محمد الخولي، دار الهلال، القاهرة، 2008، 288 ص.
بمقدمة الكتاب، يميز المؤلف بين تيارين أساسيين اثنين يشكلان رؤية الغرب عموما، وأمريكا على وجه التحديد، إزاء الوطن العربي وإزاء الشرق الأوسط بوجه خاص:
°- تيار متشدد وعنيف يمثله المحافظون الجدد، يرتكز في منظومته العقدية على أطروحة "الفوضى الخلاقة"، أي على إشاعة الفوضى كمدخل أساس لإعادة ترتيب وتشكيل المنطقة، في إطار كيانات جغرافية تقوم على أساس ديني أو طائفي أو عرقي أو إثني أو ما سواها.
°- وتيار "عقلاني" إلى حد ما، يستحضر تاريخ المنطقة وواقعها الداخلي، ويرفض أساليب المحافظين الجدد، على اعتبار أن إدراك الغرب لمصالحه بالمنطقة إياها، لا يمكن أن يتم بالهدم وتعميم الفوضى، بل من خلال مدخل "التحول الديموقراطي"، والتركيز على ما بات يسمى منذ مدة ب"التنمية البشرية المستدامة".
من هنا، يخلص الكاتب إلى اعتبار وثيقة إسطنبول، (وهي الوثيقة التي أسست لطرح الشرق الأوسط الكبير)، يخلص إلى تعريف هذا الأخير باعتباره مجالا جغرافيا يمتد من المغرب غربا، إلى أفغانستان شرقا.
إن هذه المنطقة، تقول الوثيقة ضمنيا، ليست مصدرا حيويا للطاقة بالنسبة للغرب فحسب، بل ومصدرا للعديد من التهديدات، لا بل وأصبحت من "أخطر المناطق التي يمكن أن تهيئ المناخ لتوالد تركيبة خطيرة تجمع بين الإيديولوجيا الشمولية، وفشل مؤسسة الدولة، وفائلة الإرهاب، وإمكانية الحصول على أسلحة دمار شامل".
وتعترف الوثيقة بأن منطقة الشرق الأوسط باتت في حالة مزمنة من الركود والتخلف، "بسبب أساليب الحكم الفاشلة أو القمعية، بل والفاسدة في بعض الأحيان. وهذا الغضب الذي يعيش فيه سكان المنطقة غالبا ما يتجه صوب الغرب، ويرجع ذلك في جانب منه إلى أنه من صنعه".
بالتالي، تقر الوثيقة على لسان الكاتب، فإن "الأوضاع في الشرق الأوسط باتت تطالب بإلحاح بتحول جذري في السياسات التي يتبعها الغرب، لأن تفشي الظلم واللامبالاة وضياع الكرامة السياسية وخنق إمكانات التعبير، تساعد جميعا على إذكاء الحقد والتعصب والعنف، وتلك هي منابع حالة اللاأمن البشري، ولا يمكن التخفيف منها ثم إنهاؤها، إلا من خلال تحولات سياسية جذرية، تخضع لها النظم السياسية القائمة في المنطقة".
ينطلق مشروع الشرق الأوسط الكبير، وفق المؤلف، من استراتيجية واسعة ترمي إلى دعم الديموقراطية وتعزيز التنمية البشرية، وتكون مرتكزة على مجموعة من ثلاثة مبادئ أساسية:
°- الأول ويتعلق بما تسميه الوثيقة ب "الأصالة الإقليمية"، أي أن "التحول الديموقراطي والتنمية البشرية، لا بد أن ينبعا من جذور المنطقة، ولا ينبغي السعي لفرض أي صيغة من الخارج".
°- الثاني ويرتبط ب"الإسلام والديموقراطية"، أي أن هذه الدول لا تنفر من الديموقراطية، بل "تقدر الديموقراطية حق تقديرها".
°- الثالث ويحيل على ضرورة اعتماد "سياسات ملائمة للأوضاع"، على اعتبار أنه من حق كل بلد "أن يرسم خطته الوطنية الخاصة به في مجال الإصلاح والتغير الديموقراطي، النابعة من تفاوض مفتوح بين أركان الحكم والمعارضة السياسية والمجتمع المدني".
ويلاحظ الكاتب أن الوثيقة على أهميتها وجدواها، يجب أن ترتكز على ثلاثة دعائم:
°°- الأول: "دعم الديموقراطية والتنمية البشرية من الداخل، من خلال الربط بين المساعدات الاقتصادية وبين الإصلاح السياسي الحقيقي، والربط بين الإصلاح السياسي الحقيقي ومجالات تعاون أخرى، مثل تحرير التجارة وتخفيف أعباء الديون، وأيضا إعادة النظر في العلاقات مع الأجهزة الأمنية القمعية، التي ينظر إليها باعتبارها ركائز لنظام تعسفي ظالم واستبدادي".
°°- الثاني: توفير بيئة خارجية لتيسير التغير الديموقراطي، أي "لا بد من المساعدة على تغير النظام الداخلي، وخلق بيئة مواتية لتغير ديموقراطي يتم على صعيدها".
°°- الثالث: "إعادة تشكيل العلاقات الأطلسية المشتركة، بما يزودها بأدوات دعم الشراكة من أجل الديموقراطية والتنمية البشرية، والاستعداد لمجابهة هذا التحديد طويل الأجل"، والعمل (وهذه نقطة محورية في الوثيقة) على وضع حل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي، على أساس من دولتين متجاورتين..."ولن يكون بوسع الغرب أن يدافع بصدق عن الديموقراطية في المنطقة، إذا لم يكن مستعدا لتأييد حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم السياسي، وفي حل هذا الصراع من جميع جوانبه".
من ناحية أخرى، يركز الكاتب على فكرة أساس مفادها أن الفشل في العراق وفي أفغانستان سيؤدي إلى "نكسة كبرى"، لأن "الخاسرين الأساسيين من ذلك لن يكونوا فقط الشعب الأفغاني والشعب العراقي، بل أيضا الديموقراطيات الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، التي لن تتمتع بعد ذلك بأي مصداقية عندما تدعو إلى إصلاح ديموقراطي في أنحاء المنطقة".
من جهة ثالثة، تعتبر الوثيقة أن إيران تمثل أولوية كبرى في الاستراتيجية الأطلسية، و"ليس هناك بلد آخر في الشرق الأوسط الكبير يتمتع بإمكانيات لاختراق ديموقراطي أكثر من إيران".
ويؤكد المؤلف، بالارتكاز على الوثيقة، بأن الغرب يحتاج الآن أيضا، وأكثر من أي وقت مضى، إلى تركيا ناجحة وعلمانية وديموقراطية، تقف إلى جانبه كشريك كامل من أجل نشر الديموقراطية في الشرق الأوسط الكبير".
نافدة "قرأت لكم"، 25 مارس 2010