من الوارد أن ينعقد بنونبر القادم، بولاية ميرلاند الأمريكية، وبعز فصل الخريف، مؤتمر دولي حول السلام بالشرق الأوسط، دعت له الولايات المتحدة الأمريكية، واستدعت لحضوره الفلسطينيين والإسرائيليين، أصحاب المصلحة المباشرين من بين ظهرانيه، كما استدعت له دول الجوار "المؤثرة" بالمنطقة، والدول الكبرى "الفاعلة"، واللجنة الرباعية المكلفة، ومنظمة الأمم المتحدة "المشرفة"...ولا يزال الأمر مثار أخذ ورد (ومزايدة أيضا) بخصوص استدعاء سوريا، إحدى فاعلي المنطقة المركزيين.
لا يدري المرء حقا الغاية الدفينة خلف عقد مؤتمر من هذا القبيل، لم تتحدد بعد مواصفات الوفود المدعوة له، ولا تم حصر جدول أعماله، ولا الاتفاق على المرجعية التي من المفروض أن تؤطر أشغاله وتوجه مؤتمريه، ولا تم، فضلا عن كل ذلك، الاتفاق حول صفة المؤتمر ذاته، أهو لقاء جاد للحسم في قضايا قائمة ومزمنة، أم هو لقاء لإعلان "نوايا"، أم مجرد اجتماع للتصريح ب"تفاهمات" عامة:
+ فالفلسطينيون (ومن ورائهم عرب الجوار)، يتطلعون لأن يترتب عن المؤتمر قرارات محددة، مضبوطة بأجرأة عملية، ومحصورة بمدى زمني يتضمن حلولا لقضايا إقامة الدولة بحدود مسطرة دائمة، وحسما لملفات القدس واللاجئين والحدود والمياه وما سواها. هم لا يتطلعون إلى التزامات مضببة من لدن إسرائيل و"الأسرة الدولية"، وغير متحمسين بالمرة لبيانات قمة غامضة، هلامية، غير ذات مضمون عملي واضح.
+ وإسرائيل، بتنسيق كامل مع أمريكا، تريد من المؤتمر أن يفرز "وثيقة تفاهمات غير ملزمة"، لا ترهنها بالتزامات محددة، ولا تقيد حركتها بمدى زمني، هي بالأصل غير مضطرة للتقيد به. هي، ومن ورائها أمريكا، تريد الجلوس مع كل الأطراف للتداول، مجرد التداول، في إطار "مؤتمر" دولي يراد له أن يكون ضخما، على شاكلة ذاك الذي انعقد ببداية تسعينات القرن الماضي، عندما كانت المنطقة على أبواب حرب مؤكدة.
+ أما سوريا، فترهن حضورها بضرورة تثبيت قضية أراضيها المحتلة ضمن جدول الأعمال، وتشترط الترتيب القبلي الجيد للمؤتمر كي يخرج بقرارات إلزامية، لا بشعارات للاستهلاك، أو ببيانات للترويج الإعلامي الصرف، أو بوعود عامة تخف وطأتها بمجرد انفراط أيام المؤتمر، وعودة كل واحد من حيث أتى.
لكل الأطراف إذن (المؤكد حضورها، كما المتحفظة على الحضور)، لكل منها رهاناته وحساباته، ولكل منها مرجعياته أيضا:
°- فالعرب (فلسطينيين وغير فلسطينيين) يراهنون على إخراج مسودة "المبادرة العربية للسلام" من جديد، مشفوعة بخريطة طريق أمريكية من المتعذر، يقول هؤلاء، إدارة الظهر عنهما أو النزول عن سقفهما في حده الأدنى، أو الاجتهاد من خارجهما لاستنبات مرجعية أخرى لا تأخذهما بعين الاعتبار.
°- وإسرائيل (كما أمريكا سواء بسواء) لا يمانعان في الانطلاق من الوثيقتين، لكنهما يشترطان سيما بالنسبة للوثيقة العربية، طرحها للنقاش، وبالمحصلة إن أمكن، فصلها عن "الملف الفلسطيني"، على الأقل بجانب التطبيع، تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
°- ولأمريكا، بظل كل هذا ولربما باستقلال شبه تام عنه في المظهر، رهاناتها الخفية والمعلنة، هي التي تريد التنفيس عن إخفاقاتها الكبرى بالعراق وأفغانستان، والترتيب لضربة استباقية للمنشآت النووية الإيرانية، بفصل الشتاء القادم حيث يشتد البرد، وتتقلص الحركة، وتنشط الأساطيل من البحر والجو والبر.
بهذه النقطة الأخيرة، أزعم أن توقيت المؤتمر ليس بريئا، ولا هو من باب الصدفة الخالصة، بقدر ما تؤشر غيومه، بصلب الخريف، على اقتراب فصل شتاء ممطر، قد يجرف منسوب المياه بموجبه الأخضر واليابس بالمنطقة.
