عندما أسقطت قوات الاحتلال الأمريكي نظام الرئيس/الشهيد صدام حسين بالتاسع من أبريل من العام 2003، أسقطت معه دون انتظار طويل، قلعة سميكة لطالما احتمى بها "فلسطينيو العراق" واستظلوا بها، وكانت مدعاة تفاخر الفلسطينيين بالأرض المحتلة، كما بالشتات اللامتناهي سواء بسواء.
لم يؤاخذ فلسطينيو العراق، وهم مجرد لاجئين، شأنهم في ذلك شأن الملايين من أبناء طينتهم بكل بقاع الأرض، لم يؤاخذوا قطعا على هويتهم، ولا على الحنين، حنينهم لمغادرة العراق حينما تتيسر لهم سبل العودة، بل تمت مؤاخذتهم بوزر رئيس (وشعب) آواهم من خوف وأطعمهم من جوع، وجعل من تحرير فلسطين إذا لم يكن جزءا من تطلعاته، فعلى الأقل ثابتا قارا، ذيل به ولسنين طويلة خطبه عندما كان رئيسا للدولة، كما برسائله وهو بخندق المقاومة، كما بكتاباته وهو بالسجن، كما بمرافعاته أمام "المحكمة الجنائية"، بل ورفع شعار "عاشت فلسطين"، وهو على منصة الإعدام/الاغتيال، شامخا عملاقا.
لم يغفر "حكام العراق الجدد" للفلسطينيين هذا "الامتياز"، ولا غفروا لهم معاضدتهم للرئيس/الشهيد، ردا عفويا من لدنهم للجميل، بل احتسبوه ضمن سيئاتهم، فنكلوا بهم أشد ما يكن التنكيل، عبر القتل الممنهج، والتهجير القسري المرتب، والمطاردة بالأحياء والأزقة والجامعات والإدارات والأسواق، لدرجة لم يفلت من عقالهم إلا متنكر مضطر، أو صاحب حظ من السماء، أو من التحق بصفوف المقاومة مجاهدا، أو فر بجلده إلى دول الجوار المباشر للعراق، دونما أن يلوي على شيء من شقاء العمر هناك.
إن الذي ثوت خلفه، ومنذ اليوم الأول للاحتلال، عصابات الداخلية والدفاع، وميليشيات الأحزاب، وكلها مدثرة بلواء المذهبية والطائفية والعنصرية بصيغها البدائية القاتمة، إنما كانت الغاية منه إرهاب وتصفية "أقلية سنية"، أو محسوبة على سنة العراق، تم الزعم أنها كانت ذات حظوة واعتبار كبيرين لدى رأس الدولة، "على حساب العراقيين، أصحاب الأحقية في الانتفاع بالامتياز".
ليس في الأمر مزايدة من طبيعة ما، إذ بعد أكثر من أربع سنوات من الاحتلال ومن مسلسل التصفيات والمطاردات، لم يبق بالعراق المحتل إلا بعض من آلاف، بعدما كان عددهم يتجاوز العشرين ألفا قبل دخول قوات الاحتلال الأنجلو/أمريكي، لم يكونوا طيلتها (قبل الدخول إياه أعني) مثار ضغينة، أو مكمن حقد، أو جهة استهداف.
وليس في الأمر مبالغة من نوع ما، إذ لطالما ردد "حكام العراق الجدد"، أن الفلسطينيين غير مستهدفين بمجملهم، بقدر استهداف الذين التحقوا بصفوف المقاومة، "متعدين بذلك وضعيتهم كلاجئين ضيوف".
ولما كان الفلسطينيون قد خبروا الملاجئ والخيام، مادامت قد كتبت عليهم منذ النكبة، فإنه لم يسلم من شرور الحكام إياهم، إلا من حالفه الحظ بولوج أراضي دول الجوار، أو تكرمت عليه بعض الدول الاسكندنافية وأستراليا وكندا، أو تعاطفت معه المنظمات الدولية، فبعثت له ببعض من القوت والكساء والغطاء...فيما الآخرون بقوا عالقين بحدود العرب الأعراب، منتظرين ردا على طلبات لهم باللجوء...تأكد لهم أنها لن يأتي أبدا.
إن مأساة مخيم الرويشد بصحارى الحدود العراقية/الأردنية، ليشي حقا وبالجازم القاطع، بمأساة فلسطينيين عربا، تقاذفت مصائرهم أعراب مستعربة، طال بهم الانتظار، وتأخر عنهم الرد في مصير الحال والمآل، إذا لم يكن من لدن جامعة عربية ضاق الذرع من بين ظهرانيها بأمين عام مكابر، فعلى الأقل من لدن دولة، كالأردن تحديدا، لن يزدها مئات من الفلسطينيين الإضافيين، كثافة في الساكنة تذكر، أو ضغطا استثنائيا في إكراهات المأكل والمسكن.
ولما بات أمر المخيم قاب قوسين أو أدنى من الكارثة الإنسانية المحتمة، فقد تطوعت البرازيل (بمبادرة من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين)، وهي بلد لا جوار له يذكر مع "المحيط العربي"، لاستقبال وإيواء منكوبي المخيم على نفقتها، ودونما مباهاة من لدنها بفضل إنساني ما عليهم.
