Aller au contenu principal

"أي نظام إعلامي عالمي بعد 11 شتنبر؟"

news-details

1- لو كان لنا أن نسلم، جدلا، بعزم الولايات المتحدة على إقامة نظام عالمي جديد (أو إحياء منظومته المتراجعة منذ انتهاء حرب الخليج الثانية) لسلمنا، دونما اجتهاد كبير، بإمكانية قيام نظام إعلامي عالمي يكون له الركيزة والوعاء.

والواقع أنه لو كانت النية قائمة لدى الولايات المتحدة (وهي قائمة بالتأكيد منذ ما تعرضت له هيبتها وكبرياؤها من تجريح يوم الحادي عشر من شتنبر)، لو كانت النية قائمة لديها على إقامة نظام جديد، فإنه لن يمهد لتصريفها إلا اعتماد نظام إعلامي يقيم لها البنية التحتية الضرورية ويؤثث لها الهيكلة والشكل.

 ليس النظام الإعلامي الذي نتحدث فيه هنا (أعني المزمع إقامته مستقبلا) شبيها، في المظهر أو في الجوهر، عن ذاك الذي نادت به منظمة اليونسكو أواخر سبعينات القرن الماضي، وأدى الإلحاح في اعتماده إلى انسحاب الولايات المتحدة وبريطانيا من المنظمة إياها.

 هو نظام سيقوم على النقيض منه... وسينبني، دون شك، على الدفوعات الفلسفية والمبدئية ذاتها التي دفعت بها الولايات المتحدة إبان مناقشة اليونسكو للنظام العالمي الجديد للإعلام والاتصال نهاية عقد السبعينات من القرن العشرين، ولم تتمكن (أعني الولايات المتحدة) من فرضها أو تمريرها.

 وبقدر ما كانت الإكراهات حينها موضوعية انحسر بموجبها المشروع برمته، فإن ذات الإكراهات لم تزدد، بعد مرور عقدين من الزمن، إلا " موضوعية" وضغطا:

 - فالثورة التكنولوجية، في ميدان المعلومات والإعلام والاتصال، لم تزد وضعية اللاتوازن بين الشمال والجنوب إلا تعمقا وتجدرا لا فقط فيما يخص التقنيات والأعتدة بل وأيضا فيما يتعلق بالمضامين والمحتويات.

- و"ثورة" العولمة لم تساهم فقط في تعميق وضعية اللاتوازن الملاحظة هنا بقوة، بل "شرعنت" لها ومأسست... بعد ما تم لها "انتصار الليبرالية" وانقراض الاتحاد السوفيتي وتقلص حجم دول العالم الثالث كمنظومة ضغط منظمة.

- وبروز أحداث في العلاقات الدولية كبرى (كحرب الخليج الثانية وانفجارات 11 شتنبر بنيويورك وواشنطن) لم تعد معها مبادئ مشروع اليونسكو إلا ضربا من ضروب الشعارات ومادة للأدبيات ليس إلا.

 2- قد يكون من قبيل المجازفة البحتة الحديث في نظامين (النظام العالمي الجديد والنظام الإعلامي العالمي) لم تبرز منهما، لحد الساحة، إلا بعض الإرهاصات والمفارقات الكبرى، لكنها لا تمنع قطعا الاجتهاد لاستنباط التصور العميق الثاوي خلفها أو من بين سطورها كما يقال.

 هناك، فيما نتصور، ثلاث حقائق أساسية هي إلى المفارقات أقرب منها إلى الإرهاصات:

 + الحقيقة الأولى وتكمن في المفهوم الملتبس الذي ما فتئت الولايات المتحدة تدفع به كلما تعلق الأمر بتيارات التدفقات الإعلامية بين ما يمكن تسميه هنا تجاوزا بالشمال والجنوب.

فالولايات المتحدة، في فلسفتها كما في مرجعيتها، آمنت ولا تزال تؤمن أشك ما يكون الإيمان، بحرية التدفقات إياها ومركزية الانسياب الحر للمعلومات والمضامين دونما عوائق أو حدود.

