Aller au contenu principal

"في ذكرى اغتيال الرئيس/الشهيد صدام حسين"

news-details

تمر، من بين ظهراني هذه الأيام الأواخر، ذكرى اغتيال الرئيس صدام حسين من قبل زمرة من الملثمين لم يستطيع المرء حقا أن يخبر وجوههم بدقة، ولا تفاصيل ملامحهم، ولا درجة العنف التي لربما كانت تنتابهم وهم يقودون شيخا في أرذل العمر، نصبت له مشنقة خيل لنا أن زمنها انقضى وولى، بانتهاء عهود الجاهلية وطقوس الثأر والتشفي البدائيين في الغريم.

وبقدر عدم معرفتنا بصفة هؤلاء، ولا بهوياتهم الحقيقية، أو بجهة انتماءاتهم الرسمية، فإننا كنا ولازلنا متأكدين بأن الأمريكان أولا، ثم إيران (وبعض من الحكام العرب) ثانيا، ثم حكومة الاحتلال، هم الذين أصدروا الحكم وأصبغوا عليه الصبغة النهائية، ثم حبكوا القصة وأخرجوها، ثم اختاروا لها يوم عيد مقدس ليس اعتباطا أو احتراما للإجراءات، بل ليقولوا بالصورة والصوت وبشكل الإخراج أيضا، ليقولوا لنا جميعا: ها نحن قد بلغنا مبتغانا، وتسنى لنا بالنهاية "إعدام الطاغية"، ونشر دمه بالمعمور، تماما كما الحال بمئات الملايين من الأضحية التي يتقرب بها المسلمون إلى خالقهم، في يوم جلل تحرم فيه أبسط الأفعال فما بالك بالكبائر ضمنها.

لسنا بحاجة اليوم لتكرار ما قلناه من ذي قبل، حول جلالة الخطب وعنفوان رجل تقدم لحبل المشنقة ساخرا مبتسما، مخلصا من عقدة الرهبة والخوف التي انتابت بالتأكيد من حضروا "تنفيذ الحكم"، كما من تابعوا أطواره بالفضائيات.

ولسنا بحاجة للتذكير أيضا بأن الرجل بنى العراق على أساس من الحكم الفردي المتمركز، المستبد بالرأي والأمر، لا بل  وبقسوة كبيرة على معارضيه ومخالفيه في القول، فما بالك بالفعل، لدرجة كان السيف معهم أمضى من الحوار أو  التواصل.

كما أننا لسنا بحاجة للتذكير بأنه كان للرجل أخطاءه ولربما خطاياه، بصلبها المتعمد المرتبط بشخصية الرجل، وضمنها أخطاء في التقدير والحساب، جرت عليه وعلى العراق الحصار والتجويع، ثم التضييق، ثم الحرب، ثم الاحتلال، ثم ما استتبع كل ذلك من ويلات على الشعب، أفرادا وجماعات وعوائل، ناهيك عما تم تدميره أو سرقته أو اختلاسه من تاريخ العراق وتراثه ومقوماته الحضارية.

ومع ذلك، فإننا نزعم بأن الرئيس/الشهيد كان على صواب، واشتغل بصدق على الأقل بجهة ثلاثة ملفات أبانت الأيام والسنون دقة رؤيته وثقابة بصيرته:

+ كان على صواب عندما حذر وبقي يحذر حتى والغوغاء من حوله متحذلقين يهتفون صبيحة الإعدام، يحذر من خطر إيران الفارسية، وأطماعها في كسر شوكة نظامه وتقويض البناء الحضاري الذي لم يكن لإيران من منافس لها فيه، بدول الجوار كما بكل المنطقة المحادية.

إذا لم يكن الأمر كذلك، فليرنا أصحاب الموقف المعاكس كيف تسنى لإيران ما بعد صدام حسين أن تشكل عراقا على مقاسها، تأتمر حكوماته المتعاقبة بأوامرها، لا بل لم تستطع مخرجات الانتخابات الأخيرة تشكيل حكومة، إلا بعد رضا إيران وإعادة تكليف عميل لها لقيادة ذات الحكومة؟

وإذا لم يكن الأمر كما نزعم، فليدلنا أهل الرأي المضاد، كيف بات لإيران بالعراق اليوم ما يجعلها تحرك ميليشياها وأتباعها ومريديها  لرسم خارطة العراق، وتأنيب هذا الطرف على ذاك، ناهيك عما ترسمه لتقسيم العراق، وإلحاق مناطق بكاملها لسلطتها ونفوذها وسلطانها؟

+ وكان على صواب عندما جاهر بأن لا جدوى من التفاوض مع إسرائيل، ليس فقط لأن هذه الأخيرة تحتمي بأمريكا، أو لأن العرب في موقف ضعف لا يسعفهم في الضغط عليها، ولكن أيضا لأن مبدأ التفاوض معها مرفوض من الأصل، باعتقاد الرئيس/الشهيد، على اعتبار أن لا تفاوض على شيء هو ملكنا بالبداية كما بالمحصلة النهائية.

إن الأيام أثبتت صدقية ذات الطرح، سيما وقد تغولت إسرائيل، واستباحت الأرض والعرض، وتطاولت على المقدسات، ولم ولا تتردد في قضم أراضي "السلطة الفلسطينية" باسم "التطور الطبيعي" لساكنة المستوطنات.

إذا لم يكن الأمر كذلك، فليرنا المتهافتون على التطبيع، والدافعون بالتفاوض عما تحصلوا عليه منذ اتفاقية أوسلو وإلى حين اغتيال الرئيس/الشهيد وإلى وقتنا الحاضر أيضا.

+ وكان على صواب عندما أحكم قبضته على العراق، وحال دون انفجار النزعات الطائفية والتطلعات المذهبية والإثنية وما سواها، لعلمه أن التنوع الإثني والمذهبي والطائفي يجب أن يكون عنصر إغناء، لا أداة احتراب وفتنة، حتى إذا ما ذهب الرجل للقاء وجه ربه، ضربت الفتنة بكل قوتها، واشتد الاحتراب على خلفية من الطائفة والمذهب والقبيلة، وبات العراقيون بظل كل ذلك يصطفون مع الكل ضد الكل.

لقد كان صدام حسين المجيد قاسيا بكل تأكيد، ولربما كان متعصبا لرأيه أكثر من المطلوب، لا يطيق الاختلاف أو الخلاف، لكنه كان صادقا وذا بصيرة ثاقبة. لقد كان عربون نخوة عربية، رفعت من كرامة الإنسان العراقي، وآمنته من خوف ومن جوع...ومن أعداء الخارج وذوي القربى.

ولما كان كذلك، فقد عاش السياسة بنخوة الموقف، ولقي الموت بنخوة أزعم أن الموت ذاته خجل من لمسها.

رحم الله الشهيد صدام حسين، الذي أصبغ على العراق نخوة قل مثيلها في حياته كما لحظة استشهاده كما في حنين الناس إلى زمنه ونظامه.

* "في ذكرى اغتيال الرئيس/الشهيد صدام حسين"، 22 نونبر 2010، التجديد العربي، 29 نونبر 2010.

Vous pouvez partager ce contenu