Aller au contenu principal

التكنولوجيا والديموقراطية وإعلام الإحباط

حدود التكنولوجيا، وتكنولوجيا الغزو اللين، والعرب والتكنولوجيا، تلك هي الأقسام الثلاثة التي يتألف منها كتاب "التكنولوجيا والإعلام والديمقراطية" لمؤلفه الكاتب المغربي يحيى اليحياوي، وفيه يعالج مسألة العلاقة التي تبدو بديهية تماما، رغم ما تحويه من تعقيدات والتباسات حقيقية، بين ظواهر عديدة مثل: التوسع الإعلامي، وسيطرة نظام السوق، وثورة الاتصالات، وانتشار الديمقراطية، وتراجع الأيديولوجيا.

 فحول "السوق والتكنولوجيا" يقول المؤلف في القسم الأول من الكتاب إن الطفرة التي شهدتها مختلف فروع العلم منذ الربع الأخير من القرن العشرين، دللت على أن الإبداع العلمي والتكنولوجي لم يعودا محكومين بمنظومة "البحث من أجل البحث" بل انفتحا على السوق الذي تسنى له اختراق تلك المنظومة وإخضاعها لصيرورته. وفي هذا الخصوص يحدد المؤلف عدة مظاهر لذلك الإخضاع، قائلا إنه من الضرورة بمكان وجود أرضية أخلاقية محددة وصارمة لتنظيم التفاعل بين الاثنين: التكنولوجيا والسوق. أما الواقع فهو أن السوق أًصبح القاطرة التي تقود العولمة، كما باتت التكنولوجيا كذلك، من حيث هي تقنيات وخدمات بالأساس، عرضة هي أيضا للتدويل والعولمة. ويحدد المؤلف مفهومه حول عولمة التكنولوجيا قائلا إنها "تلك العملية الكبرى التي تتم في إطارها عمليات تصميم وتصنيع وإنتاج وتوزيع وإعادة إنتاج السلع التكنولوجية وفق منطق عالمي، تبعا لمقاييس عالمية".

وإذا كان قطاع الاتصالات العالمي، وهو المكون الحامل للعولمة، يشهد أزمة خانقة على مستويات "فوق محلية"، فان هناك كما يقول المؤلف أسباباً رئيسية ثلاثة لتلك الأزمة، أولها شيخوخة هذا القطاع أي كونه وصل مرحلة "الدورة التراجعية الكبرى"، وثانيها التمركز الشديد الذي جعل من الفاعلين الأساسيين في هذا القطاع أباطرة تتجاوز أرقام معاملاتهم الناتج المحلي للعديد من الدول مجتمعة. أما الثالث والأخير فهو هوس أولئك الفاعلين الذين تحالفوا مع مجموعات مصرفية لاقتناء رخص باهظة التكلفة.

ومن لغة الإنترنت أي اللغة الإنجليزية التي لا زالت تسيطر بنسبة 42% على مواقع الشبكة العالمية للمعلومات (الإنترنت) وعلى محركات بحث وخدمات ومخرجات الشبكة، إلى "الأمية التكنولوجية" التي تعني بالأساس "أمية تحول دون إدراك أسرار التكنولوجيا وإدراك الخلفية الثقافية والرمزية التي استنبتتها، وكذلك دون تملكها وتوطينها وتبيئتها"، بل نزيد بالقول إنها تمثل حاجزا دون الإفادة من ثمار الإعلام والتكنولوجيا والديمقراطية. فالتكنولوجيا تحمل إمكانيات مهمة لتوسيع حق التعبير وحرية الاتصال ونشر الأخبار وزيادة التغطية الإعلامية، لذلك تعني "الديمقراطية الإلكترونية"، كما يشرحها الكتاب، "توظيف الأدوات التكنولوجية، إما بغرض تجديد الممارسة الديمقراطية لجهة توسيع فضائها، أو على خلفية من ضرورة إعادة تشكيل قواعد اللعبة القائمة عليها".

 لكن رغم ذلك التحديد لا يميل المؤلف إلى "ربط الديمقراطية بتقنية أو تذييلها بمستجد تكنولوجي"، فالإنترنت مثلا بقدر ما هي أداة تواصل وحوار ومجال لحرية التعبير، هي كذلك "أداة مراقبة وتجسس على مراسلات الأفراد وتراسلهم". وفي هذا الخصوص يشير يحيى اليحياوي إلى ثلاثة تحديات كبرى طالما جسدتها التكنولوجيا في وجه الديمقراطية: أولها يتمثل في خاصية الاستقلال التي يتمتع بها الجانب العلمي في العملية التكنولوجية، والثاني يكمن في استئثار أصحاب المال والأعمال بمختبرات البحث العلمي ومصانع التطوير التكنولوجي وتطبيقاته، أما الثالث فيتمثل في التوظيف المتزايد من جانب الدولة ومؤسسات أخرى للتطورات التكنولوجية بغرض التضييق على حريات الأفراد والجماعات. بل أكثر من ذلك فإن ثورة الاتصالات بما أنتجته من تقنيات وبرامج وأدوات ومضامين وبنى تحتية، تشير إلى أيديولوجيا تسعى نحو توحيد الأفراد والجماعات ونفي التباين، تلك هي "أيديولوجيا الاتصال" بوصفها رافدا من روافد الأيديولوجيا الليبرالية السائدة.