 هو نفس الموقف الذي على أساس ما لقيه من رفض واعتراض جعل الولايات المتحدة تنسحب من اليونسكو وتكرسه لأكثر من عقدين بطريقتها.

لا تكمن المفارقة هنا في عدم نجاح الولايات المتحدة في تمرير ذات الموقف ولا في إصرارها على اعتماده، بل في التهميش الذي طاله من لدن الولايات المتحدة نفسها عقب حرب الخليج الثانية وبالأساس في خضم الانفجارات التي تعرضت لها في الحادي عشر من شتنبر وما استتبعها من أحداث.

 لم يعد الانسياب الحر للمعلومات ولا الحق في الإعلام والمعرفة ولا البلوغ المتساوي لمصادر الخبر ولا غيرها، لم يعد لها من كبير اعتبار لدى الولايات المتحدة بعد ما تعرضت له من تفجيرات.

فالتعتيم كان ولا يزال على أشده، وسبل بلوغ مصادر الخبر متعذرة والحق في الإعلام والمعرفة مداسا وسياسات ارتهان وسائل الإعلام لتبني "الحملة على الإرهاب" شاملة وممنهجة.

 بالتالي، فلم يعد من قيمة تذكر هنا لمبدأ "التدفقات الإعلامية" الحرة (التي كانت الولايات المتحدة تعتبره عصب الرحى لبناء أي نظام إعلامي عالمي)، و لا لمبدأ "وصول المواطنين إلى مصادر الخبر دونما تمييز أو محدودية" ولا لأطروحة "انسياب المعلومات" دونما تدخل للدولة يذكر ولا لغيرها من المبادئ.

 + الحقيقة الثانية وتتمثل في "المستقبل المبهم" (بعد الأحداث إياها) لأطروحة "المجتمع الإعلامي العالمي" والتي ما فتئت الإدارة الأمريكية تراهن على كونها ستكون أحد الرهانات الكبرى للقرن الحادي والعشرين.

 لا يتعلق الأمر هنا بعزم الولايات المتحدة على تغطية الكرة الأرضية بشبكات من الأقمار الصناعية ذات الوظيفة الاتصالية والسمعية/البصرية والمعلوماتية (بهدف تمكين سكان "القرية الكوكبية" من بلوغ مصادر المعلومات والمعرفة)، ولا بنيتها ربط مجمل دول العالم بشبكات افتراضية (تمكن التعلم عن بعد والتطبيب عن بعد والتخاطب بالصوت والصورة عن بعد وغيرها)، بل وأيضا تصميمها على جعل أدوات الثورة التكنولوجية هاته عامل تواصل بين الشعوب وحوار بين الثقافات ووسيلة " للعيش الحميمي" داخل القرية إياها.

 لن يبقى لمواصفات "المجتمع الإعلامي العالمي" هذا من كبير أثر بعد ما تعرضت له أمريكا من أحداث وما استتبع ذلك من ممارسات:

 °°- فالقنوات التلفزية (الفضائي منها والأرضي) لم تمرر  (ولن تمرر بعد هذا التاريخ) من أخبار وتحليلات إلا ما أرادته الإدارة الأمريكية وارتضته...بالتالي فارتهان حرية الممارسة الإعلامية من لدن المؤسسة العسكرية والتضييق على الحق في الإخبار الحر والمستقل أصبحتا القاعدة والسمة المركزية في السلوك الرسمي الأمريكي لا الاستثناء، ناهيك عن الرقابة الذاتية التي لا تعدو، نهاية المطاف، كونها استسلاما من طرف المؤسسة الإعلامية.

 °°- والبريد الإلكتروني (كما المواقع على شبكة الإنترنيت) كما المكالمات الهاتفية والمواقع المموسطة إعلاميا، أصبحت هدف مؤسسات الاستخبار والتحقيقات والأمن العسكري، تماما كما اخترقت حقوق الأفراد والجماعات في التعبير الحر عبر الصحافة المكتوبة والتفكير المستقل داخل المنظمات والمؤسسات الرسمية.

 نحن إذن كما بالحالة السابقة، بإزاء تنكر صارخ من لدن الإدارة الأمريكية (ومن لدن غيرها من باقي الدول الغربية) لمبادئ لم تتجرأ الإدارة إياها ولا الدول تلك يوما على المساس بها أو الطعن في استقلاليتها...

