Aller au contenu principal

ما الفائدة من إفادة بترايوس/كروكر؟

news-details

عندما اشتد الضغط على الرئيس الأمريكي بالداخل، كما بأرض المعركة هناك بالعراق، أشار على قادته العسكريين والسياسيين المرابطين بعين المكان، ربحا للوقت وتحايلا على المعارضة المتزايدة، بصياغة تقرير شامل يحدد "منجزات الاستراتيجية الجديدة" (التي مهدت بالأصل لزيادة عدد الجنود الأمريكان)، يحصر مكامن الخلل العامة، ويقترح البدائل القصيرة والمتوسطة المدى، التي من شأنها تحديد حال ومآل التواجد الأمريكي ببلاد الرافدين.

لم تكن الغاية القصوى من التقرير إياه إطلاع أعضاء الكونغرس على دقائق مجريات الأمور بالعراق، فهم يدركون تفاصيلها جيدا، بتقارير أشرفوا عليها بأنفسهم، بقدر ما كانت الغاية إثبات "نجاعة" استراتيجية الرئيس، و"صواب" خياره المراهن على القوة الخشنة لصد الخصوم، والقضاء على "التمرد"، و"بعد نظره" في التصدي لتنظيم القاعدة بكل بقاع الأرض، وبالعراق حصرا.

لم يأت التقرير، تقرير بترايوس/كروكر، على هوى الرئيس فحسب، هو الذي مهد له بزيارة مفاجئة لمحافظة الأنبار، معقل "دولة العراق الإسلامية"، حيث التقى بعض زعماء العشائر، بل وتماهى بالمطلق مع طروحاته، بشكلها العام كما على مستوى الجوهر.

ولما كان الأمر كذلك، فإن التقرير كما إفادة واضعيه بالكونغرس، لم تخرج قيد أنملة عما تبناه الرئيس الأمريكي وروج له من مدة، بل وحذر من مغبة الانصياع لسوء تقدير النواب الملحين على جدولة الانسحاب، أو الإذعان لرغبات "الغوغاء" المتظاهرين بالشارع بجهة "عودة الأطفال".

إن إفادة الجنرال بترايوس والسفير كروكر ("التقويمية للوضع" كما يشاع) أمام لجن الكونغرس المختصة، لم تأت بجديد يذكر، ليس فقط قياسا إلى منسوب المراهنة على ما سيقولانه أمام النواب، بل وأيضا بالاحتكام إلى الزخم الإعلامي الذي سبق الإفادة أو رافقها أو تلاها:

+ فالإفادة شددت على "انخفاض أعمال العنف الطائفي، وتحسن الأوضاع الأمنية في بغداد، وتراجع عدد السيارات المفخخة، وزعزعة توازن تنظيم القاعدة، وازدياد أعداد وكفاءة قوات الأمن العراقية". لا، بل إن الجنرال بترايوس أعلن جهارة، بالتقرير كما بنص الإفادة، أن «الأهداف العسكرية لزيادة حجم القوات، تتحقق إلى حد كبير»، تماما كما أعلن الرئيس بوش ذلك قبلما يتسلم رسميا مسودة التقرير.

قد يكون في هذا القول بعض من عناصر الصواب، سيما وقد سيجت بغداد بالكامل بأسلاك وحوائط إسمنتية سميكة، وعزلت الأحياء عن بعضها البعض عزلا، ونصبت الحواجز ونقط التفتيش، وشيدت غيتوهات للسنة وأخرى خاصة بالشيعة، وأنشئت مناطق حذر، لو تسنى للمرء المقترب منها أن يسلم من نيران الجيش الأمريكي، فلن يسلم قطعا من السلوك العدواني ل"شركات الأمن الخاصة"، السيئة السمعة والصيت.

وقد يكون فيما أورده الجنرال بترايوس بعض من عناصر الصواب أيضا، هو الذي يتحدث عن "انخفاض الهجمات في الأنبار من 315 عملية إلى 200 عملية في الشهر"، وعن أن "المعارضين العراقيين الذين كانوا يشكلون مصدر الخطر، أصبحوا أكثر تعاونا مع القوات الأمريكية. ودخلت بعض الأطراف السنية العراقية في شراكة مع القوات الأمريكية في محاربة الإرهاب"، وتشكلت مجالس للعشائر "نجحت وإلى حد بعيد" في محاربة تنظيم القاعدة، وتحجيم هجمات عناصره الفاعلة.

