Aller au contenu principal

"في التحدي التكنولوجي للتنمية بالمغرب"

news-details

 أولا، أشكر الإخوة المنظمين على دعوتهم الكريمة لي كي أتحدث في موضوع أزعم أنه نوعي في حد ذاته قياسا إلى ما يروج في العديد من الندوات والملتقيات وغيرها.

وأزعم أيضا أن إحدى أكبر التحولات والتحديات النوعية المطروحة (والتي ستطرح طيلة الألفية الثالثة) على الاقتصاد المغربي (أنا أتحفظ على وطني) هو التحدي التكنولوجي.

لهذا الاعتبار ولغيره، سأبدأ هذه المداخلة عن "التحدي التكنولوجي للتنمية بالمغرب" بملاحظتين اثنتين أعتقد أنهما أساسيتان لفهم السياق العام الذي سيعمل فيه الاقتصاد المغربي:

- الملاحظة الأولى هو أن معظم الاقتصاديات "الوطنية" (المتقدمة منها على وجه الخصوص) أصبحت تتجه تدريجيا وبوثيرة متسارعة باتجاه اقتصاد معرفي ركيزته الأساسية تكمن في شبكات الإعلام والاتصال (صناعة ومحتويات) والتنظيم المرتكز على المعلومات والقيمة الكبرى المعطاة لمؤسسات البحث العلمي والإبداع والابتكار التكنولوجي.

الشركات العالمية الثلاثمائة الأولى تصرف ما بين 5 بالمائة إلى 35 بالمائة من قيمة مبيعاتها للبحث والتطوير، ومنها ما يخصص معظم رقم معاملاته للبحث والتنمية ليس حبا في البحث ولا في التكنولوجيا، ولكن وبالأساس درءا للمنافسة وضمانا لسبل البقاء...

- الملاحظة الثانية هو أن كل دول العالم (أو لنقل معظمها) قد أصبحت منذ حوالي عقدين من الزمن تعتمد المنظومة الليبرالية والحرية الاقتصادية كمحدد مركزي من محددات السياسة الاقتصادية والاجتماعية. والدليل على ذلك أن كل دول العالم اعتمدت (أو هي في طريقها إلى ذلك) اقتصاد السوق (فكرا وممارسة) كإطار لإنتاج الثروة وتنظيم علاقات المقاولات والأفراد والجماعات.

وهو ما نلاحظه جليا من خلال عمليات تحرير الأسواق وإعادة تقنين التشريعات ومسلسلات خوصصة ملكية القطاع العام وما إلى ذلك.

هناك إذن تحول جذري في طبيعة هذا الاقتصاد المتشكل الذي يطلق عليه " الاقتصاد الجديد"، وهناك أيضا تحول جذري في أنماط وطرق إنتاج السلع والخدمات والمعرفة.

ماذا نلاحظ بالمغرب على ضوء هاتين الملاحظتين؟

نلاحظ، على مستوى الخطاب الرسمي، " وعيا" بهذه التحولات العالمية، لكننا لا نلاحظ ترجمة لهذا الوعي على مستوى الاختيارات، اختيارات السياسة الاقتصادية:

- أولا، لا زال الاقتصاد المغربي " يستورد" التكنولوجيا كتقنيات وليس كمعارف، " يستورد" التقنية فارغة من المضامين المعرفية أو ذات مضامين تفوق حاجاته أو إن تناسبت وحاجاته فهي لا تستخدم إلا بنسب ضئيلة جراء القطيعة الكبرى بين الذهنيات المحلية وقوة هذه التكنولوجيا المعرفية والعلمية.

- ثانيا، الاقتصاد المغربي لا يزال محكوما بمنطق " لنقتني التقنية (أو التكنولوجيا) ونرى بعد ذلك كيف نستخدمها"  في حين أن العكس هو الذي يجب أن يكون، أي تحديد طبيعة التنمية الاقتصادية المرجوة أولا وتقرير ما يجب اقتناؤه لخدمتها بعد ذلك. بالتالي فسيبقى التحدي التكنولوجي للتنمية بالمغرب قائما طالما بقيت ذهنيات القائمين على الشأن العام محكومة بهذين الأمرين.

ماذا أعني بالتحدي التكنولوجي للتنمية احتكاما إلى ما سبق من حديث وأنا سأتحدث هنا انطلاقا من نموذج تكنولوجيا الإعلام والاتصال دون غيره؟

أعني، باختصار شديد، أن الاختيارات القائمة منذ أربعين سنة لم تفرز لا وصولا كاملا لهذه التكنولوجيا تقنيات ومعارف ولا تملكا لذات التكنولوجيا ولا قاعدة أو بنية تحتية تمكن من إنتاجها أو إنتاج جزء منها على الأقل وفق ما تسمح به سياسات التخصصات القائمة عالميا.