 + الحقيقة الثالثة وتكمن بالأساس في الإحياء المؤكد لمنظومة الحرب الإعلامية التي لطالما اعتمدتها الإدارة الأمريكية في حربها الباردة مع المعسكر الشرقي وتراجعت، إلى حد بعيد، بعد تمزق المعسكر إياه وارتهان الولايات المتحدة لتوجهاته المستقبلية.

 لا يتعلق الأمر هنا فقط بحرب من طبيعة الحروب النفسية التي غالبا ما اعتمدتها الولايات المتحدة زمن السلم كما زمن "الحرب"، ولكن أيضا بحرب سيميائية لا يقل مفعولها، في التصور الأمريكي، عن الحرب المباشرة.

 وعلى هذا الأساس، فلم (ولن) يكن مسموحا به القول مثلا بأن العمل لم يكن "عملا إرهابيا" ولا ترويج أن الحملة ذات أهداف أخرى غير هدف "استئصال الإرهاب من جذوره" و لا الاعتقاد بأن ما جرى ويجري ليس ضد دولة "الرفاه والحرية والديموقراطية" ولا التصور بأن الانفجارات كانت رد فعل على سياسات محددة ولا غيرها.

 لم يكن لنجاح الحرب السيميائية هاته من مواز إلا النجاح الذي لقيته مصطلحاتها في وسائل الإعلام العالمية (بما فيها وسائل إعلام دول العالم الثالث) وفي الفضاء العام أيضا، لا بحكم قوتها ورمزيتها الكبيرة فحسب، بل لأنها استوظفت في ذلك الآلة الإعلامية الأمريكية التي استنفرت مقراتها واستوديوهاتها للعمل على تركيزها في المخيال العام.

 3- كيف إذن لدولة استباحت أقدس مبادئها (مبدأ الحرية) وأفرغت مشروعها للقرن الحادي والعشرين (مشروع "المجتمع الإعلامي العالمي") من مضمونه الأصلي (المبني على التعاون وتكافؤ الفرص وخلق سبل التواصل والحوار) وأحيت طقوس حروب إعلامية شرسة اعتقد العديد أنها انتهت بانتهاء الحرب الباردة، كيف لهذه الدولة أن تقيم نظاما إعلاميا عالميا وتؤتمن على أن يكون أفقا لنظام عالمي جديد؟

كيف لها ذلك وهي التي تنكرت لمبادئ وأهداف كانت المدافع المستميت عنها إلى حين نهاية القرن الماضي؟

 قد لا يبدو الأمر عصيا على الفهم والتفسير، فالولايات المتحدة كرست بامتياز، منذ تقويض الأمبراطورية السوفياتية، لنظام القطب الواحد، وأعلنت منفردة في أعقاب حرب الخليج الثانية، عزمها على  إقامة نظام عالمي جديد، واستفردت دونما ردود فعل كبيرة تذكر ب"رعاية" أكثر القضايا العالمية تعقيدا (بفلسطين كما بالعراق كما بكوسوفو كما بغيرها).

 بالتالي، فإذا لم تتكفل (وهي القوة الأولى عسكريا وتكنولوجيا واقتصاديا) بوضع أسس هذا النظام، فمن يا ترى من شأنه أن يقوم مقامها أو من القوة ما يجعله قادرا على ذلك؟

وإذا لم يقم النظام الإعلامي العالمي "المنتظر" من داخل قوة تتحكم في وسائله التكنولوجية ومضامينه المعلوماتية وبرامجه التلفزية والسينمائية وغيرها، فمن داخل أي جهة في العالم يمكنه يا ترى القيام؟

 هو استفهام أقرب إلى البديهة منه إلى التحليل، لكنه أقرب أيضا إلى واقع الحال (في الزمن المنظور) منه إلى الواقع المراد قيامه.