يقول الأمين العام لوزارة العدل البرازيلية: "إن البرازيليين فتحوا أذرعتهم مرحبين...سيتمتع الفلسطينيون بحقوق المواطنة نفسها التي يتمتع بها البرازيليون... وسيستلمون هويات شخصية وجوازات سفر، كما سيحصلون على مساعدات مالية شهرية لمدة عامين، حتى يتمكنوا من إعالة أنفسهم".
ويضيف: لن نكرههم على شيء..."سيتمكنون من المحافظة على تقاليدهم، وارتداء ملابسهم التقليدية، وتناول طعامهم المفضل، وممارسة معتقداتهم الدينية، دون الخوف من التعرض لاعتداء أو انتقام".
لم يجد فلسطينيو الرويشد بديلا عن الرحيل، هم الذين كما غيرهم، لطالما منوا النفس بالبقاء قرب فلسطين أملا في العودة، لا بل باتوا من المحظوظين وهم في طريقهم للبرازيل، ليس فقط قياسا إلى من لا يزال بقلب العراق، يراهن على الزمن لتجاوز المحنة، بل وأيضا بالقياس إلى من هم لا يزالون عالقين معلقين بالحدود العراقية/السورية، بمخيمي التنف والوليد خاصة، ينتظرون رأفة ما من الأجنبي البعيد، بعدما طال بهم انتظار رد دول الجوار، و"قرار" من جامعة الدول العربية، لم يتجرأ أحد من أعضائها على القبول بهؤلاء.
بهذه النقطة تحديدا، لم يعد مصير المعلقين بالحدود هو المهم، الأهم منه الادعاء (ادعاء العرب الرسميين) بأن من يضمن لهؤلاء موطئ قدم، سيكون قد "فرط" في حقهم في العودة، ومن جازف باستقبالهم بأرضه، سيكون كمن يوفر لهم مأوا نهائيا، بديلا عن موطن أصلي لهم هجروا منه، واعترفت لهم المواثيق الدولية بذلك...لا بل إن منهم من ادعى أن القبول بهم (كما بسواهم من فلسطينيي النكبة) هو تسليم ضمني بمفردة التوطين بوطن بديل، هم رافضوه قطعا، كائنة ما تكن الظروف وسياقات واقع الحال.
هي بالقطع مسوغات تظهر الحق، لكنها تبطن ضمنيا باطلا ما بعده باطل:
+ ففلسطينيو الرويشد لم يستغيثوا على خلفية من "ترف العودة" للوطن، ولا تمنعوا في الرحيل، أيا ما تكن جهة المصب، تشبثا من لدنهم أعمى بحق، بات يبتعد أكثر فأكثر مع الزمن، بل ناشدوا العالم، كل العالم، الرحمة على أساس ضمان ملاذ آمن، لا استجداء بضمان العودة لوطن مغتصب من أكثر من نصف قرن.
+ ثم هم لم يدفعوا بشرط، ولا تشبثوا بمطلب، هم عالقون بحدود لو تسنى للميليشيات إدراكها، لأفنوهم عن بكرة أبيهم... هم متشبثون بغريزة في البقاء أقوى وأشد من عودة افتراضية "لوطن"، يتصارع أهله هناك على "السلطة"، كما لو كانوا حقا وحقيقة بإزاء دولة قائمة الكيان.
+ ثم هم، فضلا عن كل ذلك، مستنجدو حماية، لا مستنجدو غذاء وكساء...كيف لهم والحالة هاته، أن "يدعوا الحكمة"، ويزايدوا على مصير مهدد آناء الليل وأطراف النهار، من لدن ميليشيا الحقد الأسود، ودولة الطوائف والملل.
إن الذين تركوا فلسطينيي مخيم الرويشد عالقين بين الموت والحياة، على خلفية من مسوغة "الحق في العودة"، إنما هم من أولئك الذين انتفت الحيلة من بين أيديهم، وبلغ بهم الحرج مداه الأقصى، فادعوا أن "عتق رقاب" فلسطينيي المخيم، هو تفريط في حقهم في العودة...تماما كما فعل أحدهم عندما زج "بفلسطينيي بلده"، بحدود دولة مجاورة، إحراجا للراحل ياسر عرفات، وتوكيدا من لدنه على خطايا أوسلو.
إن الذين يهينون الفلسطينيين (بلبنان أو بالأردن أو بسوريا أو بغيرها) أو يقتلونهم كما بالعراق، أو يهضمون حقوقهم كبشر بالعديد من الدول العربية، تحت مسوغ "حق العودة"، إنما هم منافقون، متواطئون، مرضى الضمير لدرجة السادية. إنهم النموذج الصارخ لعرب رسميين انتفت الحيلة من بين أيديهم، فتبرموا عن الحل بعنتريات الخطابة الفجة.
* "فلسطينيو البرازيل وحق العودة"، التجديد العربي، 4 نونبر 2007. شبكة الرافدين، 4 نونبر 2007. التحالف الوطني العراقي، 5 نونبر 2007. جريدة التجديد، الرباط، 5 نونبر 2007. المجموعة 194، 8 نونبر 2007.