هذه أمور أساسية أعتقد أنه من الضروري استحضارها لفهم السياق العام.

لو كان لي، باختصار شديد مرة أخرى، أن أحاول تلمس مكامن وأبعاد هذا التحدي التكنولوجي على التنمية بالمغرب لتوقفت عند أربعة منها أعتقد أنها كافية لتبيان كم ستبقى التنمية "عصية" طالما لم تتمثل بعمق حجم البعد التكنولوجي:

- التحدي الأول هو تحدي الاختيارات القائمة على المستوى الفضائي أو على مستوى ما يسمى رسميا بإعداد التراب الوطني. ما معنى هذا؟ معناه أن التكنولوجيا عموما، وتكنولوجيا الإعلام والاتصال بالخصوص، لا تساعد فقط على إعادة انتشار المقاولات والاستثمارات ومؤسسات البحث العلمي وغيرها وبالتالي تدفع بعملية التنمية المحلية، بل أيضا وبالأساس لأنها تخلق فرصا لاستقطاب رسا ميل لن يكون بمستطاعها التنقل إذا لم تضمن لها سبل الاتصال والتواصل.

ماذا نلاحظ بالمغرب؟

+ نلاحظ أن أكثر من 50 بالمائة من معدات وأدوات وأجهزة الاتصالات والمعلوميات متمركزة في المحور بين الدار البيضاء والقنيطرة. هذا أمر أول أساسي: تمركز "التنمية" وبنى التنمية التكنولوجية.

+ نلاحظ أن بعض الجهات لا تتوفر على مطبعة واحدة لسحب جريدة أو إصدار ملصق كما هو الحال بالنسبة للجهة الشرقية مثلا. بالتالي فطالما أن تكنولوجيا الإعلام والاتصال لم تساهم في عملية توازن الجهات ومستويات التنمية بين المناطق فإن الاقتصاد المغربي سيبقى متكأ على جهة دون أخرى وعلى محور دون آخر، وسيبقى التحدي الفضائي أو الجغرافي (الناتج عن سوء توزيع الأعتدة التكنولوجية) مطروحا بحدة.

- التحدي الثاني هو تحدي اقتصادي ومفاده أن المقاولات في المغرب لا ترى في التكنولوجيا (تكنولوجيا الإعلام والاتصال بالأساس) وفي البحث العلمي إلا ضربا من ضروب التكلفة التي يجب خفضها والسيطرة على مستواها.

فحسب دراسة لوزارة الصناعة والتجارة والتجارة التقليدية فإن 45 بالمائة من المقاولات الصناعية تعتبر أن سبب عدم إقامة شبكة محلية لديها مرده التكلفة، مقابل 47 بالمائة  رأت في ذلك مسألة أولوية و 11 بالمائة قدمت أسبابا أخرى.

نفس الشيء بالنسبة للشبكة عن بعد ونفس الشيء بالنسبة للارتباط بالانترنيت: التكلفة أولا ثم الأولوية ثم الأسباب الأخرى.

الملاحظ هو أن ما يسمى "الأولوية" هو في المرتبة الأولى: في الانترنيت 52 بالمائة بالنسبة للأولوية مقابل 39 بالمائة بالنسبة للتكلفة.

هذا تصور خاطئ لأنه أولا ينفي بعد الأولوية عن تكنولوجيا الإعلام والاتصال الجديدة، وثانيا لأن الدراسات المتوفرة بينت بجلاء أن هذه التكنولوجيا قد تكون مكلفة في إقامتها لكن سرعان ما تتحول إلى ميزة وعنصر لتخفيض كلفة الإنتاج في المحصلة النهائية وهو ما يمكن ملاحظته مع التجارة الإلكترونية والحصول على عقود عن بعد وغيرها.

- التحدي الثالث هو تحدي ذو طبيعة مؤسساتية وتشريعية لايطال الحاضر فحسب بل يطال أيضا المستقبل، مستقبل الاقتصاد المغربي وأعني مسلسل خوصصة القطاعات التكنولوجية الاستراتيجية بالبلاد.

أنا من المناهضين للخوصصة ليس فقط من الناحية المبدئية ولكن أيضا وبالأساس لسببين:

1- لأننا لا نتوفر على قطاع خاص يدرك أهمية مفهوم القطاع الاستراتيجي وما يجره من ورائه من مبدأ المصلحة العامة والخدمة العمومية وغيرها.

2- ولأننا نرهن قطاعاتنا الاستراتيجية الكبرى (الشبكية بالأساس) لشركات ولدول لا يمكن أن نضمن سلوكها المستقبلي ولا طبيعة تحالفاتها. بالتالي فالأمر خطير حتى من الناحية العملية: سيطرة شركة فرنسية على قطاع الاتصالات بالمغرب يعني أن لا خيار لك إلا ما تقدم فرنسا من أجهزة وأعتدة وبرامج.