 4- لن يكون النظام المزمع إقامته (أو من المفروض أن يقوم) نظاما بالمعنى المنظومي للكلمة،  بقدر ما سيكون صورة طبق الأصل (أو تكاد) لما ساد ولا يزال سائدا إلى اليوم:

 + سيكون، دون شك، (كما كان ولا يزال) لامتوازن البنية وغير مهيكل الشكل... إذ من المرجح أن يبقى سريان الخبر، في خضمه، عموديا وانسياب المعلومات بداخله هرميا.

 + وسيكون بالتأكيد غير منصف كما كان ولا يزال، إذ لن تزداد وتيرة التعتيم بداخله إلا اشتدادا ولن تعرف سبل التحريض من بين ظهرانيه إلا استقواء (بشأن "الإرهاب" حالا كما بشأن غيره استقبالا).

 + وسيكون، دون التباس، غير عادل كما كان عليه الحال في الماضي ولا يزال، إذ لن يكون في إطاره من وسيلة لباقي الدول (سيما دول العالم الثالث) كي تبلغه أو تبلغ رسالتها عبره أو تبرز صورتها من خلاله.

 + وسيكون، فضلا عن ذلك، مرتكزا حول احتكار التكنولوجيا المتقدمة ومعارفها...إذ ستزداد بموجبه "الهوة الرقمية" بين من يملكون ومن لا يملكون، بين من يعرفون ومن لا معرفة لهم لا بين الدول فحسب، بل أيضا داخل الدولة الواحدة (أو القارة الواحدة كما هو شأن إفريقيا ودول آسيا وغيرها).

 5- هل من المفروض (من الوارد أعني) أن يفرز النظام الإعلامي العالمي (حال مأسسته وتكريسه على أرض الواقع) هل من شأنه أن يفرز أنظمة إعلامية جهوية لا كرافد من روافده (ما دام مكمن ضيم وتجبر) بل وبالأساس للعمل على كبح جماحه والحؤول دون مخاطره؟

 لن يكون من بد، في ذلك، فيما نعتقد، بالنسبة للعالم العربي والإسلامي على الأقل، إذ هو الذي من المحتمل (من المؤكد يقول البعض) أن يكون مادة النظام إياه وفضاءه:

فهو المستهدف حالا من "الحملة على الإرهاب" لا كأفراد ومنظمات فحسب بل وكذلك كدول وشعوب. وهو المستهدف الأول من الحملة إياها، عبر اختزال العروبة والإسلام بداخله وربطهما ب "الإرهاب" وباستهداف "دولة الرفاه والحرية والديموقراطية وقيم الأخلاق الليبرالية". وهو المستهدفة صورته تشويها وتحريفا وتجريحا مباشر.

 بالتالي فليس للعالم العربي والإسلامي من بد في إقامة نظام إعلامي بداخله، ليس فقط كردة فعل على سلوك النظام العالمي، بل وبالأساس كفعل فيه مباشر يستهدف تحسين صورة العرب والمسلمين بالعالم ويتغيأ تقديم الإسلام كما هو لا كما يريد له الغرب والصهيونية أن يكون.

 ليس الطرح أعلاه إملاء عاطفيا ولا ضربا من ضروب المزايدة الكلامية (كما كان الشأن في الأدبيات الرائجة قبل أحداث الحادي عشر من شتنبر) بل هو طرح موضوعي ستزداد حدته بازدياد حدة التضييق على الإسلام والعرب والمسلمين.

 لسائل يتساءل: وما السبيل إلى إقامة نظام من هذا القبيل في غياب الحد الأدنى من التنسيق العام في ذلك بين الدول العربية والإسلامية؟ أليس من المفروض أن يكون التنسيق شاملا كي لا يصبح التنسيق الإعلامي بمقتضاه عصيا؟

 وهو تساؤل صائب إذ لا سبيل إلى ذلك إلا بإقامة نظام عربي وإسلامي جديد، ليس فقط كرغبة ذاتية ونفسية للشعوب العربية والإسلامية بل أيضا لمواجهة التحدي الذي سترفعه الولايات المتحدة وإسرائيل (والغرب بوجه عام) على العرب والمسلمين ومن خلالهم العروبة والإسلام.

* "أي نظام إعلامي عالمي بعد 11 شتنبر؟"، جريدة العمل الديموقراطي، 2-8 ماي 2002.

Vous pouvez partager ce contenu