ارتفعت مؤخرا من بين ظهرانينا بعض من الأصوات (والأقلام أيضا) تلمح ضمنا أو تعلن جهارة أن الفكر العربي أضحى مطالبا بإعادة تعريف مفهوم العروبة "ليس انطلاقا من أبعادها النظرية بل انطلاقا من فلسفتها وتصوراتها وتطبيقاتها في حياة الشعوب راهنا"...بغرض مواجهة "زلزال مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يستهدف تعديل ميثاق الجامعة العربية بجهة إدخال دول جديدة غير عربية إلى عضويتها"...
والحقيقة أن الصيغة التي تبني لهذا الطرح إنما تتضمن في حد ذاتها بعضا من عناصر الجواب إذ الفكر العربي كما مفهوم العروبة كما مسألة الهوية...أضحت مجتمعة على المحك في كثير من جوانبها سيما في ظل تسارع المستجدات وتعقدها والالتباس الكبير الذي غدا السمة الكبرى لبداية هذا القرن.
أزعم بداية أن العرب (على الأقل النخب الحية ضمنه) لا يزالوا يجترون العديد من القضايا الإشكالية الكبرى التي كان من المفروض أن تجد طريقها للحسم من مدة طويلة.
فنحن لربما لم نحدد بعد وظيفة الفكر وطبيعة التجاذبات القائمة (أو التي من الواجب إقامتها) بين الفكر والواقع. بمعنى أننا لم ننجح بعد في تحديد نوعية وآلية الجدلية بين هذين المستويين. بالتالي ترانا نحمل هذه الجهة أو تلك مسؤولية ما يقع دونما أن نضع لذلك الأصول المنظومية الكفيلة بقراءة هذه الحركية أو ضبط آليات اشتغالها.
وهو ما يتراءى في الشطر الأول من الطرح والذي "يطالب" الفكر العربي بضرورة إعادة التعريف بمفهوم العروبة مثلا لا انطلاقا من أبعادها النظرية بل على خلفية من فلسفتها وتصوراتها وتطبيقاتها في حياة الشعوب.
الفكر العربي (شأنه شأن أي فكر آخر) هو بداية الأمر ونهايته تنظيرا (كي لا نقول نمذجة) لواقع الحال، هو محاولة لقراءته بأدوات ومناهج في العلوم الإنسانية والاجتماعية قائمة بغرض استخراج مكامن الخلل بصلبه أو بجهة البناء لتصورات ومسالك في المستقبل على أنقاض مكامن الخلل تلك.
بالتالي فليس ثمة من انفصال (من ناحية المبدأ على الأقل) بين ما يعتمل بأرض الواقع وما تحاول " نظريات" الفكر العربي مقاربته أو ملامسته أو ترسيم الخط البياني المستقبلي لصيرورته في الزمن والمكان اللهم إلا إذا كان ذات الفكر مجرد ترف عقيم أو مسوغ للتسلية الذهنية الخالصة.
لماذا إذن نطالب هذا الفكر بأن يعيد النظر في مفهوم العروبة إذا كان هو أصلا يستنبط وجوده منها ويتخذها مرجعية في الاستقراء، في المقاربة وفي التحليل...؟ إنه يتمثلها (أو هكذا يجب)، يبني من خلالها ويستقرأ المستقبل على ضوئها.
ألم يكن الفكر الناصري (ولا يزال) ترجمة لتطلع من أجل الوحدة ومحاربة الاستغلال ومصادرة القرار؟ ألم تترجم الناصرية على أرض الواقع عندما وزعت الأراضي وقلصت من الإقطاع وأعادت للمواطن المصري كرامته وللمواطن العربي هبته وثقته بتاريخه وقوميته وما سوى ذلك؟
صحيح أن هناك "ردة فكرية" من لدن بعض "المفكرين العرب" الذين بدأوا يتبرأون من العروبة لاعتبارات عرقية مقيتة أو على خلفية من النبش في الأهرامات. هذا صحيح لكنهم لا يعنوني هنا ولا أعنيهم فيما سبق من حديث.
بالتالي، أتصور أن العروبة هي انتماء لأمة ولحضارة وسلوك في الحياة وتطلع في المستقبل. والفكر المنسوب إليها (أو عليها) إنما هو الاجتهاد التنظيري (والتطبيقي أيضا) المجمع على ضرورة وحدة ذات الأمة من أجل التنمية والتقدم وصيانة الكرامة وما سوى ذلك.
