Aller au contenu principal

"إشكالية الإعلام العربي بالإنترنيت"

news-details

لم يكد عمر شبكة الإنترنيت يبلغ عقده الأول حتى "اكتسحتها" العديد من المنابر الإعلامية (المكتوب منها كما المسموع كما المرئي) كل حسب فلسفته ورؤيته للشبكة والغاية من اللجوء إليها.

والحقيقة أن الثورة الرقمية، التي شهدها قطاع الإعلام والاتصال والمعلومات بداية ثمانينات القرن الماضي، لم تكن فقط خلف خلق لغة مشتركة بين مكونات هذا القطاع (بعدما كان لكل منها لغته ومجاله الطبيعي)، بل ودفعت بجهة دمج ذات المكونات وصهرها لدرجة يتعذر على المرء معها الفصل أو التمييز بين ما هو إعلام خالص وما هو أداة اتصال وتواصل وإخبار.

بالتالي أضحى للكلمة المكتوبة كما للصوت المسموع كما للصورة المرئية...أضحى لها حامل واحد وبنية تحتية واحدة ليس من الهين (اللهم إلا أهل الاختصاص والتخصص) تمييز بعضها عن بعض بحكم تحولها مجتمعة إلى سلسلات متتالية وغير متناهية من الآحاد والأصفار.

يبدو إذن أن ولوج الصحافة (بمختلف روافدها ومكوناتها) لعالم الشبكة لم يكن ولوجا اعتباطيا ولا طفيليا بقدر ما هو طبيعي وإلى حد بعيد مشروع على الأقل بحكم الانتماء إذا لم يكن للشبكة ذاتها فتأكيدا للمجال المشترك القائم بينهما.

ولهذا الاعتبار نجد من بين ظهراني شبكة الإنترنيت ليس فقط منابر في الإعلام مكتوبة (جرائد ومجلات وغيرها)، بل وأيضا منابر للإعلام المسموع (محطات إذاعية) وأخرى مرئية من قنوات أرضية وفضائيات وما سواها.

الصحافة بالشبكة (أو الصحافة الألكترونية مجازا) لا تؤسس إذن لقطيعة في الممارسة الإعلامية بل هي امتداد لها، توسيع لها في الفضاء وفسح في المجال جديد.

بالتالي فإذا ما سلمنا بتحول على هذا المستوى، فهو تحول على مستوى الحامل وعلى مستوى الشكل فيما المضمون والإطار العام بقيا تقريبا كما هما وإلى حد بعيد.

لم يسلم الإعلام العربي من موجة الصحافة الألكترونية (كما لم يسلم من مختلف باقي تداعياتها)، بل ركبها تدريجيا على هدى من هذه الخلفية والتجربة أو تلك:

+ فالعديد من المنابر المطبوعة أقامت لنفسها مواقع بالإنترنيت مضمنة إياها صورة طبق الأصل لصيغتها المكتوبة أو مضيفة إليها بعض الأبواب أو الروابط أو النوادي الحوارية أو ما سواها.

لا تختلف الصيغتان في المضمون إذن أو المادة بقدر ما تكيف الصيغة الورقية شكلا لتقدم على الشبكة بصيغة أقرب إلى طبيعة هذه الأخيرة منها إلى الطبعة الورقية.

+ ثم هناك منابر إعلامية افتراضية تم تصميمها خصيصا للشبكة (أعني استنبتت أصلا بالشبكة) ولا يمكن الاطلاع على مضامينها إلا بولوج مواقعها حيث بإمكان المرء الحصول على نفس المعطيات والمعلومات. لكن ميزتها الأساس كونها خاضعة للتحيين الدوري والمنتظم كلما عن للقائمين عليها أن من الأحداث الجارية ما يفترض إضافته أو تجديد معطياته.

+ وهناك مواقع المحطات الإذاعية والتلفزية التي تقدم بالكلمة والصوت والصورة ما يتسنى لها برمجته للبث مباشرة أو تسجيلا أو ما سوى ذلك. هي مواقع بالصوت والصورة لكن أيضا بالكلمة والمعطى أو ببعض منها.