قد يكون بذلك بعض من الصواب، لكن الذي يتراءى لنا مجانبا لعين الصواب حقا وحقيقة هو أن العنف والقتل الطائفي بالعراق، إنما هو صنيعة أمريكية بامتياز، تماما كما كان مشروع "الحرب الأهلية" مشروعا أمريكيا خالصا أيضا.

لم يكن العراق يوما مسرحا لحرب طائفية، ولا كانت الازدواجية المذهبية، أو التعددية العرقية من بين ظهرانيه مصدر فتنة. الاحتلال هو الذي استنبت ذلك قصدا ومقصدا عندما عمد إلى حل الجيش العراقي وتشريد الآلاف من منتسبيه، وشجع على تفكيك بنيان الدولة، واعتمد نظام المحاصصة الطائفية في توزيع السلطة، وغض الطرف عن استهتار الميليشيات الطائفية العابثة بأرواح الناس وأعراضهم، لا، بل ذهب إلى حد تطعيم نار الثأر بحطب هجين لا ينفذ.

كيف إذن الادعاء ب"النجاح" في خفض منسوب ذات العنف، وتجنيب البلاد أتون الحرب الأهلية، وهم الذين (الأمريكان أقصد) عمدوا إلى تأجيج مداهما تارة، وإلى التخفيف من وطأتهما تارة أخرى، وفق حسابات دقيقة وترتيبات ضمنية، لسان حالها الأبرز يشي ب"ضرورة بقاء التواجد الأمريكي"، وإلا فهي "الكارثة" حتما، يقول منطوق التقرير؟

+ أما المضمون الثاني لإفادة بترايوس وكروكر فيتعلق بدور بلدان الجوار، وبالدور الإيراني على وجه التحديد، فيما وقع ويقع بالعراق. بهذه النقطة أيضا، لا يخرج التقرير عما صرح ويصرح به الرئيس الأمريكي نفسه، حينما كان يصيغ إستراتيجيته "الجديدة"، كما حين دخلت ذات الاستراتيجية حيز التنفيذ الفعلي.

يقول الجنرال بترايوس بالواضح الصريح: إن "الأمر الذي لم نكن نفهمه في السابق، هو مدى التغلغل الإيراني في العراق... إنه يتضح أكثر فأكثر للتحالف وللقادة العراقيين، أن إيران...تسعى إلى تحويل ميليشيات عراقية إلى قوة شبيهة بحزب الله، خدمة لمصالحها، ولتشن حربا بالوكالة ضد الدولة العراقية وقوات التحالف في العراق".

ويتابع السفير كروكر، بالبناء على ما قاله بترايوس: "إن إيران ستكون الرابحة من انسحاب أمريكي من العراق، إذ ستتمكن من تعزيز هيمنتها على الموارد، وربما أيضا على الأراضي العراقية". ليخلصا معا للقول بأن "الوضع صعب" حقا، لكن "البدائل أسوأ".

بهذه النقطة أيضا، لا يبدو أن ثمة جديدا مستجدا يذكر بالقياس إلى ما روجت له الإدارة، إذ لطالما أشار الأمريكان بأصبع الاتهام لدور إيران المباشر، الظاهر منه كما المبطن، في دعم الميليشيات الشيعية، ومعاضدة الأحزاب الطائفية، وتسليح فرق الموت المرتبطة بمخابراتها، لدرجة بات نفوذها ببلاد الرافدين يؤهلها عمليا "لملئ الفراغ" (أمنا، وعلى المستوى السياسي) حينما تجنح القوات الأمريكية للانسحاب الجزئي أو الكامل من العراق.

هو زعم صائب في العديد من أوجهه. لكن المفارقة فيه إنما تتراءى لنا كامنة في القول بشن إيران ل"حرب بالوكالة على الدولة العراقية"، عبر هذه الميليشيا أو تلك. كيف القول بذلك، والأمريكان يعلمون علم اليقين أن مكونات الحكومة العراقية (أحزابا وميليشيات و"زعامات" سياسية) تدين في معظمها بالولاء لإيران، بل وتنسق معها الخطوات علانية، ولا تجد غضاضة في القول ب"تطابق أجندتها" مع الأجندة الإيرانية، إذا لم يكن بكل أرجاء العراق، فعلى الأقل بجنوبه، حيث "الغلبة" هناك للأحزاب والميليشيات والشخصيات الرمزية (من قبيل السيستاني) الموالية لها قلبا وقالبا؟

ثم إن الأمريكان ذاتهم فاتحوا الإيرانيين في ذلك، وجالسوهم في أكثر من مرة، إدراكا منهم لمدى "تغلغلهم" بالعراق، واستحالة التجاوز على ذات المعطى، معطى التغلغل، في ترتيب عناصر القائم، كما في رسم معالم القادم.