هو إيديولوجيا توحيدية (بالمعنى الإيجابي للكلمة) لعناصر موضوعية لا مجال للتحايل عليها من لدن مرتد أو مستلب أو مسترزق في الأفكار تحت هذا المسوغ أو ذك.
بتحصيل حاصل إذن القول بأن العروبة إنما هي وبامتياز ثقافة وفكر وفلسفة وأسلوب تمثل ومنهج في التصور ومدخل من مداخل الوحدة والعمل المشترك بين مختلف أبناء الأمة.
ولما كانت كذلك، فهي بالمحصلة إينزيمات الهوية لا يمكن سلخ بعضها عن البعض الآخر...وهي بذلك تتجاوز الزمن والمكان لا فقط على اعتبار أنها عصية على التطور، ولكن أساسا لأنها المحدد المركزي لكينونة الإنسان العربي في القدم كما في الزمن الحاضر وفي المستقبل.
وعلى هذا الأساس، فإن الشطر الثاني من الطرح أعلاه يثير بعضا من الانزعاج وكثيرا من أحكام القيمة وذلك لسببين:
+ الأول أنه كلما طرأ طارئ من بين ظهرانينا أو من حولنا إلا وتبدأ الإشارة تتجه بجهة المرتكزات الكبرى حتى بعدم توفر دراسات دقيقة تبين ناحية التأثير وطبيعتها.
لم يقتصر الأمر على ردود الفعل حول وثيقة "الشرق الأوسط الكبير" بل لطالما ساد ذات الربط في حالات العولمة والفضائيات والإنترنيت وبعض الكتابات الاستشراقية التي أثارت ردود أفعال حتى قبل أن تدرس وتقيم وتوضع في سياقها العام.
+ السبب الثاني ويكمن في توظيف كذا قضايا وإشكالات من لدن أطراف وجهات ومستويات قد تتهدد مصالحها بعض المشاريع (بصرف النظر عن خلفيات ذات المشاريع وأهدافها)، فتؤجج حولها المشاعر وتستكتب الأقلام للترويج للمخاطر والتخوفات حتى وإن كان في ذات المقترحات والمشاريع الخير كل الخير للأفراد والجماعات.
هذين السببين لا يخلقان فقط التشويش والخلط، بل وغالبا ما يكونا مصدرا لردود أفعال عفوية وجانبية لا تصمد كثيرا على محك الواقع.
لنأخذ وثيقة "الشرق الأوسط الكبير" كنموذج مادام موضع الطرح في ضلعه الثاني يرتبط بهذا الأمر بل يحذر من مخاطر هذا "الزلزال" على الهوية وما سواها. ماذا نلاحظ؟
نلاحظ أننا بإزاء ثلاثة معطيات موضوعية لا مجال للمزايدة بشأنها كبير:
+ الأول أنه لم يعد هناك أثر لمؤسسة إسمها الجامعة العربية منذ باركت العملية العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة على العراق لإخراجه من الكويت وعجزها المستمر للدفع بالقضية الفلسطينية وتقصيرها في رفع الحصار عن العراق أو الحيلولة دون غزوه واحتلاله...ناهيك عما سوى ذلك من أوجه القصور.
ولما كان الأمر كذلك، فأنا أزعم أن إصلاح الجامعة أو إعادة هيكلتها أضحى أمرا ترقيعيا ومؤتمراتها وقراراتها غدت أضحوكة كبرى وبكل المقاييس.
+ الملاحظة الثانية أن ما وقع يوم الحادي عشر من شتنبر وما استتبعه من استفراد الولايات المتحدة بالقرار الدولي ولجوء المحافظين الجدد إلى عصا القوة لفرض الإصلاحات...الذي وقع (وما يجري أيضا) أعطى للقوة الكبرى الوحيدة في العالم سلطات واسعة لإعادة تنظيم العلاقات الدولية على مقاسها سيما بالشرق الأوسط حيث مصادر النفط و"منابع الإرهاب" والحليف الاستراتيجي الأول...الخ.
+ الملاحظة الثالثة وتتراءى لنا كامنة في تزايد مطالب الإصلاح التي طاولت المنطقة العربية ولم تجد لها صدى من لدن الأنظمة السياسية القائمة على الاستبداد والتفرد بالسلطة والثروة والاستهتار بشعور المواطن كما هو الشأن بحالة توريث الحكم وعدم اللجوء إلى الاقتراع لاختيار الحاكم وقمع الحريات الجماعية كما الفردية ...وما سوى ذلك.
