Aller au contenu principal

"حزب المدونين" المغاربة يعلن عن نفسه

هم ثلة من المغاربة، وجدوا في المدونات مجالا رحبا للتعبير عن آرائهم دون قيود، ومنفذا يضمنونه رأيا في حدث سياسي أو انتقادا لوضع سياسي أو تبشيرا بمذهب سياسي، بعد أن سدت أبواب النشر والتنظيمات الحزبية في وجوههم.

يمارسون السياسة وينتقدون المؤسسات عبر بوابة التدوين
 

"وأنا أفكر في سبيل للخلاص من هذا الوضع المزري لبلدي ولمواطني بلدي، لم أجد في طريقي سوى المدونة للتعبير عن نقدي المتواضع للطريقة التي يسير بها”. بهذه الكلمات يكشف المدون” Marocain” عن الدوافع التي دعته إلى الانضمام إلى”حزب المدونين” الذي بدأ يتشكل على سطح الشبكة العنكبوتية خلال الآونة الأخيرة.

 ويتابع صاحب مدونة "بدون أقنعة":”كل الدول الديمقراطية تتوفر على مؤسسات لإصلاح أوضاع مواطنيها، بدءا بالأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني، ونهاية بالصحافة، إلا أنني شخصيا مررت بكل هذه المؤسسات ولم أجد في طريقي سوى زيادة الهم والغم… لذلك، وبعد رصدي لأداء المدونات في العالم، وجدت هامشا كبيرا من الحرية يمكن استغلاله لرفض الظلم الذي حل بنا مع احترام لأدب النقد”.

ولئن كان التدوين قد أصبح لدى بعض المدونين المغاربة سبيلا للخلاص وواحة للتغلب على الإحباطات السياسية، فإن الأمر على نحو مخالف بالنسبة للمدون محمد سعيد أحجيوج:” الإحباط السياسي نادرا ما يمكن أن يدفع المرء إلى الفضفضة في المدونات السياسية، ربما في المنتديات، لأن المدونات بطبيعتها الشخصية تحتاج إلى شجاعة غير هينة حتى وإن كان المدون يستخدم اسما مستعارا”.

 ويستدرك أحجيوج قائلا في تصريح ل”الإنسان الجديد”:” القلة التي تتناول مدوناتها مواضيع ذات طبيعة سياسية، هي فئة ذات ميولات صحفية تتكون أساسا من شباب لم يجدوا فرصة للنشر في الصحف المغربية فلجأوا إلى التدوين، وصحفيين محترفين ضاقت بهم حدود الرقابة في مؤسساتهم فلجأوا هم أيضا إلى التدوين”.

دوافع ولوج عالم التدوين غير قاصرة على رغبات ذاتية، بل إنها كذلك، يشير أحجيوج، وليدة الرغبة في التغيير وتوعية المواطنين ونشر الحقيقة كما هي، وإحداث شرخ في سيطرة الدولة على الإعلام.

تتعدد الأسماء التي اختارها المدونون المغاربة لمدوناتهم، وكل واحد منهم يحاول جاهدا اختيار اسم مميز يراه كفيلا بجذب الكثير من الزوار، وقد يكون باسم مستعار أو باسم يعبر عن حالات الإحباط أو التعبير السياسي: “مواطن فشي شكل”، “جمهورية قهرستان”، “البهق ما يزهق”، “عيشة الدبانة فلبطانة”،”طرائف السياسيين المغاربة”، “كتابات بلا سياج”… وإن كانت هذه المدونات، بغض النظر عن لسانها أكان عربيا أم أعجميا، توفر لزائريها بجانب الخبر والصورة، تحليلات وتعليقات سياسية لما يقع داخل المغرب وخارجه، فإن السؤال الذي يثور: إلى أي حد تحضر السياسة في هذه المدونات؟

المدونون المغاربة والسياسة

يرى المدون احجيوج أن حضور السياسة في المدونات المغربية مازال باهتا، لحداثة التقنية أولا، وثانيا للركود السياسي الذي يميز البلاد ف” السياسة في المغرب نهر هادئ جدا وليس هناك ما يحركه سوى اقتراب الانتخابات. دون نسيان أن سنوات القمع جعلت المغاربة وبصفة خاصة الشباب، الذين هم أساس ثورة التدوين، عازفين تماما عن أي نشاط سياسي”، مضيفا:” ما أود التأكيد عليه هو أن المدونين المغاربة والسياسة كالماء والزيت من المستحيل اندماجهما”.

وتبقى الأرقام، حسب المتحدث ذاته، دالة على الحضور الباهت للسياسة في تلك المدونات، فأكثر من 80 في المائة منها مجرد مواقع شخصية تتضمن خواطر شخصية للمدونين. أما 20 في المائة المتبقية، فنصفها مدونات ذات طبيعة تقنية، ونصفها الآخر مدونات جادة تقدم محتوى هادفا يتوزع ما بين الثقافة والأدب والسياسة.