هي حالة مكرورة لحالات سابقة ثابتة بالتاريخ القريب، مفادها أنه كلما كان العزم قائما لدى الولايات المتحدة (ومعها تأكيدا إسرائيل) للإقدام على عمل بالمنطقة كبير، إلا ومهدت له بمؤتمر يكون مفعوله التخديري مهدئا للنفوس، مطيبا للخواطر، كريما في الوعود، مصحوبا "بمشاريع اقتصادية" مبشرة، وذات "نفع عميم على الجميع".
موهم حتى النخاع بالتالي، من يتصور أن فكرة المؤتمر فكرة مجاز، أو توقيتها توقيت جزاف، فالمضمر خلفه بالقطع أكثر مما يشاع، والخفي في ترتيباته أعظم مما يزعمه هذا الطرف أو ذاك، سيما العرب.
لو تجاوز المرء على ما سبق، وسلم بأن لا أثر لأطروحة المؤامرة من خلف ما جرى ويجري الترتيب له، فإن استشراف نتائج ما قد يترتب عن "اجتماع الخريف"، يبين بالنسبة للفلسطينيين تحديدا، أن المراهنة على الاجتماع إياه مراهنة خاسرة بكل المقاييس:
+ فهم يراهنون على "مؤتمر أنابوليس" لتحسس مدى قبول "المجتمع الدولي" بضرورة انسحاب إسرائيل من أراضي العام 1967، وهم يعلمون بأن إسرائيل ترفض جهارة وبالمعلن، العودة إلى ذات الحدود، لا بل لا تزال تتطاول على ما بقي من أراضي الفلسطينيين عبر المصادرة المباشرة، والتضييق على الجغرافيا بالحواجز وقطع الأوصال، وتوسيع مجال المستوطنات بضفة غربية باتت القرى والمدن الفلسطينية بظلها عبارة عن غيتوهات حقيقية، إذا لم يكن أكثر، ناهيك عن قطاع بات "كيانا معاديا" بكل المقاييس.
+ وهم (أعني الفلسطينيين) يراهنون على ذات المؤتمر، للضغط على إسرائيل بجهة التنازل لهم عن القدس الشرقية، بغرض اتخاذها عاصمة لدولتهم القادمة، في حين هم يدركون جيدا أن دولة إسرائيل ضمت القدس بثمانينات القرن الماضي، واتخذتها "عاصمة أبدية" لها، لا بل إن استطلاعا للرأي مؤخر، أبان بالواضح الصريح أن ما يناهز ال 70 بالمائة من "الشعب الإسرائيلي" ضد تقسيم المدينة، أو اقتسامها مع الفلسطينيين.
+ والفلسطينيون (لو سلمنا بأنهم موحدين، لا متناحرين بحكومتين افتراضيتين) يراهنون على المؤتمر للنظر في قضية عودة اللاجئين، في حين أنهم يعلمون أكثر من غيرهم، أن حكام إسرائيل قبل حاخاماتها، يرفضون ذات العودة، بل يدرجونها ضمن مجال المستحيلات. فوزيرة الخارجية الإسرائيلية تصرح علانية بأن "إسرائيل لن تسمح بأي حال من الأحوال بعودة ولو لاجئ واحد إلى أراضيها، ضمن أي اتفاق"، تماما كما يعتبر شيمون بيريز عودتهم بداية "لنهاية دولة إسرائيل".
ليس من المبالغة حقا القول، بأن كل الأبواب ستكون موصدة بوجه "الوفد الفلسطيني الرسمي"، وأنا مستعد للقول هنا بأن الفلسطينيين لن يتحصلوا بهذا المؤتمر على شيء ذا مضمون، بقدر ما سيدفعون دفعا للتسليم بضغوطات قد ينزلوا بموجبها تحت خط الحد الأدنى المطاق.
بصلب ذلك، لن يجد العرب من بد، وقد سلم الفلسطينيون بالأمر الواقع، لتليين بنود مبادرتهم، ليس فقط في جانبها المرتبط "بالأرض مقابل التطبيع"، بل قد يذهبوا لحد الإقرار بأطروحة "التطبيع مقابل التطبيع"، مقابل عهود يعلمون أنها ستنقض لا محالة.
حينها، وحينها فقط، لن يعود من الأهمية في شيء التساؤل حول جدوى وطبيعة المؤتمر، أهو لإعلان نوايا، أم لإعلان مبادئ غير ملزم، أم للاجتماع والتشاور الخالص.
وحينها أيضا، أي حينما يرحل الخريف، ستكون إسرائيل قد ربحت مزيدا من الوقت لترتيب ما هي قائمة عليه بأرض الواقع، وتكون أمريكا قد انتهت مما هي ناوية عليه بالمنطقة... فيما الباقون لا يزالون تحت مفعول التخدير...تخدير وعود الخريف.
"إنه مؤتمر الخريف حقا"، شبكة الرافدين، 15 أكتوبر 2007. التجديد العربي، 15 أكتوبر 2007. التحالف الوطني العراقي، 16 أكتوبر 2007. جريدة التجديد، الرباط، 18 أكتوبر 2007. القدس العربي، 12 نونبر 2007. المركز الفلسطيني للإعلام، 13 نونبر 2007. أملال أمة، 13 نونبر 2007. صحيفة فلسطين، 14 نونبر 2007. موقع الحكومة الفلسطينية، رام الله، 6 دجنبر 2007.