Aller au contenu principal

"صعود المال"

نيال فرغسون، دار بنغوين، لندن، 2009، 448 ص.

نيال فرغسون أستاذ للتاريخ بجامعة هارفارد، كما أنه أستاذ زائر بجامعة أكسفورد، وكذا بجامعة ستانفود، وتحديدا بمعهد هوفر، معقل التواجد الكثيف للفكر الليبيرالي الأمريكي المحافظ، حيث الفكرة الأساس أن الأمبراطورية الأمريكية إنما هي الوريث الطبيعي والحتمي و"الشرعي" للأمبراطورية البريطانية.

ومع أن الكاتب من دعاة الليبيرالية المطلقة، حيث الأسواق الحرة والتمثلية البرلمانية والتوجهات العلمانية الصرفة، إلا أنه يؤكد "عدم قدرة أمريكا ماليا على استدامة وتمويل أجندة أمبريالية واسعة، أو  جدول أعمال أمبريالي..."، لا بل ويقارن وضع أمريكا الحالي بوضع الأمبراطورية العثمانية التي كانت قوة كبرى في وقت ما، لكن ذلك لم يمنع تهاويها بحكم "سوء الإدارة الاقتصادية".

بهذا الكتاب، يركز المؤلف على أطروحة مفادها أن الرأسمالية إنما تمثل منظومة قادرة  على التجدد والاستمرارية، باعتبار احتكامها لنظم وأفكار متطورة.

بالمقابل، فإنه يلاحظ من الناحية العملية، بأن أمريكا ون كانت صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، "إلا أن حكومتها لا تستطيع إلا فعل القليل من أجل الحد من انتقال الثروات من حوض شمال المحيط الأطلسي بضفتيه، إلى حوض غرب المحيط الهادي وشرق آسيا".

إن هذا الكتاب، برأي مؤلفه، إنما هو محاولة لفهم "كيف تكونت ثروة الغرب الحديث من خلال النظام المالي الحديث، وبسببه أيضا"...بالتالي، فإن قوة الرأسمالية باعتقاده، إنما هي من قوتها وقدرتها على خلق الثروة والرقي بمستوى معيشة البشر.

ومع ذلك، فهو يقر بأن الرأسمالية غير كافية في حد ذاتها إذا لم تقترن بنظم ديموقراطية "مؤمنة بالملكية الخاصة، مع وجود البنوك والسندات وأسواق الأسهم والتغطية التأمينية"...وما سواها.

وعليه، فإن المؤلف إنما يركز، في تأريخه لصعود المال والثروة، على مجموعة مكونات للرأسمالية الحديثة والمصالح التي تترتب عنها في الزمن والمكان. ومن أهم هذه المكونات الإطار الفكري العام، ونسقية المذاهب والمبادئ الاقتصادية، وكذا طبيعة السياسات الاقتصادية التي تنبني على ذلك. وعليه أيضا، فإن صعود المال، في ظل كل هذه الحركية، إنما يرجعه الكاتب إلى ستة معطيات أفرد لكل واحد منها فصلا مستقلا:

°- المال والنظام المصرفي

°- سوق السندات والديون الوطنية

°- الشركات الأولى وسوق الأسهم

°- التأمين وإدارة المخاطر

°- الإسكان والممتلكات

°- الانتقال العظيم للثروات من الغرب إلى الشرق

بصلب كل ذلك، يعرض الكاتب لتاريخ المال والائتمان والخدمات المصرفية، وكذا للابتكارات المالية التي طاولت مجالات الإقراض والتمويل والسندات وحقوق ملكية الممتلكات وما سواها، ناهيك عن تعريجه على ما قد يترتب عن استخداماتها من تضخم مالي أو ركود اقتصادي أو غيرها.

إن المؤلف بكل ذلك، إنما يريد توضيح مجموعة مفاهيم وتصورات ثوت خلف تحويل البعد المالي إلى أساس النظام البنكي بمعظم الدول الرأسمالية...ويلاحظ بأن "الممارسات البنكية السليمة...هي الأساس العقلاني وراء تراكم المال وتحويله إلى ثروة".

إلا أنه ينبه إلى احتمالات الكوارث التي قد تكمن في فوضى الائتمان وإصدار سندات بالديون المعدومة، وهو الأمر الذي حقق أرباحا كبرى قبيل فقاعة بداية هذا القرن...إذ توسع أسواق ومؤسسات الإقراض العقاري كان من شأنها خلق فقاعات في الأسواق. بهذه النقطة، يقول الكاتب: إنه "بسبب هشاشة شبكات الأمان ومحدودية نظام الضمان الاجتماعي الأمريكي، تجاوزت مسألة ملكية المنزل كونها حلما أمريكيا سائدا، لتصبح قرارا ماليا عقلانيا، إذ يستطيع مالك المنزل بيعه أو رهنه في أوقات الأزمات للحصول على رأس المال، مع صعوبة البيع أثناء الانكماش الاقتصادي".

ويتابع القول: "لا يدرك أحد بأن الأزمة المالية العالمية الأخيرة هي محصلة إقراض تريليونات الدولارات للمستهلكين الأمريكيين بضمان عقاراتهم، التي أدت إلى تضخم فقاعة أسعارها، قبل أن تنفجر أزمة طاحنة عندما عجز المقترضون عن السداد بسبب محدودية النمو والرواج الاقتصادي في مقابل اتساع الاقتراض بغرض الاستهلاك... وعندما عجز ملايين المستهلكين الأمريكيين عن سداد القروض العقارية بعد ارتفاع أسعار فوائدها، وتضخم فقاعة قطاع الإسكان، أدى عدم السداد لاستنزاف عالمي للمحافظ العقارية".

وعلى هذا الأساس، فبهذا النموذج كما بغيره، يعتقد الكاتب أن تراجع الولايات المتحدة ماليا واقتصاديا، إنما سببه اعتماد الاقتصاد الأمريكي "بشكل مضطرد على زيادة الاستهلاك وتحميل المستهلك أعباء مفرطة. فإنفاق الأمريكيين يتجاوز ناتجهم القومي، وبذلك يرسلون مئات المليارات سنويا للمنتجين الأجانب، الذين يقومون بتدوير دولاراتهم، فيشترون سندات الحكومة الأمريكية". إلا أن هذا الفشل لا يراه المؤلف في طبيعة الرأسمالية، بل في فشل دولة رأسمالية بعينها هي الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يتوقع لها "مستقبلا أكثر قتامة، وأن تخلفها قوة اقتصادية رأسمالية أخرى، كالصين مثلا".

نافذة "قرأت لكم"، 10 فبراير 2011

Vous pouvez partager ce contenu