عندما أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية، بالأسابيع الماضية من هذا الشهر، شهر أبريل من العام 2009، أن بلادها "لن تتعامل مع أية حكومة فلسطينية تضم حركة حماس، ما لم تلتزم هذه الحركة بالشروط الدولية الأساسية، وهي نبذ العنف، والاعتراف بإسرائيل، والوفاء بالالتزامات السابقة للسلطة الفلسطينية"، عندما أعلنت ذلك، تأكد لنا بالواضح الملموس، وبعد طول ترقب وانتظار، توجه السياسة الأمريكية "الجديدة"، ومسار النهج الذي ستسير عليه، طيلة الأربع سنوات القادمة، ولربما أكثر.
لم تكن تنتابنا ذرة شك، في أن الموقف الأمريكي سينتهي بالانسياق والتماهي مع مواقف وسياسات إسرائيل. لكننا كنا نمني النفس والخاطر بالقول، وإن بقرارة أنفسنا: كائنة ما تكن السياسة الأمريكية الجديدة بالمنطقة، فهي لن تكون قطعا على شاكلة ما سنته إدارة جورج بوش الإبن، عندما فوضت إسرائيل، وأشرت لها جهارا نهارا، بتقتيل الفلسطينيين، واقتطاع أراضيهم، والرمي بفتيانهم وبممثليهم السياسيين بالسجون، وختمتها بالتغطية الدبلوماسية واللوجيستية، عندما كان جيشها يضرب ساكنة غزة بالفوسفور الأبيض، لما يناهز الشهر من الزمن، والعالم وبمقدمته أمريكا، يتفرجان على شهب تطلقها الطائرات من الجو، ولكأننا بطقس احتفالي، يبشر بإفناء ساكنة القطاع دون تردد.
إن الذي يشي به موقف إدارة الرئيس أوباما، وعبرت عنه وزير خارجيته، دون تحفظ أو تلكؤ، إنما ثلاثة أمور كبرى، يبدو أنه من المزايدة حقا التحايل عليها، أو محاولة إيجاد صيغ التبرير أو التسويغ لها:
+ الأول ويكمن في تساوق السياسة الأمريكية مع كل ما تعتمده إسرائيل، أو تعمد إلى تنفيذه، سواء تعلق الأمر بسلوكها مع الفلسطينيين أم مع السوريين، أم تعدى ذلك إلى العلاقة مع ما يصدر عن العرب من مبادرات واجتهادات، وجنوحهم "للسلام كخيار استراتيجي" واحد وأوحد.
إن الاختلاف بين إدارة أمريكية سابقة للإدارة الحالية، أو لاحقة عليها حتى، إنما هو اختلاف في درجة التعاطي ومنسوب الاهتمام، وليس بأي حال من الأحوال، اختلاف في طبيعة أو تباين التوجه. قد يزايد هذا الرئيس أو ذاك، على هذا القرار الإسرائيلي أو ذاك، لكنه لا يزايد، ولا يستطيع أن يزايد على حق إسرائيل في الوجود، أو على سياساتها لتحقيق "الأمن لمواطنيها ومستوطناتها".
+ الأمر الثاني ومرتبط، بالسنتين الأخيرتين تحديدا، بالموقف من حركة حماس، ليس فقط باعتبارها حركة "إرهابية"، ترفع لواء السلاح ل"تدمير إسرائيل"، ولا فقط باعتبارها باتت الحاكم الناهي بقطاع غزة، ولكن أيضا لأنها ترفض الاعتراف بإسرائيل، ولا تتقاطع بالمرة مع بنود اتفاقية أوسلو وما ترتب عنها، مفسدة بذلك على ما يرتب له بالخفي المضمر، من لدن إسرائيل، كما من لدن الولايات المتحدة، كما من لدن رباعية، لا يخفي أعضاؤها، فما بالك برئيسها، تعاطفهم مع مطالب إسرائيل "الحيوية".
+ أما الأمر الثالث، فمتمثل في خشية الولايات المتحدة من اتساع أحزمة المقاومة بالمنطقة، والمخاطر المتأتية من انتشار مداها، لتتحول مع الزمن (سيما بظل انتصار حزب الله، ومقاومة حركة حماس) إلى قوة ردع حقيقية، قد تفسد على الأمريكان حساباتهم بالمنطقة برمتها، وقد تقف بوجه ما تكفلت به إسرائيل، باسم "الغرب الذي تنتمي إليه"، من مقاومة للنفوذ الإيراني المتمدد، والمتزايد الانتشار.
هي أمور ثلاثة، تبدو لنا ناظمة للسلوك الأمريكي، مؤطرة للسياسات المتوافق بشأنها بخصوص المنطقة، لا يزيغ عنها رئيس أو منتخب، كائنة ما تكن تمثلاته لطبيعة السياسة الخارجية، هناك بأمريكا.
