ليس بمقدوري، بمقام عبد الناصر، الادعاء بالحيادية ولا القول بالموضوعية، ولا التظاهر بمظهر من يريد وضع مسافة بينه وبين الرجل، للوقوف عند ما اعتمل بخاطره، أو تسنى له تجسيده وإنجازه، أو أخفق في إدراكه، بسبب من كره الأغراب وذوي القربى، أو جراء موت باغته، وهو بأعز عطائه.
لم يكن الرجل عاديا بالمرة، ولا أخذ منه الزهد في الحياة مأخذا، ولا طاوله اليأس والقنوط وهو بإزاء كبريات هزائمه وإخفاقاته، ولا سئم من الفعل والتفاعل، حتى أن المنية باغتته وهو بإحدى مؤتمرات القمة العربية، أزعم أنه لم يعد لها من نكهة رمزية تذكر منذ رحيله.
وأيا تكن المواقف والآراء والمؤاخذات على الشخص وعلى مشروعه، فإن الثابت، بعد أربعة عقود على رحيله، أنه كان صاحب رؤية ثاقبة، نادرا ما تتوفر لامرئ قادم من مؤسسة (المؤسسة العسكرية) كل همها تثبيت نظام الحكم، والاستمرار على رأسه إلى ما لا نهاية، حتى وإن استدعى ذلك الإتيان على الأخضر واليابس، بالجملة أو بالتفصيل.
وعلى هذا الأساس، فإن ثورة يوليوز للعام 1952، إنما جاءت تعبيرا عن ذات الرؤية، تجاوبا من لدنها لتطلعات شعب أهينت كرامته وسلبت حقوقه، جراء تواطؤ ملكية غاشمة وفاسدة، ونخب مرتهنة القرار، وسيادة شبه مغيبة، وإقطاع بالأرياف يشتغل بنظام السخرة والاستعباد في أبشع صوره.
إن عبد الناصر بتأميمه لقناة السويس، لم يكن يتغيأ فقط تحصيل ما تدره القناة من مداخيل وأرباح، كانت تذهب هباء لشركة أجنبية، بل كان يهدف لاسترجاع أرض مصرية، تتصرف بها الشركة إياها كدولة داخل الدولة، لا بل تأتمر الحكومات المصرية بأوامرها، ولا تتشكل ذات الحكومات إلا ولها بالأمر رأي قاطع، جازم.
إن تأميم القناة إنما كان، بذهن عبد الناصر، من استعادة أرض مستصدرة، وإعادة الاعتبار لبلد طاوله الغبن، ناهيك عن رده (الاعتبار أقصد) للذين ماتوا وهم يحفرونها، أو كانوا يعملون بها كالعبيد.
لم يكن العدوان الثلاثي مترتبا عن ذات القرار فحسب، بل كان نتاج نقطة أفاضت الكأس، بأعين بريطانيا وفرنسا كما بأعين إسرائيل، هي التي كانت تتصيد المناسبات، وتستعجل الفرص والصدف، لضرب نظام لم تكن راضية عنه بالمرة، ومنذ البدء.
لو سلمنا بذات الاعتقاد، اعتقاد خلفيات العدوان، فسنسلم بأعقابه حتما أنه ما كان للحرب الشعبية أن تندلع وتنتصر، أنا مستعد للقول بأنها كانت ملتفة حول الرجل وحول مشروعه بالآن معا... ليخرج من المحنة قويا، منتصبا، محمي الظهر.
لم يكن التأميم ولا العدوان الثلاثي هو التحدي الوحيد "لنظام" عبد الناصر، بل كان أهونها تداعيات، بالقياس إلى مشروعي السد العالي والإصلاح الزراعي وتعميم التعليم المجاني. إن درس بناء السد العالي لا يبدو لنا كامنا في قدرة عبد الناصر على تجاوز شروط الأمريكان، والبنك الدولي من خلفهم، ولا كامنا في ضخامته (ضخامة المشروع) بالقياس إلى موارد مصر حينها، الدرس كامن في الفكرة/الرؤية البعيدة المدى، التي احتكم إليها عبد الناصر لتنفيذ المشروع. والدليل أنه لو لم يكن السد العالي من يومه وإلى اليوم، لما كان لمصر أن تلبي حاجياتها الكبرى من الماء والكهرباء والري وما سواها.
وبقدر ما كان بناء السد رهانا ضخما، لم يتوان عبد الناصر في رفعه، فإن مشروع الإصلاح الزراعي لم يكن أقله ضخامة، ولا أقله استعجالا. لم تكن الغاية من المشروع القضاء على ثقافة الإقطاع، التي عممها كبار ملاك الأراضي، بل كان الهدف منه إعادة بعض من كرامة للفلاح المصري البسيط، الذي استبيحت قوة عمله دون مقابل كبير، بل ودون وجه حق، وارتهن حاله ومآله من لدن فئة من المصريين تحالفت مع الأجنبي ومع الأحزاب بالداخل، للاستئثار بالثروة والسلطة والقرار.
