Aller au contenu principal

"في دواعي المزايدة على المقاومة اللبنانية"

news-details

مخطئ بالقطع من يتصور أن أسر حزب الله لجنديين إسرائيليين من الجانب الآخر للخط الأزرق كان الدافع الأساس والسبب المباشر لإعلان إسرائيل الحرب على لبنان بشرا وحجرا وشجرا حتى بتبرؤ الحكومة اللبنانية مما أقدم عليه الحزب وعدم تبنيها له جملة وبالتفصيل.

وموهم حتما من يعمد إلى إعمال المبدأ الاستردادي ليخلص للقول بأنه ما كان لإسرائيل أن تقوم بما قامت به لولا "استفزازها" من لدن عناصر المقاومة ومنحها المسوغ والذريعة بدت معها بأعين دول العالم (بما فيها منظمة الأمم المتحدة) الطرف الضحية، المعتدى عليه من داخل أراضيه والمستهدف من وراء حدود أقامتها "الشرعية الدولية" وارتضتها الحكومات إذا لم يكن بصغائر التفاصيل، فعلى الأقل بالصيغة التي ارتسمت على أرض الواقع. 

وسواء اعتبرنا (كل من زاوية نظره الخاصة) ما قام به حزب الله عملا بطوليا تكسرت على محرابه (وبامتداد وأسر المقاومة الفلسطينية لجندي آخر) هيبة "جيش الدفاع" ومرغت كرامته بالتراب، أم حسبنا ذلك في خانة "المغامرات غير المسؤولة وغير المحسوبة بدقة"، أو ربطنا توقيتها برهانات إقليمية لم يكن الحزب (وفق العديد) إلا أداتها وعنوانها، فإن النتيجة واحدة بكل الأحوال والمقاييس: محاصرة لبنان وتدمير جسوره وبناه التحتية ومقوماته المادية وفوق كل هذا وذاك أخذ الكل (بالجنوب كما بكل لبنان) بجريرة ما أقدمت عليه المقاومة ليبدو البلد في أقل من أسبوع خرابا مطبقا، سوي بالأرض بموجبه كل من ارتفع وعلا أو دمر فوق بشر تناثرت أشلاؤه جراء قنابل الطائرات ونيران المدافع وما سوى ذلك.

وإذا سلمنا بتقاطع ما بين توقيت أسر حزب الله للجنديين وبعض التوقيتات "الحساسة" الأخرى (سيما المرتبطة بملف إيران النووي أو المحكمة الدولية المزمع إقامتها للبث في ملابسات اغتيال رفيق الحريري)، فإننا لا يمكن إلا أن نسلم بأن الظرف العالمي العام (والعربي أيضا) كان لإسرائيل أكثر تحفيزا وأنسب من التقاطع إياه حتى وإن تسنى لها تبنيه والترويج له بالمنابر الدولية كما بالإعلام:

+ فهي (إسرائيل أعني) ضمنت العطف الأمريكي الشامل منذ وصل المحافظون الجدد للسلطة وشنهم حربا عالمية على الإرهاب (بأعقاب أحداث الحادي عشر من شتنبر) فأطلقت لنفسها العنان (على خلفية من الحرب إياها) لتقتيل الفلسطينيين ومطاردتهم وتدمير بناهم التحتية والزج بجزء من نوابهم ووزرائهم بالسجون ضمن آلاف المساجين ودونما تنديد أو استنكار من هذه الجهة أو تلك.

+ وهي ضمنت هوان النظام العربي الرسمي بعدما حاصرته وابتزته أمريكا لفائدتها، فاطمأنت إلى القائمين عليه بعدما تأكد لها أمر انبطاحهم وخشيتهم على كراسيهم وعلى ثرواتهم وعلى مصير سبقهم إليه الرئيس صدام حسين عندما كابر وتمنع وخرج عن الطوع.

+ وهي (إسرائيل دائما) باتت منذ مدة في محك حقيقي من انتقالها بين مرحلتين بعدما دخل آخر الآباء المؤسسين لها في غيبوبة مزمنة، فاستوجب ذلك في الجيل اللاحق (جيل أولمرت تحديدا) ضمان استمرارية قوة إسرائيل في محيط إقليمي معاد جربت معه الترغيب والتطويع لمدة فبدا لها أن لا جدوى، لتركيعه نهائيا، إلا اعتماد مسلكية الترهيب والبطش. 

كل المعطيات إذن كانت من حول إسرائيل محفزة لاقتلاع جذور حزب (بشمالها) أهانها  من خمس سنوات مضت عندما أجبرها على الهروب، ولم يتوان من حينه في تحديها جهارة والادعاء بقدرته على هزيمتها بواسطة مئات من المقاومين لا يحتكمون إلا على أسلحة خفيفة غير ذات شأن كبير، لكنهم مؤطرون معنويا بعقيدة الجهاد والاستشهاد وماديا باعتماد أسلوب حرب العصابات التي عجزت عن هزمها تاريخيا الجيوش والاستراتيجيات الحربية بكل أرجاء العالم.

