عندما أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، سيلقي خطابه الأساس، عن تصوره لعلاقات بلاده المستقبلية مع العالم العربي والإسلامي، سيلقيه بإحدى الجامعات المصرية، تصاعدت الأصوات من هنا وهناك، لتنبش في سر ودلالة اختياره مصر لذلك، فتضاربت وتناقضت، لكنها تقاطعت بالمحصلة، لتخلص إلى القول، بأن للاختيار أسبابه ودوافعه ومسوغاته.
فمصر، بصرف النظر عن كونها حليفا استراتيجيا لأمريكا بالمنطقة، ومبرمة لأول معاهدة سلام عربية مع إسرائيل، ومن دول الاعتدال المهمة بالمنطقة، كما من بين ظهراني العالم العربي، هي "الدولة/الأصل" بكل المقاييس، حضارة وتراثا وساكنة وما سوى ذلك. إنها الأساس الذي لا يمكن البناء بدونه، أو بتجاهله، أو بإغفال موقفه ودوره. هذا أمر محسوم، ولا مجال للمكابرة بشأنه كبير، فما بالك بالمزايدة عليه.
وعندما أعلن ذات البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي سيعرج على العربية السعودية، في طريقه لمصر، كثرت الأقاويل وتعددت الاجتهادات، لدرجة ذهاب البعض، لحد الاعتبار بأن ذات التعريج إنما يدخل بباب "تطييب خاطر" دولة هي قلب العالم العربي والإسلامي بدون منازع، إذا لم يكن بقوة التاريخ والحضارة والتموقع الجغرافي، بمنطقة فائقة الأهمية والحساسية، فعلى الأقل من زاوية إيوائها لأقدس بقاع الأرض على الإطلاق، وثويها خلف أقرب الأمكنة إلى نفوس الملايين من عرب ومسلمي العالم.
بهذه الحالة أيضا، تختلف الآراء والاجتهادات، لكنها تتقاطع بالمحصلة حول رأي واحد، مفاده أن العربية السعودية هي حقا وحقيقة، دولة محورية بالمنطقة وبالعالم العربي والإسلامي، شأنها في ذلك شأن مصر، وأن تعريج الرئيس الأمريكي عليها، قبل بلوغ محطته الرسمية المقررة بمصر، إنما يدخل في سياق "وضعها في الصورة"، صورة ما قد يعتمل بخاطر الرئيس الأمريكي، أو ما يعتزم الإفصاح عنه بجامعة القاهرة، أمام الرئيس والوزراء والنواب، قبل الأساتذة والطلبة وعموم الشعب...هناك ببلاد الكنانة.
كنا نتعشم، لدرجة تمنية النفس، بأن ترتكز الكتابات والتعليقات، لا على الجهة الأولى التي سيعتزم باراك أوباما زيارتها، وإلقاء أول خطاب بها موجه للعالم العربي والإسلامي، بل أساسا على مضمون وخلفيات ما سيقول، وما قد يكون لذلك من تداعيات على العرب والمسلمين، في حلهم كما في ترحالهم، كما في حل ما استعصي من قضاياهم على الحل، وأولاها دون شك قضية فلسطين.
وكنا نتطلع لدرجة التمني، أن يعمد إلى الاستعداد من لدن هذه الجهة كما من لدن تلك، إلى استشراف ما سيتم الإعلان عنه من "خطة طريق" من لدن أوباما، لتطويعها، أو مواجهتها، أو التصدي لها، إن سارت عناصرها الكبرى على هدى من سبقه من رؤساء.
ليست الاجتهادات من هذا القبيل مذمومة في حد ذاتها، فهي لربما لا تنتبه كثيرا للمقاصد، بقدر تحويمها واهتمامها بالسبب والمسبب، إذا لم يكن من باب فهم السلوك، فعلى الأقل من زاوية فهم الدوافع والخلفيات...ولزيارة أوباما للسعودية، قبل حلوله ضيفا على مصر، دوافع وخلفيات، قد لا يستطيع المرء من طينتنا سبر أغوارها، ولا فهم السر الحقيقي الدفين من بين أضلعها.
ما الذي من المحتمل أن يقوله الرئيس الأمريكي من بين ردهات جامعة القاهرة، دع عنك السر في اختياره للجامعة دون سواها، أعني دون مجلس الشعب مثلا أو مجلس الشورى، أو بعض ردهات الأزهر، أو ما سواهم جميعا؟
لن يخرج باراك أوباما بالقطع كثيرا عن الخطوط الكبرى التي اعتمدتها الإدارات الأمريكية، منذ زمن ليس بالبعيد، مع العالم العربي والإسلامي، فهو بكل الأحوال رئيس دولة أساسها المؤسسات، وبالتالي فليس من صلاحياته لوحده، أن يقرر ما يقول، أو يقول ما يضمر، حتى وإن اعتمل ذلك في قرارة نفسه:
+ سيقول الرئيس الأمريكي بأن بلاده تتطلع لبناء علاقات جديدة، "مبنية على الاحترام المتبادل، وعلى المصلحة المشتركة"، مع العالم العربي والإسلامي... وسيقول بأن "الخشونة" المبالغ فيها، التي انتهجها الرئيس السابق، كانت مبررة في جزء منها، لكنها لم تعد ذات جدوى كبيرة اليوم، لأنها أضرت بصورة أمريكا، وأدخلتها في "مستنقعات"، عرفت بداياتها، لكنها بات بمرور الزمن، مجهولة الأفق والنهايات، غير مضمونة النتائج.
