عندما ألقت القوات الأمريكية القبض على الرئيس العراقي صدام حسين، بعد ثمانية أشهر من سقوط بغداد (وفي ظروف غير مثبتة وثائقيا) أضفت عليه صفة "اسير حرب"، فاستتبع ذلك خضوعه تلقائيا لبنود المواثيق والمعاهدات الدولية على مستوى ظروف اعتقاله كما على مستوى الحقوق المكفولة له بالسجن كما على مستوى الاستنطاق.
والواقع أن تقديمه للإعلام العالمي (أياما بعد تمكن الأمريكان منه) متسخ الثياب، طويل اللحية، ذابل الملامح، يلتفت ذات اليمين وذات اليسير، مبهورا لا يلوي على شيء، إنما أشر من حينه (من لدن الاحتلال كما من لدن حكومة أقامها وأسند لها ما يريد من توجيهات) على الرغبة الدفينة (المضمرة كما الجلية سواء بسواء) في تدمير الشخص وتقديمه كما لو أن بعضا من الاختلال النفسي والتلف الجسدي قد أصابه.
وعلى الرغم من التدمير المتناهي الدقة الذي عمدته القوات الأمريكية (بإرشاد من عملاء أتت بهم من على ظهور دباباتها) لبلد كان صدام حسين لأكثر من عقدين ونصف من الزمن الآمر الناهي به وعليه، وعلى الرغم من سجن رفاقه وتمرير صور ولديه مخاطة مفاصلهما ومرقعة أجزاؤهما، وعلى الرغم من شتى أنواع الإكراه النفسي والتعذيب الجسدي والإهانة في الذات والكرامة التي تعرض لها على يد الأمريكان، على الرغم من كل ذلك، فإن صور دخوله "المحكمة" للمرة الأولى (كما فيما استتبعها من مرات) متأبطا المصحف الكريم، إنما توحي بأن الرجل قد تفوق حقا على ذاته ونفسيته قبل أن يتفوق على "هيئة محكمة" بكاريزما ندر مثيلها منذ وفاة عبد الناصر.
والحقيقة أن الغاية المضمرة كما الجلية خلف تقديم رئيس شرعي مكبلا بالسلاسل، محاطا بالحرس وجالسا فيما بعد بقفص الاتهام لمساءلته حول أحداث وقعت من ربع قرن من الزمن إنما حكمتها ونظمت خيوطها وتفاصيلها خاصية الفرجة والتسويق التي واكبت منذ البدء عمليات غزو العراق كما قتل ولدي الرئيس كما جرجرته بأكثر من مرة بالقوة للمثول أمام محكمة نصبها الاحتلال و لقضاتها مع الرئيس صدام حسين ثأر سياسي وشخصي بارز وثابت.
ومغزى هذا إجمالا في المخيال الشعبي والجمعي الأمريكي (مادام هو المهم وهو المقصود من الرسالة بكل الأحوال) أنه ما دامت "المحاكمة" جارية والبلاد " تتطور بجهة الديموقراطية"، فإن ذلك يستأهل حقا التضحية ببعض الجنود او ببعض العربات أو ببعض الآليات التي تنسفها المقاومة هنا وهناك.
ولئن أضحى من الثابت اليوم (على الأقل لدى جل رجال القانون) أن المعتقل هو أسير حرب (والحرب لا تزال قائمة بكل الأحوال وجارية منذ التاسع من أبريل 2003 على قدم وساق) والبلاد فاقدة السيادة (مادامت عمليا تحت الاحتلال المباشر) وصحيفة التهم منتقاة، فإن العملية برمتها غير شرعية والمحكمة المترتبة عن ذلك غير دستورية وغير قانونية بالعرف الدولي على الأقل على اعتبار أن قانون الاحتلال هو الساري في وضعيات الاحتلال.
أو لم يكن من المنطقي إرجاء المحاكمة على الأقل إلى حين رحيل الاحتلال وتشكيل حكومة ذات سيادة يعمد في أعقابها إلى نصب محاكمة الكل يتطلع لأن تفتح في ظلها الملفات المجمل منها كما المفصل سواء بسواء؟
يبدو لنا من هنا أن المحاكمة إنما هي محاكمة سياسية بامتياز، ليس فقط بطبيعتها أو بصفة قضاتها، بل وأيضا بالاحتكام إلى مطالبة العديد من "السياسيين الجدد" لتسريع أطوارها والنطق بالحكم دونما تطويل.
لم إعمال مبدأ السرعة والتسرع للحكم على 25 سنة عرفت في معظمها منعرجات كبيرة وتكثفت بصلبها الأحداث لدرجة تستوجب سنين من العمل التاريخي التوثيقي فما بالك بالشخص الذي كان خلفها جملة وبالتفصيل؟
إذا سلم المرء بهذه الجزئية الجوهرية، فمن المفروض حتما أن يسلم بموضوعية وضرورة نقل المحاكمة إلى مكان آمن ومحايد تأخذ المحاكمة إياها ما طاب لها من الوقت لتثبيت الوقائع والوقوف بالحجة الدامغة عند حيثياتها والسياق العام الذي أفرزها...أو لم تأت حادثة الدجيل في سياق الحرب مع إيران مثلا؟
ولما كانت المحاكمة سياسية (وهي كذلك بكل المقاييس) على الرغم من الدفع بالبعد الجنائي من بين ظهرانيها، فإن المؤكد أيضا أن الجانب القضائي هو آخر المفكر فيه.
وعلى هذا الأساس وبصرف النظر عن المجريات غير العادية للمحاكمة (شهود من وراء الستار، طرد محامي الدفاع، إجبار الرئيس ورفاقه على الحضور وما سوى ذلك) ، وبغض الطرف عن الذي يرأس المحكمة (وهي كردية بامتياز منذ اليوم الأول) فإن الثابت حقا إنما احتمال إدانة الرئيس وإنزال اشد العقوبات به ليس لأنه الحلقة الأضعف في عملية المحاكمة الجارية، ولكن لأن الحكم صادر ولم يطلب من المحكمة إلا تسويغه وتصوير مشاهد الفرجة التي تستتبعه.
ليس لدينا أدنى شك بأن ما سيعمد إلى إثارته بالجلسات القادمة لن يخرج عن منطق الإيهام "بالمحاكمة العادلة والشفافة" ما دام العديد من "السياسيين" على قناعة بأن "العهد الجديد" لن يبدأ إلا بإدانة الرئيس صدام حسين وإعدامه بالمجال العام.
ولئن كان الرجل أقوى من جلاده اليوم كما من ذي قبل، فلأنه لم يعد يراهن كثيرا على السياسة بقدر ما أضحى مراهنا على المقاومة.
فليرينا الأمريكان (وعملاءهم) إن هم أعدموا الرئيس كيف لهم أن يعدموا نار المقاومة؟
* "محاكمة للاحتلال"، نافذة " راي في الشأن الجاري"، 20 فبراير 2006. التجديد العربي، 1 مارس 2006.