Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي: "الدولة مطالبة بالاستثمار في القطاعات الكبرى"

+ بخصوص الوضعية الحالية للاقتصاد المغربي، أزعم أنه باعتراف تقارير المنظمات الدولية (واعتراف تقرير الخمسينية أيضا)، فإن الأزمة هي اللازمة الأساس التي تطبع هذا الاقتصاد وتجعل منه خاصيتها المركزية.

أولا نسبة النمو ضعيفة جدا (حوالي 2،3 بالمائة طيلة العشرية الأخيرة)، وتبقى في طبيعتها محكومة بالظروف المناخية، أي بعطاء القطاع الفلاحي، في حين أن النسيج الصناعي يبقى رهين سوق داخلي محدود للغاية، وأسواق دولية شديدة التنافسية، وسلعها ذات صبيب عال من المعرفة والتكنولوجيا. في حين أن سلعنا هي نسيج أو فوسفاط أو خضراوات أو أسماك، أي لا قيمة اقتصادية لها كبرى في التوزيع العالمي الجديد للعمل.

ثانيا، نلاحظ عطالة مرتفعة تتجاوز ال 20 بالمائة في عمومها، وقد تبلغ مستويات قياسية بالعالم القروي في فترات الجفاف أو بتواضع التساقطات المطرية. بمعنى أن معدلات النمو غير كفيلة بامتصاص القوى الإنتاجية المتوفرة أو الوافدة سنويا على سوق الشغل.

ثالثا، هناك حالة من اشتداد القطبية الجغرافية بين مناطق وجهات يراهن عليها ويدفع إليها بالاستثمارات، ومناطق وجهات أخرى تعيش كما بالماضي حالات من الإقصاء الشديد. بالتالي، تبقى طبيعة التنمية المعتمدة غير دامجة للفضاءات الجغرافية استثمارا وفرص شغل وما سوى ذلك.

من هنا، فسواء عمد المرء إلى الملاحظة المجردة العابرة، أو استحضر المعطيات الإحصائية، فإن وضعية الاقتصاد المغربي، تبقى وضعية هشة للغاية، تطبعها أزمة بنيوية حقيقية، وبعيدة عن أن تخلق التراكم الضروري لإنتاج الثروة وامتصاص اليد العاملة...ولك أن ترى طبيعة الاختيارات الحكومية مؤخرا على القطاعات المضارباتية (من بناء وسياحة وغيرها) في حين أن ذات القطاعات لا تنتج قيمة إضافية إلا مؤقتا.

+ أما عن أهم المعوقات، فيبدو لي أنها متعددة ومتشعبة وتجر معها خيبات الماضي وإكراهات الحاضر. ولعلي لن أبالغ إن قلت إننا لحد الآن، لم نستنبت النموذج الاقتصادي الكفيل بضمان نسب نمو معقولة، وإشراك كل مكونات التراكم والإنتاج. هناك أزمة مشروع دون شك.

أعتقد أن أكبر معيق للتنمية بالمغرب هو تذبذب الاختيارات بشأن المسألة التعليمية. إذ لا نزال نعتبرها مصدر كلفة، في حين أن الدول التي نهضت في العقود الأخيرة، جعلت من المسألة إياها إحدى أولوياتها على مستوى الاستثمار والتكوين وعلى مستوى البحث العلمي.

المعيق الثاني يتمثل، في تصوري، في استمرارية المراهنة على الخارج في إهمال تام للرافد الداخلي الذي من المؤكد أنه الرافد الموضوعي لعملية التنمية. من هنا فالاستمرار في ضرب قدرات الطبقة المتوسطة مثلا هو أكبر خطر على أي مسلسل للتنمية كائنة ما تكن طبيعته.

صحيح أن استهداف هذه الطبقة أذكته اعتبارات سياسية خالصة، لكن الاستمرار في إقصائها من الدورة الاقتصادية من شأنه أن يقوي القطيعة الطبقية التي نلحظها على الأقل منذ سبعينات القرن الماضي.

ثالث معيق يكمن فيما أعتقد، في تداخل السياسي بالاقتصادي من بين ظهراني السوق. بهذه النقطة، أتصور أنه من غير المعقول أن يكون الحاكم (بصرف النظر عن طبيعته) فاعلا بالسوق، لدرجة احتكار العديد من مفاصله أو تحجيم المنافسة التي قد يبديها الوافدون الجدد. ولعل المجموعات الكبرى التي تمتلكها السلطة أو تدعمها مباشرة خير دليل على ذلك.

المعيق الرابع: ارتكاز السياسة الاقتصادية على تصور في الليبرالية يحتكم خطابا على السوق والتنافسية، في حين يعمد عمليا على تلغيمهما بالشكل كما بالمضمون. هذا التصور لم يفرز فقط تقاطبا اجتماعيا عميقا، بل قد يكون من شأنه تقويض السلم الاجتماعي القائم إن هو استمر في مسلكه دونما اعتبار النتائج والتداعيات.

الأخطر في كل ذلك، أن ذات السياسة الاقتصادية باتت منذ مدة مختزلة في مبادرة التنمية البشرية، لدرجة لم يعد المرء معها يدرك طبيعة المرجعية المعتمدة هنا، ولا طبيعة التنمية المرجوة، ولا النقطة التي ستقف عندها للتقييم والتقويم.

+ أما عن دور الدولة، فأتصور أن السائد منذ مدة، إنما تقليص دورها وتهميشه واختزاله في هذه المبادرة الرسمية أو تلك.

صحيح أن الدولة تثوي اليوم خلف بعض المشاريع تصميما أو توجيها (القضاء على دور الصفيح تحديدا)، لكن ذلك لن يكون من شأنه خلق روافد حقيقية في التنمية.

الدولة مطالبة بالاستثمار في القطاعات الكبرى، التي من شأنها خلق بنى الإنتاج الأساسية، في الدفع بالتعليم المرتكز على العلم والتكنولوجيا، وفي المراهنة على المجالات ذات القيمة المضافة المؤكدة...ولنا نموذجا رائعا في الهند التي تصدر سنويا ما يتجاوز العشرين مليار من البرامج المعلوماتية، في الوقت الذي "يحرك" فيه مهندسونا وأطرنا...

* "يحيى اليحياوي لجريدة المشعل: الدولة مطالبة بالاستثمار في القطاعات الكبرى"، جريدة المشعل، العدد 104، 1-7 فبراير 2007.

Vous pouvez partager ce contenu