وعلى الرغم من أن عبد الناصر لم يستصدر من هؤلاء إلا جزءا قليلا من الفدادين، تاركا لهم الأغلبية الساحقة من الأرض، فإنهم لم يستسيغوا القرار بالمرة، وكالوا للرجل الكره والعداوة جهارة، ولكأنه استصدرها لفائدته، هو الذي لم يخلف بحسابه إلا بعض قروش، ولم يزايد عليه بنك أجنبي بحسابات سرية، أو بأملاك بالخارج، أو بمساهمات بشركات كبرى. عاش فقيرا ومات فقيرا معدما.
وبقدر ما عمل الرجل مكدا ومجاهدا، لإعادة الحد الأدنى من الكرامة للإنسان المصري (وقد أعاد له أقصاها، بالقياس إلى السابق واللاحق من عهود)، فقد عمل الرجل دون كلل أيضا، لضمان حدها الأدنى لدول العالم الثالث (بإطار حركة عدم الانحياز تحديدا) وللوطن العربي، الذي لم يكن واقع تشرذمه وتفرقه ليرضي الرجل، أو يستسيغه مشروعه.
إن القومية العربية التي نادى بها عبد الناصر مبكرا، والتفت حوله من خلالها الملايين، وجربها تجسيدا مع أكثر من دولة، إنما كانت تعبيرا عن رؤية عميقة من لدنه، قبلما يدخل العالم مجال التحالفات، والتكتلات، والتكاملات الجهوية الواسعة.
لم تكن الفكرة عاطفية، بل استوجبتها ظروف موضوعية (باللغة والتاريخ والدين والترابط الجغرافي وغيرها)، وبدت مع الأيام ولا تزال، مطمحا حقيقيا تتطلع له الشعوب العربية، في الشكل كما على مستوى المضمون.
ولم تكن الفكرة عرقية على الإطلاق، على الأقل من زاوية أنها تتغيأ الوحدة، المحيلة حتما على القوة، وعلى التكامل في المنافع والمصالح، والقمينة بمواجهة تحديات الاقتصاد والسياسة وما سواهما.
وعلى الرغم من الضربة الموجعة التي تلقتها الفكرة (ومدى الضيم الذي طاول صاحبها) بأعقاب نكسة ال 67، فإنها لم تنل من الرجل كثيرا، ولا أسهمت في أن يتمكن منه اليأس أو الإحباط.
إن حرب الاستنزاف التي اعتمدها عبد الناصر، مباشرة بعد استرجاعه لبعض من قواه الشبه منخورة بحرب الستة أيام، لم تسهم في إنهاك العدو فحسب، بل فسحت في المجال واسعا أمام حرب العصابات التي لا تقهر.
لم يقتصر نظر الرجل على الدفع بحرب الاستنزاف إلى ما لا نهاية، بل عمل بموازاة معها، على إعادة بناء الجيش المصري، وتقوية الجبهة الداخلية، بأفق حرب مع إسرائيل آتية لا محالة، وفق ما كان يستشرف...حتى إذا كانت حرب أكتوبر 1973، والرجل مطمئن بقبره، تبين أنه تم الاعتبار بقوة، من دروس هزيمة العام 67.
لقال يقول: قد يكون بكل ما سبق بعض من الحقيقة والصواب، على اعتبار وطنية عبد الناصر ونزاهته، لكن ما القول في تسلط الرجل، ومنعه للأحزاب، وحصره لمدى الفعل السياسي في حزب واحد، يحكم دونما إعمال الحد الأدنى من الاعتبار للرأي المخالف، الذي تم اضطهاده أو منعه أو مطاردته فكرا ومؤسسات؟
التساؤل وجيه، لكن الجواب عليه اليوم، بسياق اليوم، به بعض من الظلم، ولربما ظلم كبير، لرجل كان يفعل في سياق مختلف...لم يكن له من بد بظله، إلا أن يرتكب أخطاء، ولربما تجاوزات، عن سوء تقدير، أو بحسابات لم يكن يدركها إلا هو، دون سواه.
ومهما يكن من أمر، يكفي أن الرجل ما زال حيا ضمننا، بثورة وإنجازات لا تزال حية، بعد خمسين سنة على مرورها، في حين يرحل عنا "بعض الزعماء" وهم أحياء بيننا، يرزقون.
* "عبد الناصر، الحي بثورته"، التحالف الوطني العراقي، 29 يوليوز 2008. التجديد العربي، 29 يوليوز 2008.