من هنا، فلا تبدو لنا نبرة التقرير الحادة بإزاء إيران، مرتبطة بذات المعطى، بقدر ارتباطها بملف نووي استعصت على الأمريكان مداخل التعامل معه، فتراءى لهم أن الإكثار من الترويج لأخطاء إيران وتعظيم خطاياها هنا وهناك، سيسهم بالقطع في إثارة النفوس، ثم تهيئتها رويدا رويدا، قبل أي استهداف خشن بات يوما عن يوم من مجال الوارد المحتمل.

+ أما نقطة الإفادة الثالثة، فتتعلق باقتراح التقرير خفض تعداد القوات الأمريكية المتواجدة هناك بالعراق، في غضون أسابيع معدودات، ليتقلص تدريجيا إلى الحجم الأصلي (حوالي 130 ألف جندي) الذي كان متواجدا بالبدء، أي قبل الشروع في تنفيذ "الاستراتيجية الجديدة بالعراق".

هو اقتراح محتشم دون شك، لكنه مع ذلك مشروط في غاياته ب"تحسن الوضع الأمني" العام، واكتمال "جاهزية قوات الأمن العراقية"، وتصلب عود مجالس العشائر في صد مد القاعدة، وانسيابية العملية السياسية، و نجاح "مشاريع المصالحة الوطنية"، وما سوى ذلك.

وهو ما قاله الرئيس الأمريكي بالحرف الواحد، وكرره في أكثر من خطاب، وأعاد تكراره  في أكثر من تصريح، منذ تحول "التحرير" إلى احتلال، وإلى حين صياغة تقرير بترايوس/كروكر.

قد يسلم المرء بإمكانية إدراك بعض من الأمن، وإن بالقوة. وقد يسلم أيضا بقدرة "القوات العراقية" على ضبط بعض من مظاهر التسيب والفوضى هنا وهناك. لكنه لا يستطيع أن يسلم بنجاعة المراهنة على "مشروع" المصالحة الوطنية، في بلد موشك على التجزأ، قاب قوسين أو أدنى من التقسيم، بين أحزاب وطوائف ومذاهب تتصارع لتعظيم حصتها من مغنمة ما ستفرزه الفيدرالية، وتتهافت لاحتساب ما سيأول لها (بعد احتساب حصة الشركات النفطية الكبرى) عندما يتحول مشروع "قانون النفط والغاز" الحالي إلى قانون.

بتقليب معطيات ما ورد بالتقرير وما قيل بالإفادة إذن، يبدو لنا أن القيادات السياسية والعسكرية الأمريكية، إنما تعيد إنتاج جهلها الكامل بمجريات واقع الحال بالعراق. فهي لم تبالي بذات المجريات باعتبارها مصدر الخلل لها وللعراقيين، بل بنت عليها، مجرد البناء، بجهة تلمس بعض عناصر التخلص من مستنقع، المكابرة من بين ظهرانيه قاتلة بتوالي الأيام، والتخلص منه بانسحاب مدل، عالي الثمن رمزيا، ومكلفا بميزان الخسارة والربح المادية.

والقيادات ذاتها، وإن بتمرسها العسكري الثابت، تجاهلت، في تقييمها للوضع الميداني أساسا، حجم المقاومة العراقية، ودورها المحوري في أي ترتيب أو حساب. قد يمني الأمريكان النفس بفتور مداها بين الفينة والأخرى، جراء تكالب الغريب وذوي القربى عليها، لكنها سرعان ما تعود حالما تخف الضغوطات وتتراجع الإكراهات.

هي تشن حرب عصابات بالتأكيد، ولا تكاليف لديها كبيرة مادامت بأرضها وبين أهلها. لذلك،  تراها غير مكترثة بضغوطات الزمن والمكان. يكفي أنها بعثت بنعوش تسعة جنود مارينز، في ذات اليوم الذي كان بترايوس وكروكر يدليان بشهادتيهما أمام الكونغرس؟

* "ما الفائدة من إفادة بترايوس/كروكر؟"، التجديد العربي، 24 شتنبر 2007. التحالف الوطني العراقي، 25 شتنبر 2007. جريدة التجديد، الرباط، 25 شتنبر 2007. شبكة الرافدين، 26 شتنبر 2007. القدس العربي، 6 أكتوبر 2007.

 

Vous pouvez partager ce contenu