Aller au contenu principal

بؤس "الأمن الثقافي" العربي

أغلب الظن، أن إسم الباحث المغربي يحيى اليحياوي، أصبح لصيقا بملفات معرفية محددة لا تخرج عن "ثلاثية": العولمة والإعلام والتكنولوجيا، لعل أهمها من وجهة نظرنا كتاب "العولمة والتكنولوجيا والثقافة"، ضيف هذا العمود، حيث سيادة رؤية شبه قاتمة، من التأكيد، مثلا، على أن المدخل العالمثالثي (العربي الإسلامي نموذجا) إلى "تكنولوجيا المعرفة" لا يمكن أن يتحقق إذا أغفلنا النظر على مقدمات جوهرية ثلاث:

- لا مستقبل للعرب من الجزء الأول من القرن الحالي في غياب نظام عربي قيمه الديموقراطية والوحدة واحترام حقوق الإنسان.

- لا مستقبل للعرب في الجزء الثاني من القرن الحالي في غياب رؤية متكاملة وشاملة، وتأخذ بعين الاعتبار وتزكي معادلة العلم والتكنولوجيا والمعرفة.

- ولا مستقبل لنظام إعلامي عربي شامل، وبالتالي لا مستقبل لنظام عربي، في ظل الأوضاع السائدة حاليا.

من الإشارات اللطيفة التي حفل بها هذا المبحث القيم، تأكيد الكاتب على أن أهم مميزات "إعلام النظام العالمي الجديد" الأساسية خضوعه شبه المطلق للمؤسسة العسكرية وللسلطة التنفيذية، كما تم عمليا أثناء حرب الخليج الثانية، وبالتالي تراجعه كسلطة رابعة مستقلة، نزيهة وموضوعية. وميزة هذا الإعلام أيضا تهميشه وتشويهه "المعقلن"، بعد حرب الخليج، لمشاكل وقضايا دول العالم الثالث بصفة.

يستحق الفصل المخصص لما اصطلح عليه المؤلف ب"الأمن الثقافي" وقفة تأمل وموقف إشادة، بحكم كشفه النقاب عن بعض ما يغيب التطرق إليه أثناء الحوارات الثقافية السائدة في وطننا العربي الفسيح على أصحابه، وهذا أمر متوقع بحكم أن نسبة لا بأس بها من هذه الحوارات تأتي استجابة لاستحقاقات ثقافة المجاملة والدعاية وتبادل الخدمات وما شئتم.

حسب اليحياوي، "لا تهتم النخب العالمثالثية بالمسألة الثقافية ولا بالأمن الثقافي إلا في الجانب الذي يمكنها من تصيد الفرص والمناسبات عبر التملق تارة، وعبر النفاق الثقافي تارة أخرى، وهي في ذلك إنما تتجاوب مع أفكار الصفوة الحاكمة". (ص48).

بالطبع لا بد أن تتجاوب مع أفكار الصفوة، فمعلوم أن أي نظام سياسي يفتقد لممارسة شرعية للسلطة، يلجأ إلى سلطات موازية تغطي على هذا النقص، أو تشرعن ببساطة الممارسة السياسية، ومن بين أهم السلط بالنسبة للحالة العربية الإسلامية، السلطة الدينية، ونضيف معها السلطة الثقافية. ومن أجل تحقيق حدودا أدنى من انصياع أهل السلطة الثقافية لأهل السلطة السياسية، وجب تحقيق حدودا أدنى من الأمن الثقافي، الذي لا يصبح، كما يشير إلى ذلك الكاتب، "ذلك التهديد الذي أفرزته ظواهر العولمة والشمولية والثورة التكنولوجية إعلام والاتصال"، بقدر ما يشير إلى التهديد الذي تفرزه أفكار من نسميهم ب"المثقفين المشاغبين"، أو بتعبير آخر، يشير إليه المؤلف هذه المرة، يكمن "الأمن الثقافي في مواجهة كل ما من شأنه المس بالنظام الثقافي القائم بمعاييره ورموزه ومنظوماته".

مقرف للغاية أن تركز أقلام "الاستقلال والوطنية والقومية" على مجابهة غزو الآخر، وأن تصرف النظر عن مجابهة غزو لا يقل خطورة، يمر بالضرورة عبر نقد ممارسات الصفوة الحاكمة ونخبها المثقفة، وهو الأمر الغائب عند أغلب الأقلام العربية، وبالدرجة الأولى الأقلام المنضوية تحت لواء المؤسسات الثقافية، بحكم أن "شرعية" وجودها مرتبطة أصلا برضى صناع القرار السياسي الفوقي والتحتي أي الحزبي التابع لنظام ملكي أو جمهوري أو عسكري..وطالما لم يتم "تخليص الثقافة من ممارسات السياسة وعبث الإيديولوجيا"، فإن الأوضاع الثقافية عموما لن تخرج عن المشهد البائس القائم اليوم، أي المشهد الذي لا يمثل إلا نفسه، بالرغم من تمرير حوارات التجميل والعبث و.. الأمن الثقافي.

والله أعلم.

منتصر حمادة، أسبوعية اللواء، عمان، الأردن، عدد 16 شباط (فبراير) 2005. العدد رقم: 1644

تصدر عن المركز الأردني للدراسات والمعلومات. تأسست سنة 1972

http://www.al-liwa.com/edition/Full/p25.jpg

* "عن بؤس الأمن الثقافي العربي"، جريدة اللواء، يومية، عمان، 16 فبراير 2005.

Vous pouvez partager ce contenu