاعة لمضامينه أو الترويج لمنطوقه؟

بالتالي، فلو سلم المرء جدلا، في الحالتين الأولتين، بأننا حقا بإزاء إعلام إرهاب (في البنية المعتمدة كما في المضامين الممررة)، فإنه من الهين التسليم بأننا في الحالة الأخيرة، إنما بإزاء إرهاب إعلام منظم من مصلحته تسويق الخوف وتعميمه وتوظيف تبعاته بالمحصلة لإقصاء هذه الجهة أو تلك أو تحييد منظومتها من الساحة جملة وتفصيلا.

ومعنى هذا أنه بقدر ما لإرهاب الإعلام رهاناته وحساباته ومصالحه، فلإعلام الإرهاب أيضا رهانات وحسابات ومصالح لا يعتبر الإعلام ضمنها (بالمحصلة النهائية) إلا أداة موسطة وتمظهر بالفضاء العام بهذا الشكل أو ذلك.

ومعناه أيضا أن ما ترتب (وقد يترتب) عن إرهاب الإعلام إنما يجد له ما يوازيه في الآثار والتبعات على مستوى إعلام الإرهاب سيما في اشتداد التنافي بين رهانات الأنظمة والحكومات وما لا يتراءى للأفراد والجماعات والشعوب أنه كذلك أو يكاد.

ليس من الهين في شيء أن يتحدث المرء في إعلام الشبكات الإرهابية أو التكهن بتمثلها للوسائط الاتصالية والألكترونية عند توظيفها لها أو استخدام بعض من مكامنها، لكنه من غير المتعذر كثيرا أن يقف ذات المرء بالإجمال عند ما يمكن تسميته في هذا المقام بإرهاب الشبكات الإعلامية.

والواقع أن ما ندعي كونه إرهاب الشبكات إياها إنما ثلاث حالات كبرى تبدو لنا مستفزة للأفراد والجماعات أو بعضا منها على الأقل:

+ الحالة الأولى وتكمن في لجوء بعض من الدول الكبرى إلى إنشاء إذاعات ومجلات وفضائيات لا تتغيأ من ورائها نشر قيم الحرية أو الديموقراطية أو التسامح بقدر ما تهدف من خلالها إلى استفزاز المشاعر ونفي الحق في الاختلاف والدفع بمنظومة في العيش والتفكير والحياة تبتز الآخر ولا تخلق بصلبه أدنى سبيل للتواصل ومد الجسور.

إننا بهذه النقطة تحديدا لا نشكك فقط في صدقية النية القمينة وراء إنشاء إذاعة "سوا" ومجلة "هاي" وفضائية "الحرة" أو في "فلسفة مد الجسور" التي تدفع بها الإدارة الأمريكية خطابا بالأساس، بل ونجزم قطعا بأنها مجتمعة إنما هي أدوات إرهاب بامتياز تشي، في شكلها وفي المضامين، بأن ما سوى ما تنطقه وتكتبه وتروج له بالصورة إنما دونه ودون ذلك التطرف ومعاداة أمريكا وإشهار الحرب عليها...وهي الدولة التي "تدري دون غيرها ما هي مصالح العالم...وما المفروض كتابته وقوله وتصويره".

لم يعد المرء بهذه الحالة بإزاء إرهاب في الإعلام جديد، بل أضحى بإزاء نموذج في الإرهاب الإعلامي من غير المسموح الإجهار برفضه...حتى وإن كانت القناعة قائمة بالسم القاتل الكامن بداخله.

+ أما الحالة الثانية فتتراءى لنا كامنة في الإرهاب الإعلامي المترتب (المتأصل أقصد) من الإرهاب الإعلامي- الأصل، أي ذاك الذي تستنبته الدولة الأمبراطورية الكبرى وتوفر له سبل التلقيح بدول المحيط. لا يطلب من صورة إرهاب الإعلام الملقحة (بالدول العربية والإسلامية تحديدا) أن تتبوأ الزعامة في ذلك ولا أن تبتدع السبل والمناهج فيه، بقدر ما يطلب منها استنساخ القائم السائد لتضمن لنفسها (لأنظمتها أعني) صك حسن السيرة والسلوك.

ولهذا السبب (ولغيره ربما) ترى المرء بالمنطقة العربية والإسلامية ساقطا تحت سوط قوانين في الزجر والضغط والتكييف أكثر مما تم النصح به من المركز أو التلميح والتلويح به...تماما كما لو أن التسابق لارتكاب الرذيلة الكبرى هو بالمحصلة فضيلة أكبر.

+ أما الحالة الثالثة فتتمثل في انصهار منظومة الشمال ومنظومة الجنوب في منظومة واحدة على خلفية من ضرورة مواجهة الإرهاب أو تحت مسوغة اتقاء (من الحرب الوقائية) ما قد يصدر عنه في الحال والمآل.

وهو أمر أضحى لدينا بالجنوب (كما بداخل دول الشمال)...أضحى واضحا جليا... وإلا فما تفسير اندماج نظم المخابرات وتداخل أنظمة الاتصالات وتقوي سبل التنسيق الأمني وطغيان بعد الإرهاب بالإعلام وبعد الإعلام بالإرهاب في الوقت الذي يتزايد الحديث فيه عن دول للحق والقانون؟

جريدة العلم، 6 أبريل 2004 

Vous pouvez partager ce contenu