أي أن حتى نسبة "الاستقلالية" التي كانت تمكننا من اللجوء إلى السوق الدولي لاقتناء أجهزة الاتصالات (والمعلوميات أيضا ولربما حتى السمعي-البصري) أصبحت محرمة علينا بطريقة أو بأخرى.

وهو تحدي كبير أيضا لأن الخوصصة لم تخلق بؤس العمال عبر تسريحهم فحسب بل أيضا بؤس التلاعب بالمرفق العام و" بؤس الإيديولوجيا" المترتبة على ذلك من قبيل الرأسمالية الجماهيرية والمقاولة المواطنة وغيرها، وهي سياسات نيوليبيرالية لا علاقة لها بالجماهيري والمواطناتي.

- التحدي الرابع والأخير هو تحدي ثقافي كي لا أقول ذو طبيعة ذهنية ويرتبط بالكفاءات التي يفرزها المجتمع المغربي ولا قابلية أو قدرة للاقتصاد المغربي على استيعابها أو هضمها والتي إما تقصى (وظائف بدائية) أو تهاجر.

أنا لا أتحدث هنا فحسب عن لوبيات المصالح التي عاثت في البلاد فسادا منذ أربعين سنة حكاما وجزءا من محكومين، ولكني أتحدث أيضا عن آلاف الأدمغة في المعلوميات والاتصالات والشبكات والبرامج والبرمجيات وغيرها كثير والتي هاجرت جراء عجز "نموذج" التنمية على استيعابها وضمان الحرية والعيش لها.

هذا تحدي كبير وخطير:

 + وزير البريد (وكل الحكومة) يتحدث عن دخول مجتمع الإعلام والمعرفة في حين أن ركائزها تهاجر أو تقصى.

+ القطاعات الممكنة لذلك (أعني الاتصالات) رهنت للخارج منذ مدة.

+ وكل ذلك لأن نموذج التنمية المعتمد فشل ولم يتم الاعتراف بذلك.

هذه تحديات كبرى قدمتها باختصار هنا لتبيان مدى تأثير البعد التكنولوجي في التنمية أو لإيضاح العمق التنموي للتكنولوجيا بالنسبة للاقتصاد المغربي: فشل نموذج في التنمية (في التخلف يقول البعض) لم يستطع لا التحكم في عملية "استيراد" التكنولوجيا ولا تملكها ولا خلق قاعدة لاستقبالها ولا إنشاء بنية لإنتاجها.

هذا إشكال مركب يصعب الحديث في إطاره عن البديل. ومع ذلك نتساءل: ما البديل؟

+ أولا يجب الاعتراف بفشل نموذج التنمية المعتمد لحد الآن في شموليته (فقر مدقع، فوارق كارثية، ترتيب عالمي مخجل، رشوة، زبونية، بيروقراطية، لوبيات، أطفال شوارع، هجرة أدمغة، هجرة في قوارب الموت...)، هذا إفراز أربعين سنة من السياسة الاقتصادية (من السياسة) المتبعة.

يجب الاعتراف بأن الفقر والتفقير والتجويع والتشريد كان سياسة قبلية ولم يكن نتاجا بعديا وهذا يتطلب شجاعة سياسية.

+ ثانيا، بعد الاعتراف، يجب تحديد الرؤية أو على الأقل سقف الرؤية: تحديد الرؤية يمكنك من القيادة ويمكنك من التجاوز تماما كرخصة السياقة: عدم الرؤية لا يسهل لك السياقة ولا يمكنك من التجاوز.

هذا هو مشكل التنمية عندنا، إنها تفتقر إلى الرؤية.

أتمنى أن تتوفر لنا الرؤية لا لتجاوز الآخرين ولكن على الأقل لمعرفة سبل سلك الطريق السليم.

 

مداخلة بندوة "أية تحولات نوعية مطروحة على الاقتصاد المغربي؟"، لجنة الدراسات والتوثيق لمنظمة العمل الديموقراطي الشعبي/ جريدة العمل الديموقراطي، الدار البيضاء، 14 أبريل 2001. أنظر تغطية الندوة بجريدة العمل الديموقراطي، 28 أبريل-4 ماي 2001.

* "في التحدي التكنولوجي للتنمية بالمغرب"،- مداخلة بالندوة الاقتصادية "أية تحولات نوعية مطروحة على الاقتصاد المغربي؟"، لجنة التكوين والدراسات والتوثيق لمنظمة العمل الديموقراطي الشعبي/ جريدة العمل الديموقراطي، الدار البيضاء، 14 أبريل 2001. جريدة العمل الديموقراطي، 28- 4 ماي 2001.

 

Vous pouvez partager ce contenu