Aller au contenu principal

في"الحرية الثقافية"

news-details

من أسابيع قليلة مضت، أصدر برنامج الأمم المتحدة للتنمية تقريره السنوي المعروف ب"التقرير العالمي للتنمية الإنسانية" (للسنة 2004) مفردا الثلاثمائة صفحة المكونة له لإشكالية "الحرية الثقافية في عالم متنوع" مفادها الأساس أنه " في زمن العولمة هذا، برز للوجود من لدن الأفراد والجماعات والدول صنف جديد من المطالب والضغوطات السياسية أحسوا معها أن ثقافتهم المحلية في طريقها إلى الكنس. إنهم يريدون الحفاظ على تنوعهم في عالم متنوع"..."إنهم يريدون أن يكونوا أحرارا لممارسة دينهم بطريقة مفتوحة، يتكلمون لغتهم، يحتفلون بموروثهم الإثني والديني دونما خشية من التمييع أو من العقاب أو من التقليل في حظوظهم".

يتكون التقرير من " مدخل عام" وخمسة فصول مدعمة بأرقام إحصائية كثيفة وجداول تفسيرية واستشهادات جانبية ومنهج واضح يمزج بين الطروحات النظرية السائدة أو المقدمة وبين معطيات واقع الحال التي من شأنها تعضيد ذات الطروحات أو تبيان نسبيتها أو درجة خطئها:

+ في الفصل الأول (عن "الحرية الثقافية والتنمية الإنسانية") يحدد التقرير الحرية الثقافية في كونها العملية التي بمقتضاها يعطى الأفراد "حرية اختيار هويتهم" دونما إقصاء أو تهميش أو غبن أو استبعاد لهم " من الاختيارات الأخرى التي قد تبدو مهمة في أعينهم سيما تلك المرتبطة بالتربية أو بالصحة أو بالشغل".

 الحرية الثقافية (يقول التقرير) "هي مرتكز التنمية الإنسانية. بالتالي يجب الدفع بها دونما الاكتفاء بالتطورات في الميادين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتي لا تكفي لضمان هذه الحرية".

+ في الفصل الثاني، المخصص ل "التحديات القائمة في وجه الحرية الثقافية"، يعتبر التقرير أنه في ظل تقدم مد العولمة و"التناحرات" الإثنية والطائفية والدينية واللغوية وما سواها، فإن التحدي الحقيقي إنما يتمثل في ضرورة الاعتراف بالهويات والعمل على صيانة الاختلافات الثقافية والحيلولة دون إقصائها أو دهسها تحت هذا المسوغ أو ذاك (لغة "وطنية" أو تكوين ركائز "الدولة الوطنية" أو ما سوى ذلك).

بالتالي، يقول التقرير، فإذا كان جوهر الهوية وسبيل صيانة الاختلاف (المرتكز على الدين أو اللغة أو التاريخ أو التقاليد أو الطقوس التقليدية أو ما سواها) هو أصلا وبالأساس من الدفع بمبدأ الحرية الثقافية، فإن ذلك يعني بالمقابل (ويجب أن يعني وفق التقرير) ضرورة الحؤول دون الإقصاء السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي على خلفية من هذه الهوية الثقافية (حتى وإن كانت غالبة حجما ونوعا) أو تلك (حتى وإن كان تعداد المتشبتين بها أقل حجما أو  من " النوع المتدني").

+ بالفصل الثالث ( " بناء ديموقراطيات متعددة الثقافات") يتساءل التقرير عن الكيفية التي من شأنها تحقيق إدماج الهويات المختلفة التي تم إقصاؤها على خلفية من انتمائها الإثني او الديني أو اللغوي أو ما سوى ذلك.

لا يتوانى التقرير، بهذا الفصل كما بغيره، في التأكيد على أن إحدى السبل لذلك إنما يتمثل في الديموقراطية والتنمية العادلة والدفع بمبدأ الاندماج...لكن أيضا  في سن سياسات متعددة الثقافات تتضمن الاعتراف بالهويات المتباينة والمتكاملة وتدفع بمبدأ "المشاركة السياسية لمختلف المجموعات الثقافية".

