Aller au contenu principal

"محنة التلفزة في المغرب: محنة ديموقراطية وأخلاق وغياب مشروع مجتمعي وتلفزي"

الكتاب: محنة التلفزة بالمغرب

المؤلف: يحيى اليحياوي

تقديم: محمد الساسي

منشورات عكاظ،222 ص

الرباط ، دجنبر 1999

يظل الإعلام المرئي حتى الآن أحد أبرز واجهات الإعلام المختزلة لإشكاليات الإعلام الوطني وأزماته عامة وأشدها تعرضا للانتقادات والمتابعة لكون التلفزيون أكثر الوسائل الإعلامية انتشارا وتأثيرا وتأطيرا.

من هذا المنطلق تناول آخر إصدار للباحث يحيى اليحياوي موضوع الإعلام المرئي بعنوان لافت قوي الدلالات: محنة التلفزة بالمغرب.

ومع توالي فصول الكتاب التي ناقش فيها الكاتب مختلف الإشكاليات المرتبطة بالتلفزة لمسألة السلطة والتغيرات السياسية والحرية والمواطنة والخدمة العمومية والرأي العام والثقافة واللغة والديموقراطية... نصل إلى الفصل ما قبل الأخير حيث يقدم الكاتب بنفس عنوان الكتاب حيثيات اعتباره أزمة التلفزة محنة لكون النخب الحاكمة والمثقفة لم تستطع التخفيف من حدتها أو طرحها طرحا سليما.

يرى الكاتب أن محنة التلفزة هي أولا من محنة "الجسد الإعلامي" وإن تباينت الضغوطات الممارسة واختلفت أشكالها، باعتبار فضاء الحرية النسبي الذي اشتغلت فيه الصحافة المكتوبة والانفتاح المسجل في السينما والمسرح، وتخفيف "القبضة" على الإذاعة.

ومحنة التلفزة ثانيا من محنة الديموقراطية والممارسة السياسية لأنها لا تنحصر في احتواء الداخلية للتلفزة لصالح تصور سياسي معين أو لصالح جهة سياسية معينة، ولا في ارتهان مستقبل التلفزة لمحدد دون آخر فحسب، بل في إقصاء العمل التلفزي من إمكانية المواكبة والمساهمة في تحريك الفضاء السياسي على أسس الجدية والعقلانية.

ومحنة التلفزة ثالثا من محنة الثقافي المقصى كأحد عناصر التغيير الكبرى في الحاضر والمستقبل، وكأحد مستويات التعبير عن الهوية.

ومحنة التلفزة رابعا محنة أخلاقية عمقها فشل تطبيق مشاريع الإصلاح والالتزام بها من قبل الحكومة السابقة فيما يخص توصيات المناظرة الوطنية للإعلام، وعجز حكومة التناوب حاليا عن تنفيذ ولو جزئي لالتزامات تصريحها الحكومي.

ومحنة التلفزة خامسا وأخيرا هي محنة مشروع تلفزي جذوره من محنة المشروع المجتمعي الذي لم تقدر له الولادة بعد أربعة عقود من الاستقلال. ولا يمكن لمشروع تلفزي أن ينجح إن لم يتخذ من المشروع المجتمعي فلسفته الكبرى ومرجعيته الأولى.

يقارب المؤلف المسألة الإعلامية بالمغرب (من خلال التلفزة) من خلال ما أطلق عليه بالرؤية الاستشرافية للإشكالية الإعلامية. إنه ينطلق من قراءة واقع حال التلفزة ليعري الاعتبارات الرمزية التي أنتجت واقع الخطاب والممارسة في التلفزة الحالي.

يرى الكاتب أن الطفرة الإعلامية والتكنولوجية غيرت المحيط من حولها، لكن التلفزة ظلت مشدودة وبقوة إلى وظيفتها في بداية الاستقلال أي أداة لخدمة السلطة ووسيلة لتمرير إيديولوجيتها وعاملا من عوامل التعتيم على الرأي الآخر والفكر الآخر. وهي وظيفة تم استنفاذها، لكن يؤكد الكاتب لو قدر للتلفزة أن تتحرر من رهانات السلطة فسيبدو الأمر وكأنه انتقاص من سيادة الدولة وقوتها سيما وأنها جزء من تركيبة سياسية قائمة من الصعب تصور أمر انفصالها.

وهو ما يجعلها أكثر من باقي أطراف الإشكالية الإعلامية محط ممانعة ومكمن توتر وميزانا لقياس تطور موازين القوى بين السلطة و" قوى التغيير" كذلك.

في فصله الأخير يكتب الباحث اليحياوي عن مشروع تلفزي لمغرب القرن 21، لكنه يصوغه في شكل تساؤل: هل هناك من مشروع؟

ولا ينفي الكاتب أن لحكومة التناوب مشروعها لكنه يقول: إذا لم تكن قد أفلحت بعد ما يقارب السنتين على تحريك ملف التلفزة فلربما لأنها لم تستطع بناء "إيديولوجيا بديلة" أو اختراق إيديولوجيا السلطة التي جعلا من التلفزة قلعة من قلاعها ورمزا لسيادتها.

يتحدث المؤلف كذلك عن المشروع التلفزي الذي اعتمد في الماضي وحتى الآن، ويرى أنه لا يمكن اعتباره مشروعا بالمعنى المتعارف عليه لأنه غير مبني شكلا وجوهرا على رؤيا محددة وتصور مستقبلي واضح، إنه مشروع يخدم إيديولوجيا النخبة ويأتمر بأوامر السلطة، غير منفتح على تحولات العصر.

ويقترح الكاتب إطارا عاما لبناء مشروع تلفزة القرن الجديد يحدده في ثلاثة عناصر:

 أولها تحقيق استقلالية التلفزة من وصاية غير ذوي الاختصاص وفرض ثقافة جديدة تعتبر التلفزة مراقبا ومنافسا بناء على اشتغال العاملين فيها على قضايا المغرب الكبرى كما هي لا كما يراد لها.

العنصر الثاني يتمثل في إخضاع المؤسسة التلفزية للسياق العام الذي تسير فيه البلاد في إطار تقنين واضح لحقوق وواجبات المرفق العمومي الذي يضمن للعمل التلفزي استقلاليته وسلطته وأيضا للدولة سلطتها ورمزيتها.

أما العنصر الثالث في مقترح الباحث فيتحدد في ضرورة تحديد رؤيا واضحة للمشروع التلفزي وفق تمثل صحيح لقيم المستقبل. وهنا يؤكد الكاتب مختتما كتابه أن تحديد الرؤيا " قد يضيق على الإعلاميين عموما، لكنه ربما يتسع إلى حده الأقصى بالنسبة لذوي القرار السياسي بالدرجة الأولى".

نادية بنسلام، جريدة العلم، يومية، 28 فبراير 2000

* "محنة التلفزة بالمغرب: محنة ديموقراطية وأخلاقية، غياب مشروع مجتمعاتي وتلفزي: حول كتاب يحيى اليحياوي"، جريدة العلم، 28 فبراير 2000.

Vous pouvez partager ce contenu