مكامن الضعف والتقصير والخلل هي التي دخلت عبرها المشاريع الخارجية قبل وثيقة "الشرق الأوسط الكبير" ومعها كما بعدها بالتأكيد.
ماذا تقول وثيقة "الشرق الأوسط الكبير" في خطها العام؟
+ تقول أولا (بناء على تقريري التنمية الإنسانية العربية فيما يبدو) أن المنطقة العربية تشكو من غياب الديموقراطية والحكم الصالح، من غياب الأسس الكفيلة ببناء مجتمع معرفي وكذا من تغييب الفرص الاقتصادية التي من شأنها الدفع بعمليات التنمية. وهذا أمر صحيح قال به التقريران وقلنا به كما قال به العديد غيرنا حتى وإن كان الاختلاف قائما حول أسباب ذات الغياب والتردي والجهات الثاوية خلفها.
+ وتقول ثانيا "بضرورة" توسيع الرقعة الجغرافية لتشمل إلى جانب العالم العربي دولا أخرى كإيران وأفغانستان وباكستان وتركيا و...إسرائيل.
أي أنها تقول بفضاء جغرافي لا خلفية بصلبه للعرق أو للعقيدة أو للدين أو لطبيعة الدولة أو ما سوى ذلك.
وهو أمر لا يمكن استساغته أو القبول به ليس فقط لأن إسرائيل دخيلة على المنطقة، عنصرية وقائمة على خرافات لاتاريخية، ولكن أيضا لأنها تراهن على أن تكون رائدة الرقعة إياها ليتسنى لها بالتالي تذويبها في مشاريعها التوراتية التي لا حد لها فيما يبدو بعد أن تم احتلال العراق.
قد لا يكون هذا الأمر مثار استغراب أو استفهام من لدن الأنظمة السياسية العربية (فكلها إما تتاجر مع إسرائيل أو تسعى إلى كسب ودها بهذه الطريقة أو تلك). المثير للغرابة حقا هو عدم إيلاء النظم العربية لهذا الجانب كبير اعتبار بقدر ما أثارت حفيظتهم (وثورتهم أيضا) قضية "فرض الإصلاح من الخارج دونما مراعاة لخصوصيات كل دولة وشعب".
هو كذلك دون شك سيما وأنه نابع من إدارة أمريكية متعجرفة، متعالية ولا يهمها من المشروع إلا مصالحها ومصالح حليفها بالمنطقة على المدى المتوسط والبعيد، لكن ما الذي حال دون هذه الأنظمة ودون إعمال مبدأ الإصلاح طيلة الخمسين أو الأربعين سنة الماضية حتى تكون في منأى عن الإملاءات الخارجية؟
لماذا لم تنجح الجامعة العربية لأكثر من نصف قرن من الزمن ولماذا لم تدفع بالعمل العربي المشترك حتى تحول دون فرض الإصلاح على أعضائها قسرا؟
لماذا فشلت النظم العربية في استنبات الديموقراطية والحكم الجيد وعجزت عن إقامة المنظومات التعليمية المكرسة لروح البحث العلمي والإبداع التكنولوجي والحرية وتكافؤ الفرص حتى لا تتعرض للاستهداف من الخارج على أساس هذه الخلفية أو تلك؟
لماذا لم تعمد إلى نشر قيم الحرية والعدالة والتوزيع المتكافئ لمصادر الثروة والسلطة حتى تضمن لنفسها المناعة من الداخل تعجز عن اختراقها المشاريع والمخططات الآتية من الخارج؟
نأتصور إذن، بالمحصلة، أن الإشكال لا يضع العروبة كهوية أو كثقافة في المحك بقدر ما يضع تمثلا للسلطة والحكم منفصل ومنفصم عن الشعوب طيلة عقود من الزمن...وبقدر ما لا تعنينا ردود فعل الحكام والنظم السياسية على هذه الوثيقة وعلى غيرها (بحكم التهديد الذي رفعته في وجههم)، فإن العروبة هي التي تهمنا...وهي بكل الأحوال تتجاوزهم وترفع بوجههم التحدي ...
والتحدي الذي نقصد في هذا الباب إنما يكمن في ضعف قابلية الحكام والنظم العربية على تمثل العروبة والهوية العربية واعتبارها المسلك الوحيد للخروج من حال المحنة الذي نعيشه أفرادا وجماعات.
حان إذن الوقت على نظم الحكم هاته قد تذوق بعضا من هذه المحنة التي جرعتنا إياها لعقود طويلة خلت...ولا تزال.
جريدة العلم، 27 أبريل 2004