Aller au contenu principal

قوة الجزيرة من ضعف إعلام السلطة؟

قد لا نعلم جيدا النوايا ولا الخبايا ولا الحسابات المبطنة التي لربما تحكم فلسفة اشتغال قناة كبرى كقناة الجزيرة، ويندرج خطابها في إطارها بين النبرة التصعيدية "المتحاملة" بإزاء هذه الجهة، والنبرة المخففة الأقل "تحاملا" بتلك، كل لربما وفق السياق، وأستطيع أن أقول وفق لعبة المصالح والتوافقات.

 لكننا قد نعتقد وبالآن ذاته، بأن جزءا من الجواب قد نجد بعضا من عناصره في النمطية المؤكدة التي غالبا ما يبني عليها الإعلام بالخليج مواقفه من بلدان المغرب العربي وقضاياه الداخلية، والتي تنهل من جهل واسع بالمنطقة، ممزوج ببعض أحكام القيمة التي لا يسلم الإعلام ذاته من تأجيجها والنفخ في مضامينها. وقد نجدها أيضا في العديد من الأحكام المسبقة، التي لربما تكرست بإزاء منطقة لا ينعتها البعض هناك بالعربية إلا تجاوزا، أو يعتبر هواها مرتكزا حول الغرب الأوروبي أكثر ما هو متمحور حول قضايا المشرق العربي، ذي الخلفيات الإثنية والقبلية والطائفية البائنة.

 إلا أنه وإن سلمنا بذلك، فإن النبرة بإزاء هده المنطقة، منطقة المغرب العربي أعني، ليست دائما حادة، ولا مبنية على أحكام القيمة الصرفة والمجردة، إذ كان لقناة الجزيرة مثلا الفضل في إثارة الكثير من الملفات المحذور الاقتراب منها، وأسهمت إلى حد بعيد في تقريب المواطن المغاربي من واقعه، عكس ما يقوم به الإعلام الرسمي المتكلس الذي لا يهتم بالمرة بكذا قضايا، أو لا يعالجها إلا بنظرة أحادية إيجابية قسرا، أو لا يتناولها إلا من باب المار على الدار مرور الكرام، كما يقال.

بهذه النقطة، يبدو لنا أن قوة الجزيرة إنما تتأتى لها من جهة، من ضعف إعلام رسمي متجمد وغير مساير، وتتأتى لها من جهة أخرى من سعة جمهور لطالما تعطش لوسيلة في الإعلام مرئية تعكس واقعه، وتعبر عن مجريات واقع الحال من بين ظهرانيه...فوجد ضالته بهذا الشكل أو ذاك، في قنوات كالجزيرة وفي العديد غيرها تبث بالأقمار الصناعية في وفرة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصالات والشبكات الرقمية.

إنها حالة في الاحتقان الإعلامي لم تعمل الجزيرة إلا على استغلالها وتوظيفها وتصريف مضمونها بالبرامج المباشرة الحية، كما بالمواد الوثائقية، كما بنشرات في الأخبار مصحوبة بمراسلات من عين المكان، كما بضيوف لطالما حالت السلطات دونهم ودون الموسطة الإعلامية، أو أخضعتهم للإقصاء أو عمدت إلى تهميش آرائهم ومواقفهم أو مارست عليهم الحصار المطبق، كونهم لا يتماهون مع رأيها، أو لا يتماشون مع "الخط التحريري" لإعلامها ومنابرها الأخرى.

إن إثارة قناة الجزيرة لقضايا حقوق الإنسان بالمغرب، بالماضي كما بما يجري اليوم بأرض الواقع، وفتحها لملفات سياسية وحقوقية، وتعريتها للعديد من مفاصل إخفاقات مسلسلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتبيانها لكثير من الأوضاع الهشة التي يعيشها البشر  والشجر والحجر بقرن للمعرفة والتكنولوجيا طاغ، إنما هي نماذج صارخة لما لا يتعرض له الإعلام الرسمي، أو يتجاهله أو يروج للعكس من منطوقه، أو يتنكر له حتى، تحت هذا المسوغ أو ذاك.

بالمقابل، فلو كان ثمة إشباعا إعلاميا وطنيا وذاتيا، لا يجعل المغاربة يتطلعون لالتقاط أخبار بعضهم البعض بكبريات الشبكات الإعلامية، والجزيرة إحداها، لما كان للجزيرة أن تنجز "فتوحات" بهذا الخصوص أو ذاك، ولا ما كان للسلطة أن تتحرج من أدائها، أو تمارس عليها المضايقات، أو تعمد إلى إغلاق مكتبها بالجملة والتفصيل لدرء "أذاها" والحد من مفعولها بالزمن والمكان.

إن قرارا من قبيل قرار إغلاق مكتب الجزيرة بالرباط، الذي اعتمدته السلطة بالمغرب من أيام قلائل مضت، لا يدلل على قوة القناة فحسب، بقدر ما يعبر عن ضيق أفق مسؤولين لم يدركوا بعد مدى ترهل منظومة الإعلام الرسمي، ولا أدركوا بجد بأن الحرب الإعلامية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تجابه بشعارات الهروب إلى الأمام...تحت مسوغات قد تكون في بعض عناصرها مبنية، لكنها تعطي الانطباع المحيل على اليقين، بالتخبط والعشوائية وسوء التقدير...ألم يعدنا بعض المسؤولين بعزمهم إنشاء قناة قوية، بالإمكانات الضرورية وبالطاقة الصحفي المميز...أي قناة على نمط الجزيرة، فإذا بهم يخرجون علينا بعد كبير تدبر وتفكير، بقنوات "فضائية" ماسخة، لا علاقة لها لا بالساتل الذي تبث من خلاله ولا بالمضمون المراهن عليه.

* "قوة الجزيرة من ضعف إعلام السلطة"، 15 نونبر 2010.

Vous pouvez partager ce contenu