وعلى هذا الأساس، فسواء أسر حزب الله هذين الجنديين من داخل إسرائيل أم من فوق التراب اللبناني، وسواء اكتفى بأسر راع إسرائيلي بنقط التماس أو نجح في إسقاط طائرة تجسس فوق بيروت، فإن النية (نية تدمير لبنان) كانت قائمة (مبيتة يقول الإعلام) والاستراتيجية محسومة ولم تكن تنتظر إلا عنصر الشرارة الأولى... وقد جاءتها بالموعد المناسب.

إذا لم يكن الأمر كذلك، فما تفسير قصف كل ربوع لبنان وإسرائيل تعلم علم اليقين أن مقاومي حزب الله متحصنون بالجنوب وليس لهم إلا تواجد رمزي (أو على مستوى القيادة) بهذه الجهة من لبنان أو تلك؟

وما الآية من ضرب الجسور وقصف المنشآت الحيوية وتدمير الموانئ والمطارات بكل لبنان وهي تعلم جيدا أن لا أثر من حولها أو بجنباتها لمقاتلي حزب الله؟...إنه التدمير المتعمد للبنان عقابا له على ما قام به الحزب...أي ما قامت به الحكومة بالمحصلة مادام لهذا الأخير وزراء بها.

من "الطبيعي" حقا(يقول البعض) أن تعمد إسرائيل ولأيام طوال إلى قصف الجسور والمنشآت والمطارات والمساكن من على رؤوس أصحابها وما سوى ذلك دونما أن تتعرض للاستنكار أو التنديد، بل تحصلت على مباركة حلفائها و" تفهم" كبار النظام الرسمي العربي والدعوة من كبريات عواصم العالم (وبمقدمتهم الولايات المتحدة) بعدم وقف إطلاق النار طالما لم تدرك أهداف الغزوة الأساس: أي تدمير بنية حزب الله وتجريده من سلاحه ونشر الحكومة اللبنانية للجيش بالجنوب... وقبل كل هذا وذاك إطلاق سراح الجنديين دونما قيد أو شرط باعتبارهما "رهينتين لدى حكومة جارة وليسا أسيري حرب".

وإذا وجد المرء بعضا من التفسير الواضع والعلني لموقف أمريكا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي من خلفهما (عبر منسقه في السياسة الخارجية الذي زار المنطقة ليؤكد فقط على إلحاحية إطلاق سراح الجنديين)، فإنه من غير  المتعذر أيضا " تفهم" موقف العربية السعودية وبيان الأردن ومصر (ناهيك عن صمت باقي مكونات النظام الرسمي)، إذ كلها  غدت تخشى غضب الإدارة الأمريكية وابتزازها، وكلها باتت في حل من مسألة التمييز بين الإرهاب والمقاومة وتتندر من تبعات قول أو همس قد يجر عليها الويلات مستقبلا أو يزيح عنها غطاء الحماية التي كستها به الإدارة إياها من عقود طويلة مضت.

إنهم لا يخشون فقط الإدارة الأمريكية (ناهيك عن إسرائيل التي هزمتهم مرارا وتكرارا)، بل يخشون بالبداية وبمحصلة المطاف ثقافة المقاومة والممانعة في زمن يبدو لهم أن الثقافة إياها من شأنها تصنيفهم في خانة "الإرهاب" التي بدا الكل يخشى صفتها ومنطوقها على حاضر نظامه  كما على مستقبله.

وإذا جاز لنا القول بأن ما تفوه به عتاة النظام العربي الرسمي لا يمت إلى الحكمة أو المسؤولية أو العقلانية بصلة، فإنه من الجائز القول أيضا إن حزب الله (عندما أقدم على اسر الجنديين الإسرائيليين) لم يكن يراهن على ذات النظام بجهة توصيل المؤن أو السلاح لعناصر المقاومة بقدر ما أخرج دوره من الحسبان جملة وتفصيلا... فإذا به يفاجأ بتواطؤه الصارخ وتسويغه للعدوان وتزكيته له تماما كما يسوغ له ويزكيه عتاة الصهاينة وأعداء لبنان...ألم يسوغ شيخ الأزهر لذلك معتبرا امين عام حزب الله "رجلا مريضا بالعظمة؟".

لا ينتابنا الشك قيد أنملة في أن الذي عرفه لبنان ويعرفه منذ 12 يوليوز الماضي، إنما كان قادما لا محالة بأسر جنديين بلباسهما العسكري بالحدود (كوسيلة لتبادل أسرى عجز "العقلاء والحكماء والمسؤولون" عن تحريرهم... وليس غاية في حد ذاتها) أم بأسر طيار فوق بيروت أم بمسوغ أدنى من ذلك بكثير.

والقادم الملمح إليه بهذه النقطة إنما مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي تعتبر وزيرة خارجية أمريكا أن "شظايا" وأشلاء أطفال لبنان (والفلسطينيين أيضا) هم مجرد ضحايا المخاض الذي سيفرزه ذات المشروع... ويكون لإسرائيل بموجبه الوليد ذي الجينات المرسومة له سلفا بالمختبرات... فوجب اعتبار النزيف الحالي مجرد عرض من أعراض ذات المخاض في شكله كما بالجوهر...ليس إلا.

* "في دواعي المزايدة على المقاومة اللبنانية"، التجديد العربي، 24 يوليوز 2006، جريدة التجديد، الرباط، 24 يوليوز 2006، القدس العربي، 1 غشت 2006.

Vous pouvez partager ce contenu