إن الأمريكان، سيقول حتما الرئيس الأمريكي، ليسوا ضد العرب ولا ضد المسلمين، فما بالك بالإسلام، بقدر ما هم ضد فصيلة من هؤلاء، ترفع لواء التطرف والعنف والإرهاب، بوجه دولها، كما بوجه ما سواها من دول، وإحداها بالتجربة التاريخية، الولايات المتحدة الأمريكية.
+ وسيقول حتما، بخصوص الصراع العربي/الإسرائيلي، بأنه بالقلب والقالب، مع حل الدولتين، وإنه مع ضرورة وقف إسرائيل لبناء وتوسعة المستوطنات، وإنه مع استنكاف حماس عن "العمليات الإرهابية" التي تقوم بها، ومع اعترافها بإسرائيل، ومع أن تستأنف المحادثات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية على "أسس جديدة"، تعيد النظر لحد إسقاط حق العودة، تضمن لإسرائيل خاصيتها اليهودية الصرفة، ويترك ما سوى ذلك (والقدس ضمنها) للزمن، هو لوحده القادر على تولي أمرها، وتحديد مآلاتها.
+ وسيقول، في سياق كل ذلك، بأن على العرب والمسلمين أن "يسارعوا" للتطبيع مع إسرائيل ك"إشارة حسن نية"، وأن يدركوا أن "الخطر الأكبر" لا يتأتى من إسرائيل، بقدر ما يتأتى من إيران المستقوية بمشروعها النووي، والمهددة بالآماد المتوسطة والبعيدة، لأمن إسرائيل، كما لأمن عرب الشرق الأوسط على حد سواء.
سيقول دون شك، تماما كما تقول إسرائيل، بأن إيران النووية ستتغول على المنطقة، ستبتزها، وستعمل على نشر معتقداتها تدريجيا، إذا لم يكن بالقوة الخشنة، فبالتأكيد بشتى ضروب القوة الناعمة، التي لن تتردد في ركوب ناصيتها، عندما تتقوى ويشتد عودها.
قد يقول ذلك، وقد يزيد عليه أو ينقص، لكنه لن يذهب بالقطع لحد الاعتذار عما صدر من الولايات المتحدة في حق العرب والمسلمين، بالعراق كما بأفغانستان، أيام كان جورج بوش الإبن هائجا كالثور، يضرب من أمامه كما من خلفه، ناهيك عن تهديده ووعيده لمن يخرج عن الطاعة.
ولن يعاتب إسرائيل عما ارتكبته من فظاعات في عهد الرئيس السابق، حتى وقد انتهت ولايته، ولم يعد له من حق في اتخاد القرارات الاستراتيجية الكبرى. سيقول عوض ذلك، بأن المبادرة العربية للسلام صالحة كنقطة بدء، لكنه سيلمح إلى ضرورة مراجعة بعض مفاصلها، بخصوص التطبيع وحق العودة والقدس والمستوطنات وما سواها.
سيدفع الرئيس الأمريكي بإزاء القضية الفلسطينية، بحل الدولتين، وسيعد بأنه سيضغط بهذا الاتجاه على حكومة إسرائيل الحالية، ولكأن الذي كان قائما، ولم يكن ينتظر إلا الأجرأة، قد بات اليوم بحد ذاته مطلبا، يجب التفاوض بشأنه من جديد.
إن لب مشكلة العرب والمسلمين، مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل، أنه في الوقت الذي يخال للأولين أنهم يتحركوا، لا يعدو كونه مراوحة للمكان، لنفس المكان. فعندما تكون الإدارة الأمريكية متعاطفة معهم، يفرز الإسرائيليون حكومة لا تقبل بالمعروض عليهم من لدن الأمريكان كما من لدن العرب والمسلمين. وعندما تجنح بعض حكومات إسرائيل للسلام، وإن بالخطاب، مجرد الخطاب المبهم، تكون الإدارة الأمريكية بجانبها، فتنتهز الفرص للتردد في القبول بالمعروض...وهكذا دواليك.
إن أقصى ما نتصور أن يذهب أوباما إلى قوله بمصر، إنما تذكيره العرب والمسلمين بأن وجود إسرائيل وأمنها هو القاعدة، وأن ما يمكن تحصيله من لدنهم وفق هذه البديهية، يجب أن يدخل بصلب المتاح، لا بصلب هذا التمني أو ذاك...حتى وإن كان ذات التمني مبررا أخلاقيا، أو مثبتا بلغة التاريخ.
* "عن المأمول من زيارة أوباما لمصر"، شبكة الرافدين، 3 يونيو 2009. التحالف الوطني العراقي، 4 يونيو 2009. التجديد العربي، 4 يونيو 2009.