Aller au contenu principal

"في مدى المراهنة على الرأي العام الأمريكي لردع العدوان على العراق"

news-details

 ليس من باب الاستفزاز الخالص ولا من ضروب الترف الفكري حتى، أن يطرح المرء تساؤلا كالذي ورد عنوانا لهذا النص... يبدو من صيغته أنه يروم الحديث في العدوان على العراق من زاوية لربما كانت آخر من حدد قرار ذات العدوان أو ساهم في التنديد به أو المظاهرة ضده.

 لا نعتقد أن كل هذا من باب الاستفزاز أو الترف الفكري، ليس فقط لأن العديد من المواطنين الأمريكيين نددوا وتظاهروا ضد الاستعدادات العسكرية التي كانت جارية على قدم وساق لشن العدوان، وليس فقط لأن العديد من النواب والمثقفين والصحفيين والفنانين الأمريكان وغيرهم عبروا عن معارضتهم واحتجوا بمئات الآلاف بشوارع المدن الكبرى وبأقلامهم ومن خلال أدوات التعبير الأخرى المتوفرة لديهم، ولكن أيضا لأن العديد من معارضي العدوان، بكل دول العالم، كانوا يراهنون على دور الرأي العام الأمريكي في ثني الإدارة الأمريكية على شنه، وكانوا فضلا عن ذلك، يعتبرون احتجاجاتهم ومضاهراتهم رافدا من روافد الاحتجاج الأمريكي الذي اعتبر في حينه الأساس والعنصر المحدد نهاية المطاف.

 لا يجب أن يعتقد المرء، في سياقات عدة أخرى، أن للرأي العام الأمريكي مكانة مميزة أو خاصية من نوع ما، لكنه في هذه الحالة بالذات (حالة العدوان على العراق) أصبح مثار اهتمام ومكمن "مساءلة" كون بلاده هي التي عقدت العزم على شن العدوان (وشنته) على بلد يبعد عنها آلاف الأميال، وكونها ( بلاده أعني) دفعت بعشرات الآلاف من أبنائه لذات الغرض.

 ولئن لم يتم، في النهاية، الاحتكام إلى ذات الرأي في اتخاذ قرار العدوان وشنه (حتى في معارضة الرأي العام " الحكومي" النابع من العديد من دول وحكومات العالم)، فإنه من الغبن حقا نكران مختلف مظاهر التنديد وأشكال الاحتجاج التي تمت من لدن أطياف عدة من الشعب الأمريكي ضد اعتماد " سياسة العنف والتقتيل" التي نهجتها حكومته أيا ما تكن الأسباب والمبررات.

 ولما دأبت الحكومات الأمريكية، المتعاقبة منذ بداية ثمانينات القرن الماضي على الأقل، على "الاستهتار" بضغوطات رأيها العام أو بجزء منه على الأقل، فإنه أضحى من شبه المسلم به عدم المراهنة على ذات الرأي لا في شكله ولا في مضمونه.

 ليس الأمر كامنا هنا في معطيات ذاتية ملازمة لذات الرأي العام، ولكن أساسا لأنه محكوم، فيما نتصور، بثلاث خلفيات ما فتئت توجهه وتفعل في صيرورته بعمق:

 + فالرأي العام الأمريكي بكل "فصائله" ومكوناته (صحفيين ومثقفين وفنانين وجماهير عادية حتى) منغلق في معظمه على ذاته، يختزل العالم في بلاده ولا يعير أهمية لقضية ما بالعالم إلا إذا كان لها تأثير مباشر على مستوى حياته أو مستقبله.

ولما كان كذلك (وأكثر يقول البعض) فإنه من الهين على المرء (فبالأحرى على حكومته) استمالته أو إقناعه بأن الذي يتم باسمه إنما هو لصالحه ولفائدة أبنائه.