+ في الفصل الرابع، المخصص لإشكالية "الهيمنة الثقافية"، يلح التقرير على أن يكون للأفراد "حرية أن يكونوا ما يريدون، أن يختاروا هويتهم وأن يعيشوا على أساس هذا الاختيار".

بالتالي، فمن الواجب يؤكد التقرير، "مواجهة المجموعات التي تتغيأ الهيمنة الثقافية، المدفوعة بإيديولوجيا الاستبداد والمستخدمة لتقنيات في الإكراه تستهدف حذف الهويات الثقافية للآخرين".

والمجموعات الملمح إليها في هذا الباب إنما تلك التي تتغيأ خلق دول إثنية أودينية "خالصة" (بوريتانية أقصد) عبر طرد واستخدام العنف ضد الآخرين.

بهذه النقطة، " ينصح" التقرير الدول بالعمل "على قمع هذه المجموعات وتدمير بناها التحتية...دونما أن يطاول ذلك الحقوق والحريات الأساسية"...مع التأكيد على ضرورة  أن يكون ذلك مسبوقا بمحاولات لثنيهم عن ذلك أو لاستقطابهم عبر الأداة الديموقراطية.

+ في الفصل الأخير ("العولمة والاختيار الثقافي") يؤكد التقرير على أن ظاهرة العولمة المتزايدة المد لا تطاول فقط الاقتصادات أو الأسواق أو السياسات أو المجتمعات، بل وأيضا وبالأساس الأفراد العاديين والمجموعات الصغيرة التي تتخوف على مستقبل هوياتها وثقافتها وقيمها ورموزها جراء انفتاح الحدود وتدافع تيارات انتقال السلع والخدمات المادي منها كما الرمزي سواء بسواء.

بالتالي فإذا كان لبعض من "جوانب" العولمة مخاطر قائمة أو قادمة على التنوع والاختلاف الثقافيين، فإن اللجوء إلى اعتماد سياسات متعددة الثقافات هو "الحل الأنجع" للحؤول دون ذلك.

والسياسات إياها (وفق التقرير) لا تتأتى فقط على المستوى المحلي، بل وكذلك على المستوى العالمي على أساس من تنمية الأفراد لهويات متعددة " تضمن لهم أن يكونوا مواطني العالم دونما فصلهم عن انتمائهم" لهذه الدولة أو تلك.

هذه باختصار شديد هي المحاور الكبرى التي أثثت ل "التقرير العالمي للتنمية الإنسانية" للسنة 2004 والتي عمد القائمون عليه على تبيان مركزية مبدأ التنوع الهوياتي والاختلاف الثقافي في ظل مد العولمة وتصاعد النعرات الإقصائية وتزايد التطرف على خلفية من الانتماء الضيق أو الدين أو اللغة أو ما سواها.

قد يضيق المجال هنا للوقوف عند بعض مكامن القصور في هذا التقرير (وهو ليس هدفنا هنا على أية حال)، لكنه بالإمكان مع ذلك التشديد على خمس نقط أوردها التقرير للتأكيد على أن علاقة الحرية الثقافية بالتنمية الإنسانية ليست بالضرورة سببية المنحى ولا إيجابية التوجه دائما:

+ الأولى وتتمثل في الاعتقاد بأن الهوية الإثنية للأفراد لا تتساوق مع الانتماء للدولة، بل قد يصل الأمر بينهما إلى التناقض والانتفاء.

وهو أمر خطأ ليس فقط بحكم تكامل المستويين، بل وأيضا على اعتبار أنه بإمكان الأفراد أن يكون لهم انتماء إثني أو ديني أو لغوي أو ما سوى ذلك، لكن يكون لهم أيضا وفي الآن ذاته انتماء مواطناتي يضمن لهم حق التميز والاختلاف والحفاظ على الهوية.

بالتالي، فكون الدولة واحدة موحدة لا يعني بأي حال من الأحوال انتفاء الاختلافات الثقافية فيما بين عناصرها ومكوناتها.