بخلاف ذلك، يؤكد المدون ميمون أم العيد في تصريح ل”الإنسان الجديد” حضور السياسة في المدونات المغربية بقوله:” السياسة حاضرة بقوة في المدونات المغربية كل حسب قربه من مصدر المعلومة، حيث تتفاعل بعض المدونات مع كل الأحداث التي يعرفها المغرب.

فهي منبر مهم بالنسبة إلى شريحة كبيرة لم تجد القناة التي تعبر فيها عن أفكار تتبناها بشكل أو بآخر”.

من جانبه، يعتبر يحيي اليحياوي الخبير في الإعلام والاتصال البعد السياسي في المدونات “بعدا من الأبعاد وليس البعد المهيمن، يتوخى من ورائه صاحبه إبداء رأيه في الشأن السياسي الجاري، دونما وضع المسألة في سياقها أو تأطيرها نظريا، على اعتبار أن المدونة لا تستلطف هكذا مقاربات. فهو ليس تحليلا ذو خلفية سياسية، بل ممارسة للسياسة كطقس يومي عابر”.

ويضيف اليحياوي في تصريح لـ” الإنسان الجديد”:” يبدو لي، من خلال مطالعتي لبعض المدونات، أنها لا تختلف كثيرا عما يروج في الواقع المعاش، أو ما يكتب في الصحافة. الفارق هو الحدة النسبية للنبرة والجرأة المتقدمة في إبداء الرأي، وهو غالبا ما يكون حكم قيمة من لدن صاحبه، أكثر من كونه تحليلا متوازنا”.

“حزب المدونين المغاربة” بعيد عن التأثير

مثلما أثبت المدونون الأمريكيون قوتهم وتأثيرهم على صناع القرار من خلال الكشف عن ممارسات حكومة بوش في العراق بالصوت والصورة، تمكن زملاؤهم المصريون من إنشاء حركة لهم تعرف باسم”حركة المدونين المصريين”، تروم إحداث تغيير سياسي وحراك اجتماعي وانتفاضة سياسية في المجتمع المصري بأسره، أمر، يبدو أنه، مازال بعيد المنال بالنسبة للمدونين المغاربة:” المدونات المغربية لا ناقة ولا جمل لها في التأثير على صناع القرار” يقول أحجيوج، متسائلا:” من أين ستستمد هذا التأثير إن كان أكثر من 80 في المائة منها هي مدونات ترفيهية و90 في المائة تكتب بغير اللغة العربية”.

 ويقر المدون ميمون أم العيد بأن” المدونات المغربية لا ترقى لتكون قوة ضغط موجهة لما يحدث في المغرب، وبأنه “لا يمكن مقارنة التجربة التدوينية المصرية بالمغربية، حيث للمدونين المصريين دور كبير في الثأتير في صناعة القرار”.

يبقى تاريخ السادس من أبريل 2006 موشوما في ذاكرة التدوين المغربي، بعد أن أطاح المدون رشيد جنكاري برأس الكاتب العام لوزارة الشؤون الاقتصادية والعامة لحسن بلكورة على خلفية نشره لفاتورة تفضح تبذيره للمال العام.

 بيد أن هذا النجاح، وإن كان نقلة نوعية في عمر المدونات المغربية القصير، إلا أنه لا يشي بتحولها إلى قوة مؤثرة في صناعة القرار السياسي، بل وسيبقى، حسب المدون أحجيوج، وإلى وقت طويل، الحالة الوحيدة ما لم تتدخل بعض المؤسسات الإعلامية المستقلة بثقلها لدعم المدونين. ويضيف:” المدونون المغاربة إلى الآن، هم شباب دون الثلاثين من عمرهم، وبعيدون عن مصادر الأخبار، ودون مصدر إخباري قوي لن يمكن أن تؤثر في صناعة القرار”.

في السياق ذاته، يقول اليحياوي “من المتعذر حقا تحديد مدى إسهام هذه المدونات في صنع القرار أو التأثير فيه شكلا أو مضمونا. وإن كانت مدونة رشيد جنكاري قد خلقت حادثا في يوم من الأيام، فأتصور أن التراكم لا يزال ضعيفا حتى يمكن القياس عليه”. ويتابع:”لم أعثر بالمغرب على حالات مدونين من قبيل زهير اليحياوي الذي مات بالمعتقل في تونس جراء ما سجله بمدونته من فضائح وفظاعات. ولا على الحالات العديدة للمدونين المصريين الذين توبعوا وحوصروا ومنعت مدوناتهم. هناك مدونات بالمغرب بها صبيب لابأس به من الجرأة، لكنه لا يخرج كثيرا عن المألوف، وبعضها، ما يزال يعتمد أسماء مستعارة، ولا يملك القدرة على الاشتغال في واضحة النهار بسبب التخوف من المتابعة”.