 وعلى هذا الأساس، فلم يكن من المستعصي على إدارته تبيان أن شن "حرب" على العراق هو من شن "الحرب على أسلحة الدمار الشامل التي قد تطال العالم والولايات المتحدة ضمنها"، ومن شن "الحرب على الإرهاب" الذي تراءت لذات الرأي العام تمظهراته "الأولى" يوم الحادي عشر من سبتمبر، ومن "الحرب على محاور للشر أذاقت شعوبها الويلات ولن تتوانى حتما في إذاقتها لباقي دول المعمور". وهو أمر قد لا يتعذر على ذات الرأي العام استشفافه أو تنعدم لديه السوابق في  تأكيده .

 + والرأي العام الأمريكي رأي مخترق حتى النخاع من لدن شبكات إعلامية (تلفزية بالأساس) لا تتوانى في " تخديره" وتقديم ما يرضي هذه الجهة أو ترتضيه تلك بشأنه.

لا يروم التلميح هنا إلى الاستنفار غير المسبوق من لدن الشبكات الإعلامية الكبرى (من تلفزة وإذاعة وصحافة) بجهة "شيطنة" النظام القائم بالعراق وتبيان مدى "خطورته" على حاضر العالم ومستقبله، بل وأيضا إلى تكثيف وتيرة العدوانية ضده، حقيقة أو بهتانا، ليغدو الأمر بالمحصلة (بحكم التكرار) حقيقة مطلقة لا مجال للمرء للمزايدة بشأنها.

 إذا لم يكن الأمر كذلك (من لدن المؤسسة العسكرية والآلة الإعلامية الدائرة في فلكها أو المندغمة فيها)، فما تفسير القول (قبل اندلاع العدوان) بأن الغرض إنما هو إزالة الرئيس العراقي وتدمير أسلحة الدمار الشامل، ليتحول ذلك إلى القول، خلال أطوار العدوان (كما حين بلغ الجنود الأمريكان ساحة الفردوس)...بأن القوات الأمريكية أتت هنا لتبقى؟

 ليست المسألة هنا تكتيكا عسكريا أو تخطيطا جيوسياسيا من نوع ما، بل هي أيضا وبالأساس مسألة أخلاقية وأدبية تضع على المحك الوفاء بما تم الالتزام به أو تم إعطاء الوعود القاطعة بشأنه.

 + ثم أن الرأي العام الأمريكي (بحكم انغلاقه وتدني معرفته بالآخر وعدم اهتمامه بما يقع خارج بلاده)، هو رأي عام مزاجي وعفوي وهين الاستقطاب. فبين مظاهراته الجارفة (خلال مرحلة الاستعداد للعدوان) وصمته الشبه مطبق عندما انطلق ذات العدوان وخروج بعض من مكوناته " للاحتفال" (يوم دخل الجنود الأمريكان ساحة الفردوس)...بين كل هذا وذاك، لم يبق "الرأي العام" الأمريكي على موقفه الأساس بل طاله التدرج في التحول لدرجة اصطفافه، في نقطة النهاية، وراء سياسة حكومته شكلا وفي المضمون.

 لم ير المرء احتجاج المواطن الأمريكي ضد إرسال أبنائه لبلد قد يلقوا به حتفهم دون سابق إنذار، بل أضحى يهتف بانتصار هؤلاء الأبناء، بشجاعتهم وبقوتهم تماما كما يردد ذلك الساسة ويروج له الإعلام.

 إذا كان للمرء أن يسلم بمواصفات الرأي العام الأمريكي هاته (وهي كذلك دون شك كبير)، فلن يتسنى له الاستخلاص بأن المراهنة عليه أمر مجانب للحقيقة والإنصاف وغير دقيق وهو، للمفارقة، ما لم يتم الانتباه إليه كثيرا:

 + فالرأي العام بالولايات المتحدة الأمريكية، كما ببريطانيا (كما بالعديد غيرهما من البلدان المتقدمة) لا تحكمه فقط طبيعته الخاصة (النابعة من انتمائه لهذه الدولة أو تلك) ولا فقط اختراق الشبكات الإعلامية لمنظومته في التمثل والتفكير، بل وأيضا (ولربما بالأساس) أوليغارشيات خاصة وخفية توظفه تارة لاعتراض هذا القرار أو ذاك، وتارات عدة لشرعنة ممارسة أو تبرير سلوك أو تزكية تصور على خلفية من العزيمة لترجمته إلى قرار وممارسة.