بالتالي فليس ثمة شكل واحد ولا تصور واحد ولا غاية واحدة من تواجد المنابر إياها بالشبكة. لكن ثمة على الرغم من ذلك ثلاثة دواعي كبرى ومتباينة جعلت الصحافة العربية تلجأ لشبكة الإنترنيت لتفريغ محتوياتها بها أو لاعتمادها كحامل لمعطياتها جملة وتفصيلا:

+ الأول ويكمن في دواعي الإفلات أو الالتفاف على الرقابة التي تلاحق العيد من المنابر أوتضيق عليها لحد المنع في العديد من الحالات.

ولما كانت الشبكة (في الغالب الأعم وليس دائما) عصية على الحصار من لدن هذه الدولة أو تلك ولا سبيل إلى محاصرتها (سيما لو كان المنبر بالمهجر ويوزع بالدول العربية)، فإن حجز الصيغة الورقية لا يمنع المرء من الاطلاع على محتويات العدد موضوع الرقابة أو المنع أو الحجز.

+ الاعتبار الثاني ويتمثل في الكلفة المتواضعة للمنابر المقامة حصرا بالإنترنيت قياسا إلى التكاليف المترتبة عن الطبع والنشر والتوزيع بالصيغة الورقية... ناهيك عن سبل التحيين المستمرة والتي لا تتوفر للطبعة الورقية ذات المواد القارة بالموقع طالما لم يحن موعد الطبعة القادمة... وناهيك أيضا عن موارد الإشهار التي قد تتأتى للمنابر الصحفية النشطة أو موارد المشتركين.

+ أما الاعتبار الثالث فتكمن في قدرة المنبر الإعلامي الألكتروني على تجاوز الجغرافيا وبلوغ فضاءات للقراءة بمختلف بقاع الكون. وهو ما ليس متاحا دائما للصيغة الورقية بحكم محليتها أو تكلفة النقل المترتبة عن التوزيع أو تضييق هذا النظام أو ذاك على عبورها لحدود بلده.

لا ينتابنا شك كبير في أن شبكة الإنترنيت إنما ساهمت وإلى حد كبير في فك الحصار والعزلة عن الصحافة العربية (سيما المطبوع منها محليا وإلى حد ما عالميا). وليس ثمة من شك في أنها خففت عنها مضايقات الرقابة (سيما المنابر الباثة مباشرة عبر الشبكة)، لكنها  تبقى مع ذلك في بداياتها الأولى ومسيرتها عرضة للعديد من الإكراهات الموضوعية بالداخل كما بالخارج على حد سواء:

+ فارتباط الدول العربية بشبكة الإنترنيت لا يزال ضعيفا والبنى التحتية متردية ونسبة ولوجها محصورة في النخب المتعلمة أو التي لها حاجات محددة بالشبكة إياها.

بالتالي فتواجد المنابر بالشبكة يبقى رهينا بمبدأ الارتباط وبمستوى الصبيب المتاح وتوفر الحاجة القبلية إلى هذا النوع من الصحافة.

لا يعني هذا الجزم بأن لا مستقبل للصحافة العربية بالإنترنيت، بقدر ما يعني أن ذات المستقبل رهين بمستقبل الشبكة ذاتها داخل البلدان العربية وبقبول النظم العربية بها وبما يروج بصلبها.

+ ثم أن النسب المتدنية للقراءة بالمنطقة العربية لا تساهم في ترويج المنتوج الصحفي المطبوع فما بالك أن يكون هذا المنتوج ألكترونيا.

لهذا السبب ولغيره ربما تجد نسب تصفح الجرائد العربية بالإنترنيت متدنية ومتواضعة هي الأخرى اللهم إلا بعض المنابر المتواجدة بلندن أو بشمال أمريكا.

+ هذا ناهيك عن طغيان الشفوي من بين ظهراني الإنسان العربي وغياب الثقافة الافتراضية التي هي المدخل إلى القرن الحادي والعشرين.

بالإمكان القول إذن بالمحصلة الأولية (ونحن هنا نعرض لإشكالية ولا نروم التفصيل فيها) إن مستقبل الصحافة الألكترونية بالمنطقة العربية لا يسائل فقط  دور الشبكة ومدى قدرتها على خدمة الصحافة ولكنه يسائل أيضا المطلوب من الشبكة تحديدا...

الشبكة حامل ضمن حوامل أخرى... يبقى على الصحافة أن تحدد ماذا تريد منها وكيف ولأية غايات...

* "إشكالية الإعلام العربي بالإنترنيت"، التجديد العربي، 22 يوليوز 2006.

Vous pouvez partager ce contenu