Aller au contenu principal

"جيش" البشمركة

news-details

ينتاب المرء، بين الفينة والأخرى، انطباع عميق (يكاد يشارف على اليقين) مفاده أن الأكراد بشمال العراق لن يتوانوا هنيهة واحدة عن إعلان انفصالهم عن الوطن/الأم، عندما تتسنى لهم الظروف وتمهد لهم السبل والأدوات.   

هو انطباع قد لا يمكن الاعتداد به كثيرا، سيما لو صدر عن مواطن بأقصى نقطة بالوطن العربي لن يكون بمقدوره حقا الاطلاع على أدق ملابسات وحسابات ما يجري هناك، لكنه (الانطباع أقصد) يستمد بعضا من الموضوعية بالاحتكام إلى ثلاثة مظاهر كبرى، تشي لنا  توجها على الأقل، بأن انفصال الأكراد عمليا هو من مدة قائم على قدم وساق: 

+ المظهر الأول، ويتمثل في الوتيرة المتسارعة التي اعتمدها الأكراد (منذ سقوط بغداد تحديدا) "لاستكمال بناء مقومات الدولة"، وتحصينها من ارتداد "المظلومية التاريخية" التي طاولت "الشعب الكردي" قومية وأرضا وبشرا، منذ تأسيس الدولة العراقية مطالع عشرينات القرن الماضي وإلى حدود التسعينات منه.  

وعلى هذا الأساس، فتنصيب البرلمان الكردي والحكومة من بين ظهرانيه، وانتخاب رئيس للإقليم إنما تعبر كلها في منطوقها كما في المضمر بالنفوس، عن توجه حثيث بجهة "الاستقلال المؤسساتي" عن الدولة المركزية، حتى وإن كان كل ذلك قائما طيلة مراحل الحكم الذاتي الذي تمتع به الإقليم، منذ بداية تسعينات القرن الماضي ولربما من ذي قبل.

+ المظهر الثاني ويكمن في قرار رئيس الإقليم، مسعود البارزاني، إنزال العلم العراقي من على الأبنية والمؤسسات الرسمية، واستبداله ب"علم كردي" يرمز إلى خصوصية الإقليم وتميزه وفوق كل ذلك، إلى خاصية الانتماء التي لطالما اندغمت في الانتماء الأوسع الذي "فرضه" من كانت بيده السلطة والقوة والشرعية الأكبر.  

لم يعد رئيس إقليم كردستان يظهر والعلم الجديد من خلفه، كونه رئيس إقليم يتمتع بمزايا الحكم الذاتي، بل ويظهر عبره بمظهر "رئيس دولة" كامل الهمة والشرعية، لا ولاء له بالمطلق لدولة مركزية أو لسلطة بالعاصمة، أو لرئيس يمثل كل العراق ويرمز لوحدته واستمرارية أجهزة الدولة بداخله.

وعلى الرغم من اعتماد البرلمان "الوطني" المنتخب في ظل الاحتلال لمبدأ الفيدرالية وتقسيم البلاد إلى أقاليم ومحافظات، فإن استباق الأكراد في تنفيذ بنوده (وهو لا يزال في المهد) يشي حتما بأنهم لا محالة معتمدوه، سواء جرى تطبيقه على باقي جهات البلاد أم تعثر تصريفه جراء المعارضة الواسعة التي تطاوله في مضمونه، كما في فلسفته كما في التداعيات.

+ أما المظهر الثالث، فيتراءى لنا كامنا في تشبث الأكراد بميليشيا البشمركة وعزمهم الحثيث لتحويلها إلى جيش يكون "رمز الدولة القادمة، الحامي لحدودها والمدافع عن استقلالها".

ولما كان العزم كذلك (عزم اعتبار البشمركة نواة الجيش الكردي مستقبلا)، فإن الدعوات بجهة حل الميليشيات ودمجها ب"الجيش العراقي"، وتحويل ولائها لكل العراق عوض أن يبقى لجهة منه فقط، إنما تعني بالنسبة للأكراد، باقي الميليشيات المسلحة وليس البشمركة بأي حال من الأحوال.

يقول البرزاني، في رده على الداعين إلى حل البشمركة: " البشمركة شجرة أينعت ثمارها بدماء ودموع شعب، ولم تؤسس بأمر من أي دولة أو حزب أو شخص، ولولا البشمركة لما كان للأكراد أي وجود".

لا ينحصر رد البرزاني عند هذا الاعتقاد، بل يذهب لدرجة الحديث العلني عن "حاجة الأكراد إلى جيش كي يدافع عنهم ضد الأطراف التي لديها أطماع في الإقليم الكردي"، في تلميح مباشر إلى "جيش المركز" الأعرج تكوينا وتسليحا، وأيضا إلى جيران الإقليم المختلفين، حيث باقي "أبناء القومية الكردية".

