أنا لست متأكدا من أن عبارة " دخول" تعبر عن واقع ما يجري بالمغرب على المستوى الثقافي. هذه عبارة دخيلة وإلى حد ما غريبة عن ثقاليدنا وأغلب الظن أنه تم استجلابها من فضاءات أخرى سيما من فرنسا وألمانيا للتعبير عن حالة نحن أبعد ما نكون بإزائها. بالتالي فالذين يسخدمونها على مستوى الخطاب فقياسا إلى هذه الفضاءات وليس تعبيرا عن واقع حال قائم أو سائد. ثم هم يستخدمونها قسرا مع علمهم أنها لا تماشي ما نعيشه حقا.
الحديث عن دخول ثقافي بالمغرب هو حديث في شيء لا يوجد بكل المقاييس. هو حديث عبثي إلى حد ما تماما كالحديث في الدخول السياسي أو الدخول البرلماني أو ما سواهما على الأقل لاعتبارين اثنين:
+ الأول لأننا لا نتوفر على تقاليد ثقافية تلتقي بصلبها (بصرف النظر عن المجال والزمن) دور النشر بالكتاب وبالقراء في موسم يحتفل فيه بعرس الثقافة. كل الأعراس مباحة بالمغرب إلا عرس الثقافة. إذ تجد مهرجانات للعيطة ومواسم للأولياء وملتقيات في هذا المجال أو ذاك ولا تجد بالمقابل مثيلا لذلك على مستوى الثقافة اللهم إلا بعض الأنشطة المحدودة التي تقوم بها بعض الجمعيات (وعلى أساس خلفيات تكون الثقافة آخر المفكر فيه) والتي لا ترقى لأن تكون القاعدة. هي عمل موسمي لبعض ما تبقى لنا من غيورين على الثقافة.
+ الاعتبار الثاني لأننا مجتمع غير قارئ بامتياز ولك أن تنظر عدد الكتب الصادرة سنويا وعدد المبيعات منها. كيف الحديث عن دخول ثقافي في غياب القارئ بل وغياب الحاجة من بين ظهرانيه لاقتناء المنتوج الثقافي؟ هل يمكن اعتبار بعض طقوس توقيع الكتب بهذه المكتبة أو تلك لنقول بأننا حقا بإزاء دخول ثقافي؟ هل يجب انتظار حفل توزيع بعض الجوائز الباهتة لنقول بأن الدخول بدأ؟ ما المقياس إذن؟
أنا صراحة لا أجد مقياسا موضوعيا بإمكانه التدليل على ذلك.
نحن نفتقر إلى حركية وإلى دينامية ثقافية والأكثر من ذلك نفتقر إلى المأسسة وإلى الجهة التي من المفروض أن تقوم على هذه الأخيرة. وأنا أزعم بهذه النقطة أن محنة الثقافة بالمغرب هي متأتية في جزء كبير منها من وزارة الثقافة.
من ناحية أخرى هناك ضعف كبير على مستوى البنى التحتية التي من الواجب أن تكون الرافعة للحركية الثقافية ولا أدل على ذلك من تراجع عدد المكتبات وقاعات السينما والمسرح ودور الشباب وغيرها وتعويضها بمقاهي وعمارات وأكشاك الاتصالات ومحلات لبيع العطور أو الحلاقة أو الوجبات الخفيفة وقس على ذلك...
نحن بالتالي في حالة يرثى لها على مستوى البنى التحتية وعلى مستوى المضامين لأننا بالأصل لم نراهن على الثقافة وعلى المدرسة وعلى التعليم. نحن نراهن على مجالات تافهة تدر بعض المال لكنها لا تخلق القيمة المضافة على المدى المتوسط والبعيد. إذا لم يكن الأمر كذلك فبم نفسر ضآلة ما يخصص للبحث العلمي وما يقدم للثقافة الجادة؟ هل إصدار بعض "الأعمال الكاملة" يمكن تصنيفه ضمن الأعمال الثقافية؟ هل دعم بعض الأفلام السينمائية (وكلها تأتي بالمحصلة دون المستوى) هو من العمل الثقافي؟
بالتالي ففي غياب المتلقي يستحيل الحديث عن ثقافة أو عن دخول ثقافي.
تسألني عن دور بعض الجهات (الدولة، المجتمع المدني أو ما سواهما...). أنا أقول إن الإشكال ليس برمته إشكال هذه الجهة أو تلك. هو إشكال منظومي ولا يمكن فهمه إلا في إطار منظومي تتداخل بصلبه كل المستويات يبدأ بالأسرة والمدرسة والجامعة ومختلف مستويات الدولة وينتهي بها مجتمعة في شكل جدلية مفتوحة.
أنا أزعم أن المنظومة مختلة ولا سبيل للخروج من ذلك إلا بإصلاح المنظومة في شموليتها وليس فقط بإصلاح كل مكون من مكوناتها، فالتنمية كل لا يتجزأ والثقافة بقدر ما هي تابع فهي أيضا متبوع...ألم يقل روني ماهو إن التنمية هي عندما يتحول العلم إلى ثقافة.
عندما ندرك هذه الحقيقة سنكف عن المهاترات الاصطلاحية من قبيل الدخول الثقافي أو غيره.
تصريح لجريدة "الصحراء المغربية"، 6 نونبر 2005 (استقاه: الطاهر الطويل)