Aller au contenu principal

"نتنياهو، الواضح والصريح"

news-details

لم يكن الأمر بحاجة كبيرة إلى أن ينتظر خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي، مساء الأحد الرابع عشر من يونيو العام 2009، بإحدى جامعات تل أبيب الشهيرة، لم يكن بحاجة لأن ينتظر كثيرا، حتى يكون بمستطاعه معرفة ما يعتمل بذهن الرجل، أو ما هو عازم على قوله، ثم الترويج له على نطاق واسع، ثم الشروع في تنفيذه على الأرض، بقوة الأمر الواقع، كما بحكم الوضعية الاعتبارية التي تتمتع بها دولة إسرائيل بأمريكا، كما بدول الغرب أجمعين، حكومات ورجال مال وأعمال ولوبيات إعلام وما سواهم.

فمواقف الرجل معروفة للغاية، ومتداولة بكثافة في كتاباته كما في تصريحاته، وقد أعاد التمرير لمضامينها بالحملة الانتخابية التي أوصلته للسلطة، وصرح بها جهارة في أكثر من مناسبة، وعلى أكثر من منبر، ولم يكن بالتالي بحاجة إلى تكرارها، أو معاودة التذكير بمفاصلها الكبرى، اللهم إلا من باب استدراج مناصرين إضافيين لها، بالداخل، هناك بفلسطين المحتلة، كما بالخارج.

إن مدعاة هذا الخطاب "المنتظر"، إنما الحاجة الملحة، حاجة نتنياهو وحلفاؤه المتشددون بالحكومة والكنيست، وبأمريكا أيضا، للرد على طلبيات محددة للرئيس الأمريكي، عبر عنها بخطاب جامعة القاهرة، وأبلغها رئيس الوزراء الإسرائيلي مباشرة، عندما حل ضيفا عليه بالبيت الأبيض، بداية هذا الشهر.

وعلى النقيض من اعتقادات، ادعت مسبقا، أن الخطاب سيكون بالضرورة عاما ومضببا وغير دقيق، على الأقل من زاوية ضيق هامش المناورة مع رئيس أمريكي لم يتسن له بعد، الإدمان على الديماغوجيا الصرفة، ولغة الخشب الخالصة، فإن الخطاب لم يكن كذلك بالمرة، بل كان واضحا صريحا، لا بل وموغلا في الوضوح والصراحة.

ماذا قال نتنياهو، بوضوح وصراحة تامتين، لا تقبلان عميق اجتهاد ولا كبير تأويل أو تمحيص، فيما قد يكون قد مر فيما بين السطور، ولم ينتبه له العامة من بيننا؟

+ قال، بوضوح تام، بأن إيران النووية خطر أكبر على مستقبل إسرائيل، وعلى دول المنطقة، لا بل وعلى دول العالم أجمع. وبأن هذا التهديد إنما مرده الأساس، "لقاء الإسلام المتطرف والسلاح النووي"، وبأنه لا بد من مواصلة الجهود، "لبناء جبهة دولية ضد تسلح إيران بأسلحة نووية"، قد توجهه، في حال اكتسابها له، لصدر أعدائها، كما لصدر الأصدقاء على حد سواء.

+ وقال بأن "السلام الحقيقي" مع العرب، يجب أن يكون سلاما اقتصاديا صرفا، تتجه الأموال العربية بمقتضاه، للاستثمار بإسرائيل لتحسين "الظروف المعيشية للفلسطينيين" وللإسرائيليين بتحصيل حاصل، ناهيك عما قد يسهم فيه ذلك من تخفيف للاحتقانات والمشاكل الأمنية المستعصية، وخلق سبل الثقة بين الطرفين أو الأطراف. إن نتنياهو هنا إنما يطالب المستثمرين العرب للقدوم إلى إسرائيل والاستثمار في الأراضي الفلسطينية لمساعدتها، و"مساعدة الفلسطينيين على إقامة مشاريع، تشغل آلاف العاطلين، ومناطق سياحية في أريحا والبحر الميت والمغطس على نهر الأردن، وغيرها".

+ وقال، بالأولوية الثالثة لسياسة حكومته، بأنه لا يمانع في العيش بسلام مع "جيرانه" الفلسطينيين ("نريد أن نعيش إلى جانبكم في إطار علاقات حسن جوار"، بحسب قول نتنياهو)، لكن "الشرط المسبق لذلك، هو أن يعترف الفلسطينيون في شكل صادق وعلني، بأن إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي"، أي أن يعترفوا جهارة وبدون تلكؤ، بيهودية دولة إسرائيل.