 بالتالي، فخروج الآلاف من الأمريكيين للتظاهر ضد اعتزام حكومتهم شن عدوان على العراق لم يأت، فيما نعتقد، من خشية ما على الشعب العراقي أو من تخوف على أطفاله ونسائه وآثاره، بقدر ما أتى تخوفا على أبنائهم من قرار الزج بهم في مستنقع لا يمكن التنبؤ بمداه أو ضمان نتائجه وتبعاته.

 + والرأي العام الأمريكي، على هذا الأساس، لم يكن يدفع بقضية بقدر ما كان يعارض قرارا، ولم يكن يتبنى طرحا بقدر ما كان يتعامل مع حالة محددة.

لهذا السبب رأيناه، قبيل العدوان كما طيلة أطواره القصيرة، لا يزايد على حكومته بقدر ما كان يزايد على الجهة/الخصم باعتبار كونها مصدر التهديد.

 لم يكن مستغربا بالتالي، أن يلاحظ المرء أن جانب الرأي العام الأمريكي الذي استهجن العدوان واعتبره "حربا غير مبررة" أضحى فيما بعد (بعد بدء الهجمات الأولى أقصد) يتحدث من منطلق "التحرير" و"تخليص الشعب العراقي" و "التأكد من أن العراق لا يمتلك ذرة من أسلحة الدمار الشامل"...وهكذا.

 وعلى هذا الأساس، فلو تيقن المرء حقا بأن الرأي العام الأمريكي إنما هو بالمحصلة صورة تكاد تكون طبق الأصل لحكومته، فإنه لن يعدم اليقين حتما بأن الرهان عليه هو ضرب من المبالغة والمزايدة  ليس إلا.

 من المؤكد أن ذات الرأي العام قد كان في سياقات أخرى حاسما (سيما في حرب فيتنام حيث العبرة أتت بالاحتكام إلى القتلى الأمريكان لا بعدد الضحايا الفيتنام) لكن دوره، في حالة العدوان على العراق، لم يمسسه التقلص مع بدء العدوان فحسب، بل بلغ التعتيم الممارس عليه درجة اختلطت عليه في خضمها الحقائق على الأرض بالإشاعات بالمبالغات الإعلامية بما سواها .

 في حالة العدوان على العراق المنطلق في العشرين من مارس، لم يكن الخطأ كامنا فيما نتصور، في ضعف القوى المناهضة للعدوان (وفي مقدمتها قوى الرأي العام الأمريكي) ولا كانت ذات القوى غير ذات مفعول يذكر...بل الخطأ الكبير ولربما الخطيئة الأكبر إنما تمثلت في المراهنة على ذات الرأي العام (الأمريكي أعني) وجعله رافدا قويا من روافد مناهضة العدوان على المستوى السياسي والإعلامي أساس.

 وهو أمر ضروري يقول البعض، إذ المطلوب كان ضرورة إسناد ذات الرأي العام سياسيا وإعلاميا من لدن باقي أطراف الرأي العام المتواجدة بمختلف دول العالم.

وهو ما لم يتسن فعله بالعالم العربي مثلا إذ استسهلت منظمات "المجتمع المدني" الاستعراضات بالشوارع ومن على شاشات التلفزيونات، في حين أن المطلوب كان ولا يزال أكثر من ذلك بكثير...

 جريدة العلم، فاتح ماي 2003

Vous pouvez partager ce contenu