إن الحصار الخانق الذي ضرب على حركة حماس، بأعقاب بلوغها السلطة بانتخابات ديموقراطية حقة، إنما مبعثه ممانعة ذات الحركة في القبول بالتسويات القائمة، وتمنعها في مجاراة رئيس للسلطة، أبانت التجربة ومجريات الواقع على الأرض، أنه يجري خلف سراب، يخال له أنه قريب الإدراك، فيما تلابيبه تبتعد، وتحيل على متاهات لامتناهية الشكل والمدى.
ومع أن حركة حماس بلغت السلطة بطريق ديموقراطي لا تشوبه شائبة أو يطاوله لبس، وبات بمقدورها الحكم، على اعتبار العهدة الحاملة لها، والالتزام المتعاقد عليه مع من صوت عليها، فإنها لم تنل العطف ولا المباركة، لا من لدن الأغيار ولا من لدن ذوي القربى، فكان أن تم التغاضي عن حكومتها، وتم دفعها دفعا للتخندق بقطاع غزة، حيث لها العزوة والتجدر الشعبي، والقدرة على الفعل.
وعلى الرغم من ضخامة التضييق الممارس عليها للتنازل، والاعتراف بإسرائيل كواقع حال قائم، فإنها، وإن سلمت بحل الدولتين، لم تجازف برصيدها ومكمن مشروعيتها، بل رضيت بأقصى ما تمكنه إياها مرجعياتها الأساس: هدنة طويلة المدى مع إسرائيل، لم تجد الاستلطاف ولا الرضا، بل قوبلت بمزيد من الحصار والتضييق، وحرب في الاستنزاف طويلة، لا بل وحرب ميدانية مباشرة، دمرت مدن وقرى القطاع من فوق رؤوس ساكنتها، وبات ذات القطاع من حينه منطقة منكوبة، لا يصلها من الماء والغذاء والدواء، إلا ما جادت به إسرائيل، أو ما سمحت لهذه المنظمة الدولية أو تلك بإدخاله.
لم يسفر ذهاب حكومة أولمرت عن شيء مهم يذكر، بل طلعت علينا وعلى حماس وعلى الفلسطينيين، حكومة من نوع خاص، لا تأبه ليس فقط بمطالب حماس، ووعود الرباعية، وما تم التوصل إليه بهذه الاتفاقية "التاريخية" أو تلك، بل ترفع جهارة وأمام الملأ، شعارات تتنكر بالجملة والتفصيل لما تم التوصل إليه، أو هو في طريقه "للإنجاز".
إن وصول حكومة نتنياهو للسلطة، وتكفل عتاة الصهيونية والتطرف بالمناصب الحساسة، ورفضهم القاطع لما تم التوقيع عليه من اتفاقات، وتبرؤهم من حل الدولتين، ودفعهم بأطروحة يهودية إسرائيل، وعقدهم العزم في طرد العرب من دولة إسرائيل، وما خفي أعظم، كلها أمور تؤشر حقا وحقيقة، بأن القادم أخطر وأفظع على حماس، كما على سلطة عباس، التي لم تلو على شيء لحد الآن، على الرغم من حلقات العلاقات العامة التي شهدناها أيام حكومة أولمرت.
لم تتحفظ أمريكا الرئيس أوباما على طروحات هذه الحكومة، ولا زايدت عليها في النوايا، بل تساوقت مع ما تطرحه، سواء بالموقف من حكومة حماس، أو من يهودية الدولة، أو من المفاوضات مع سوريا، أو مما سوى ذلك.
إن الغريب في السلوك الأمريكي الحالي، كما السابق، أيام جورج بوش الإبن، إنما مفاده التساؤل التالي: كيف لدولة ديموقراطية كأمريكا، ترفض حكومة حماس الديموقراطية، كونها لا تعترف بإسرائيل ولا تلتزم ب"الشروط الدولية الأساسية"، وتقبل، باسم ذات الديموقراطية، بحكومة يمينية متطرفة، لا تضرب ذات الشروط في الحائط، ولا تعترف بالغريم المقابل فحسب، بل وترفع شعارات، من قبيل يهودية إسرائيل، سيكون من شأنها نسف كل ما "بني" لحد الساعة؟
أي نفاق أمريكي هذا الذي نلحظ ونرى؟ وأية أمريكا هاته التي يريدها أولي الأمر من بيننا "وسيطا محايدا"؟
* "النفاق الأمريكي المستدام"، التجديد العربي، 29 أبريل 2009. شبكة الرافدين، 29 أبريل 2009. التحالف الوطني العراقي، 30 أبريل 2009. جريدة العدالة والتنمية، 5-6-7 يونيو 2009.