وإذا كان من المتعذر حقا معرفة تاريخ إنشاء البشمركة (يقال بداية ستينات القرن الماضي حتى بالقول بملازمة الإنشاء لتموجات الحكم الذاتي منذ العشرينات منه)، ولا قوامها أو عددها (يقدر تقريبا بحوالي 130000 موزعة الولاء بين الحزبين الكرديين المهيمنين)، فإن الثابت أن قوتها ودورها لم يبرزا إلا أثناء تقسيم العراق (في العام 1991) إلى ثلاث مناطق حذر جوية كانت اللبنة الأولى لما نص عليه مؤخرا قانون الأقاليم المعتمد في ظل الاحتلال.

هي التي "حفظت الأمن والنظام" إذن منذ بداية التسعينات، وهي التي نسقت الإنزال الأمريكي بالشمال عندما عزمت قوات الاحتلال الأمريكي تضييق الحصار على بغداد من هذه الجهة، وهي التي تكفلت بحماية المنشآت النفطية التابعة للإقليم، وهي التي ساهمت في حماية الزعماء الأكراد عندما انتقلوا إلى بغداد، وهي التي طاردت العديد من رموز النظام العراقي، فألقت القبض على طه ياسين رمضان وعلى العديد من منتسبي حزب البعث الكبار، بعدما أسهمت بقوة (بالمعلومات تأكيدا) في إلقاء القبض على الرئيس صدام حسين.

من غير المستبعد أن تكون ذات كفاءة عالية وهي المتمرسة على حرب العصابات في جغرافيا كردستان الوعرة، عندما رفعت السلاح بوجه الدولة المركزية، ومن المؤكد أن فاعليتها ونجاعتها قد ازدادت جراء التدريبات المكثفة التي تلقتها وتتلقاها على يد الجيش الأمريكي وعلى يد الخبراء العسكريين الإسرائيليين (حوالي 1200 إسرائيلي يقومون على ذلك). 

ولما كانت بذات الجلد والقوة (وهي التي تمرس أعضاؤها تاريخيا في حروب الحزبين ومناهضة السلطة)، فإنها عمدت منذ مدة إلى "تطهير" مدن شمال العراق من القوميات الأخرى، سيما الآشورية والكلدانية والعربية والبدو الشمر تمهيدا لاستحقاقات استفتاء ملح، سيتحدد بموجبه مستقبل مدن (وأهمها كركوك) وأقوام، وستقام حدود "دولة كردستان" النهائية مع الجيران وفي مقدمتهم العراق. 

وعلى هذا الأساس، فإن عمليات التهجير والترحيل القسري والترهيب التي تقوم بها البشمركة بمدن كردستان العراق (السليمانية وسندجار تحديدا) إنما تندرج في سياق العمل على تفريغها من التنوع القومي والإثني واللغوي الذي لازمها لعقود طويلة، وتحويلها إلى "مدن كردية نقية الدم والعرق والانتماء". 

من ذا الذي سيمنع الأكراد إذن من إعلان الانفصال، وقد باتت لديهم القوة الخشنة الكفيلة بدعم ذلك والدود عنه؟ من بمقدوره المزايدة عليهم في ذلك إذا منحهم الاستفتاء (بين بعضهم البعض فقط) "حق" الانفصال وسيمنحهم إياه دون جدال؟ من سيحول دونهم ودون إعلان الدولة؟ ألم تحضر حكومة كردستان بإحدى دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث خطبت زوجة الطالباني باللغة الكردية؟

ألم تتعاقد حكومة إقليم كردستان مع شركات أجنبية للتنقيب عن النفط دونما استشارة الحكومة المركزية؟ ألم يتحدى البرزاني دعوة المالكي إلى إعادة رفع العلم العراقي على الإقليم؟

من يتجرأ على منع الانفصال وإبقاء الإقليم ضمن العراق الموحد والولايات المتحدة (وإسرائيل معها) بدأت تتعامل مع الإقليم إياه كما لو أنه عمليا دولة قائمة؟ ألم يستقبل البرزاني وزيرة خارجية أمريكا بكل البروتوكول الرئاسي المعتمد في الدول؟

لا يبدو لنا أن ثمة شيء يمنع ذلك إطلاقا، اللهم إلا إذا تحولت الانتهازية السياسية المقيتة إلى زعامة حقيقية تحتكم إلى الرؤية في منع ذلك... وهو انطباع لا يساورنا حتى بالعين المجردة بإزاء "حكام" كردستان... سيما في هذا الزمن الأمريكي والعراقي السيء، والعربي الأسوأ.

* "جيش البشمركة"، التجديد العربي، 12 نونبر 2006، جريدة التجديد، الرباط، 17 نونبر 2006، موقع الحلم العربي، 12 نونبر 2006، القدس العربي، 23 نونبر 2006، جريدة الرأي، دمشق، 23 نونبر 2006، موقع تيار المستقبل الكردي، 23 نونبر 2006، موقع حوار الخيمة، 23 نوبنر 2006، موقع البصرة، 23 نونبر 2006، موقع المركز الوطني للدفاع عن حرية الصحافة والصحفيين في سوريا، 23 نونبر 2006، موقع التحالف الوطني العراقي، 23 نونبر 2006.

 

Vous pouvez partager ce contenu