+ النقطة الثانية وتتمثل في القول الرائج بأن المجموعات الإثنية  إنما تميل بطبيعتها إلى المنابذة والتنافر المفضي للتطاحن على خلفية من تباين قيمها واختلاف مرجعياتها.

وهو قول لا يستقيم دائما، إذ أبانت الدراسات الميدانية، يقول التقرير، أن الهوية الثقافية ليست سبب الصراعات (بل قد تخفف منها في بعض الأحيان) اللهم إلا حالات التوظيف السياسي والإيديولوجي لذات الهوية.

بالتالي، فإذا كان تعايش المجموعات المختلفة ثقافيا غير مؤدي للصراعات، فإنه من الخطر بمكان ترك عدم المساواة الاقتصادية والسياسية تتعمق بين المجموعات إياها حتى تتحول إلى عنف واحتراب يذهب جراءها الأخضر كما اليابس سواء بسواء.

+ أما النقطة الثالثة فهي الكامنة في القول بأن الحرية الثقافية إنما تفترض، بداية وبالنهاية، حماية السلوكات التقليدية السائدة أو المراد لها أن تسود. بالتالي وجب "إيجاد توافق بين الاعتراف بالاختلاف الثقافي والأولويات الأخرى للتنمية الإنسانية كالتنمية والديموقراطية وحقوق الإنسان".

وهو أمر غير دقيق على اعتبار أن الثقافة ليست معطى قارا من القيم والممارسات، بل هي وحدة متحركة بانتظام بحكم التطور والتحول وواقع الحال، إذ أن " الحرية الثقافية واحترام الاختلاف لا يجب أن يتماهيا مع الدفاع عن التقليد ما دامت الثقافة والتقليد والخصوصية غير مرادفين للحرية الثقافية" ولا من شأنهم تسويغ حرمان الأفراد من تساوي الفرص أو  الحؤول دون اختراق حقوقهم الأساس.

+ النقطة الرابعة ومفادها الاعتقاد الخاطئ بأن الدول المختلفة إثنيا قابليتها في التنمية متوسطة، من هنا وجب إيجاد توافق بين احترام الاختلاف والدفع بالتنمية.

وهو اعتقاد خاطئ أيضا ليس لأنه لا توجد حجج عن علاقة واضحة (سلبية أو بالإيجاب) بين التباين الثقافي والتنمية، ولكن لأن القرارات السياسية (في بعض الدول والقارات) تؤخذ على أساس خلفية إثنية عوض الوطنية وليس بسبب التباين ذاته.

+ أما النقطة الخامسة فترتكز على القول بأن بعض الثقافات لها ميولات إلى النمو طبيعية "وأن القيم الديموقراطية لصيقة ببعض الثقافات" دون غيرها...بالتالي وجب البحث عن توافق بين طبيعة بعض الثقافات من ناحية وبين الدفع بالتنمية والديموقراطية من ناحية ثانية.

وهذا غير صحيح، يقول التقرير، لا بالدراسات التاريخية ولا بالدراسات الميدانية التي لا تثبت علاقة من نوع ما (سببية بالأساس) بين الثقافة وبين التطور الاقتصادي أو الديموقراطية، أي أن يكون  العنصر الثقافي هو المحدد. فعلى الرغم من شيوع وذيوع أطروحة ماكس فيبير حول سمو  قيم البروتستانتية (في التنمية)  وتدني قيم الكاثوليكية في ذلك...فإن التجربة أثبتت العكس بأوروبا كما بغيرها إذ غدت التنمية لازمة قائمة يشترك فيها البروتستانت كما الكاثوليك سواء بسواء.

بالتالي، فمن المفروض من لدننا حقا (سيما في عالمنا العربي والإسلامي) أن يعمد إلى قراءة نقدية لأطروحة "المحددات الثقافية" في التنمية ... وإلى قراءة هذا التقرير...لاستجلاء بعض من نقط قصور الأطروحة إياها في شكلها كما في مضمونها...   

جريدة العلم، 24 شتنبر 2004

Vous pouvez partager ce contenu