ويرى اليحياوي أن المدونين المغاربة لا يحتكمون إلى مرجعية جماعية في الفعل السياسي ، حتى يكون بمقدورهم المساهمة في صنع القرار أو التأثير فيه. فكل واحد منهم يشتغل لوحده دونما تنسيق في إطار فعل مشترك. بالمقابل، يشير اليحياوي إلى أنه بإمكان المدونات أمام ضعف الأحزاب السياسية وتردي وضع النقابات واستلاب معظم المثقفين وما يسمى بالمجتمع المدني، أن تتحول مع الزمن إلى قوة إن لم يكن في صنع القرار، فتأكيدا في جهة التأثير فيه. وهذا هو المراهن عليه، يقول اليحياوي، ولاسيما عندما تتعمم المعرفة ويزداد ارتباط المغاربة بالشبكة العنكبوثية وتنخفض مستويات الأمية ويعاد الاعتبار إلى السياسة.

ويضيف الخبير في الإعلام والاتصال:” المطلوب، أن تعمد هذه المدونات إلى التزام المصداقية والمراهنة على أخبار القرب، واعتماد الحد الأدنى من الجمالية لاستقطاب القراء عوض أن تبقى في شكلها الحالي وكأنها “سويقة” تعرض كل شيء. أزعم أن هذا الجانب سيتقوى مع الزمن، خاصة وقد أضحت مصدر أخبار للعديد من المنابر المكتوبة التقليدية”.

أما المدون ميمون أم العيد فيرجع ضعف تأثير المدونين المغاربة في القرار السياسي إلى اهتمام الكثير منهم بقضايا دولية:” تصور معي من يعيش في دوار بلا كهرباء و يدبج في مدونته مقالا عن أزمة دارفور ! و تصور معي معوزا أنهكه ارتفاع أسعار مواد لا غنى له عنها، و مع ذلك يبقى له متسع من الوقت للكتابة عن سلبيات التطبيع بين فلسطين و إسرائيل. ما أعتقده شخصيا، هو أن الأوليات يجب أن ترتب وأن على المدون الكتابة عن قضايا الوطن، أزمات حيه ومحيطه، ويدع عنه الهموم الدولية للذين يمكنهم أن يقدموا شيئا حقيقيا”.

السياسيون يدخلون على الخط

ما يلفت النظر في هذه التجربة الجديدة، أن عالم التدوين باعتباره وسيطا مفتوحا لنشر الأراء المختلفة، لم يعد ولوجه قاصرا على مدونين استقطبهم التدوين إلى الحياة السياسية فراحوا يفرجون عما يخالج صدورهم بعيدا عن الأشكال التقليدية للتعبير وعن أية رقابة مؤسساتية، بل تعداه إلى مدونين خبروا السياسة واحترفوها ويمتلكون فضاءات للتعبير داخل أحزابهم وعلى صفحات جرائدها. كما هو الشأن بالنسبة لعضو حزب الاستقلال عبد القادر العلمي والنائب عن حزب العدالة والتنمية رشيد لمدور. ولا يقتصر الأمر على مدونين منتمين إلى أحزاب تعمل في إطار الشرعية، بل تعداه إلى مدونين منتمين إلى جماعات سياسية غير معترف بها كجماعة العدل والإحسان التي، يبدو، أن بعض مريديها قد وجدوا في التدوين وسيلة للتعريف بالجماعة وشيخها والتبشير بالخلافة الثانية على منهاج النبوة. ولأن من حق الجميع أن يحركوا كل المفاتيح ليتذوقوا مخارج النور، كان لفعاليات جمعوية ونقابية في مناطق نائية، لم تجد فضاءات للتعبير والتواصل، أصابع تقربهم من مناضليهم.

وفرت المدونات لشباب مغربي وفاعلين سياسيين وجمعويين ونقابيين فرصة لنشر أرائهم، والنبش في المحظور وانتقاد الأوضاع السياسية، والدفاع عن مواقف سياسية يؤمنون بها. بيد أن الذين ولجوا عالم السياسة من بوابة التدوين، لم يستطيعوا بعد، أن يتحولوا إلى حركة يعتد بها في المعترك السياسي كما هو الشأن بالنسبة للمدونين المصريين، ليبقى تحولهم من مجرد الكلام والفضفضة بحرية إلى التنظيم والعمل السياسي مؤجلا، وإلى حين.

عادل نجدي، مجلة "الإنسان الجديد"، العدد 21، غشت/سبتمبر 2007.

Vous pouvez partager ce contenu