ويعود المؤلف إلى مطلع التسعينيات، عندما اقتضت إقامة نظام عالمي جديد ضرورة إنشاء نظام إعلامي عالمي قائم على حرية التدفقات والانسياب الحر للمعلومات دون عوائق أو حدود، غير أنه بسبب تهميش الولايات المتحدة لهذا الموقف إثر أحداث 11 سبتمبر والتطورات التي أعقبتها، لم تعد ثمة قيمة تذكر لمبدأ "التدفقات الإعلامية الحرة" كعصب أساسي لبناء أي نظام إعلامي عالمي. ومن هنا يرى المؤلف لماذا لم يستطع الإعلام الغربي قراءة أحداث نيويورك وواشنطن من "زاوية كونها رد فعل على سياسات دائمة أفرزها الفكر الإستراتيجي الأميركي والغربي بوجه عام"، بل إن ذلك الإعلام "لم يفتأ يؤجج المشاعر ويستنفر الوجوه والأقلام ضد المرجعية التي تمت على هديها أحداث 11 سبتمبر".

وهو الأمر الذي يدفع بالمؤلف إلى القول إن الممارسات الأميركية ضد بلدان وجهات مختلفة منذ بداية التسعينيات، إنما تمت في "غفلة" مقصودة من جانب وسائل إعلام الولايات المتحدة المنتشرة، ومن ثم فإنه في حالات أفغانستان والعراق وليبيا والسودان، كان الأمر يتعلق فعلا بحروب إعلامية "تستهدف في شكلها استئصال جذور الإرهاب، بينما هي في التصور وفي الجوهر، حروب حضارية بامتياز".

 فكيف كان دور الإعلام العربي في ذلك الخضم؟ يقول المؤلف عنه إنه مثل النظام العربي الرسمي؛ مبني على القطرية ومتمحور حول القيادة القائمة، ولا يعير اهتماما لمقولة الرأي العام أو لمبدأ "نسبة المشاهد". أما بعد أحداث 11 سبتمبر فإن هذا الإعلام "لم تتكرس لديه خاصية الانهزامية فحسب، بل تعدى ذلك إلى اعتماد خطاب يدفع بقابلية الانهزام إلى أبعد مدى"، بل يقرر المؤلف أن "الإعلام العربي إعلام إحباط"، وتلك "حالة نفسية يراد تكريسها وإعادة إنتاجها". لكنه يلاحظ أن وجود إعلام حر دليل على وجود الديمقراطية التي هي مفتقدة في ظل إهدار كرامة الفرد والجماعة وعدم القدرة على صونهما من مفاعيل الضيم والاستبداد.

ويناقش المؤلف نموذجا للمواجهة الإعلامية ممثلا في "الفضائية الإسرائيلية" الناطقة باللغة العربية، قائلا إنها جزء من مشروع قائم يعمل ببنوده في السر والعلن؛ "إنها جزء من مخطط إعلامي واسع تكفلت القنوات العالمية الكبرى بتجذيره في الغرب وتعمل القناة الإسرائيلية على ضمان امتداده إلى الوطن العربي". وعلى الجانب الآخر، يقيم "قناة الجزيرة على محك المقاطعة"، قائلا إنه بغض النظر عن الخلفيات الضمنية والجلية الكامنة وراء إنشائها، ورغم نقائصها ومكامن أخطائها، فهي "تبقى على الرغم من كل هذا وذاك نقطة ضوء بارزة لا مجال للالتفاف عليها أيا تكن زاوية التقييم المعتمدة".

وأخيرا فإن هذا الكتاب الذي جاء خاليا من الأرقام والبيانات الإحصائية، رغم أن طبيعة موضوعه تتطلب ذلك بالضرورة، أوشك أن يقع في محاذير ومربعات سيئة السمعة، كنظرية المؤامرة واستسهال المعاداة المجانية لأميركا في قضايا كثيرة
.


محمد ولد المنى، جريدة "الاتحاد" الإماراتية، يومية، 30 غشت 2004.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكتاب:
أوراق في التكنولوجيا والإعلام والديمقراطية

المؤلف: يحيى اليحياوي

الناشر: دار الطليعة

تاريخ النشر: 2004

 

Vous pouvez partager ce contenu