+ وقال، بعدما "تحسر" على واقع اللاجئين الفلسطينيين، بأن مشكلتهم "ينبغي أن تتم معالجتها خارج إسرائيل"، ليس فقط بحكم ضيق المجال الجغرافي، القمين باستيعابهم بفلسطين التاريخية، ولكن أيضا بحكم أن عودتهم لمدنهم وقراهم المهجرين قسرا منها، من عشرات السنين، سيتنافى قطعا، ويتناقض مع مبدأ يهودية الدولة، المراد تكريسه بإسرائيل بالشكل كما بالمضمون.

+ وقال، بسياق كل ذلك، بأنه لو تسنى "للدولة" الفلسطينية أن تقوم جنبا إلى جنب مع إسرائيل، فستكون بالبداية وبالمحصلة دولة "منزوعة السلاح"، بدون جيش، غير ذات سيادة بالمرة على المجال الجوي أو البحري، أو ذات سلطة على مداخل "الدولة" ومخارجها، ناهيك عن قدرتها على ربط علاقات مع الخارج، أو توقيع اتفاقيات أو معاهدات، أو ما سوى ذلك.

+ وقال، في حديثه المقتضب عن القدس، بأنه ستبقى مدينة موحدة، عاصمة أبدية لإسرائيل، مع ترك حرية التعبد من بين ظهرانيها لكل الديانات، كل وفق معتقداتها ورموزها الدينية، وهكذا.

+ ثم قال، من بين ما قال، بأن حكومته لا تنوي بناء مستوطنات جديدة، ولا مصادرة أراضي إضافية لذلك، لكن مع تركه للباب مشرعا أمام مطلب "النمو الطبيعي" للقائم من مستوطنات، لها أن تتوسع وتمتد، وفق حاجياتها السكانية بالضفة الغربية، كما بمحيط القدس، وحيثما عن لها ذلك.

الرجل واضح إذن أيما يكن الوضوح، وخطابه مباشر لا يقبل التأويل: لا لدولة فلسطينية ذات سيادة، قابلة للعيش والاستمرار، لا لحق العودة، بل تلميح إلى تهجير من هم داخل الخط الأخضر عندما يقر مبدأ يهودية الدولة، لا لاقتسام القدس، لا لإزالة المستوطنات، وهكذا.

إن نتنياهو، بهذا الخطاب، إنما يريد طمأنة الرئيس الأمريكي، بأنه لا يمانع في إقامة دولة فلسطينية جنبا إلى جنب مع إسرائيل، ولا يتمنع في "إيقاف" بناء المستوطنات (وهو ما شدد عليه أوباما من ناحية المبدأ)، لكن دونما تحديد مواصفات ذات الدولة، سيما في الجانب المتعلق بالسيادة، والقابلية على العيش والاستمرار.

ويبدو، بهذه الجزئية، أن نتنياهو قد "التزم" بما اشترطته عليه الإدارة الأمريكية، لكن دونما  أن يلزم نفسه بالتفاصيل، حتى إذا ما تعذرت الأمور، وتعثرت بمفاوضات ما في المستقبل، سيبدو الفلسطينيون ولكأنهم هم العثرة الكأداء، وسيقال لهم: ها قد منحتكم إسرائيل فرصة إقامة الدولة، فما سر تمنعكم؟ لا بل وسيقال لهم، من لدن الأمريكان تحديدا، ومن لدن الغرب عموما: إن تحوط إسرائيل من دولة جارة مسلحة، هو تحوط موضوعي، وإلا فإن أمن إسرائيل ولربما بقاءها سيكون حتما على المحك، وهذا ما لا نقبله أو نرضاه؟

عم سيتفاوض الفلسطينيون والعرب، أصحاب مبادرة السلام إذن؟ عم سيتفاوضون وقد حسم خطاب نتنياهو القضايا الجوهرية الكبرى، التي لطالما أثثت من ذي قبل، للمئات من جلسات النقاش مع الإسرائيليين...ومن دون جدوى؟ وفق أية مرجعية ستتم اللقاءات القادمة، ومرجعية أوسلو، وخرائط الطرق والمسالك، قد قوضت بالجملة والتفصيل؟

أقول بالواضح الصريح، لمدمني مرجعية أوسلو: ها هي خارطة الطريق الحقيقية قد وضعها نتنياهو على الطاولة، فلترنا "السلطة الفلسطينية" وجهابذتها بالفضائيات، ما هم قادرون على فعله؟

* "نتنياهو الواضح الصريح"، التجديد العربي، 16 يونيو 2009. شبكة الرافدين، 17 يونيو 2009. التحالف الوطني العراقي، 17 يونيو 2009. جريدة العرب اللندنية، 18 يونيو 2009

Vous pouvez partager ce contenu