Aller au contenu principal

"منظومة الإنترنيت"

news-details

"منظومة الإنترنيت"

1- في الإنترنيت كتنظيم شبكي

في الجزء الأول من ثلاثيته الضخمة عن "عصر المعلومات"(1) يقول عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاسطيل متحدثا عن الشبكات: "إن الشبكات تكون المرفولوجية الجديدة للمجتمعات ومنطق الربط الشبكي غدا محددا جوهريا لمسلسلات الإنتاج والتجارب والسلطة والثقافة...لكن المستجد اليوم حقيقة أن تكنولوجيا المعلومات منحت هذه الأخيرة قاعدة الامتداد إلى المجتمع برمته"(2).

صحيح، يوضح كاسطيل، في مبحث آخر، "أن الشبكة ليست تنظيما جديدا، إنها قديمة قدم الإنسان، لكنها كانت وبكل الأزمنة، مستباحة من لدن التنظيم الهرمي للسلطة وللإنتاج ومقتصرة على الحياة الخاصة"، أما اليوم، يتابع كاسطيل، فقد مثل "ظهور الإنترنيت وشبكات الاتصالات فرصة كبيرة للانتقال من المجتمع الهرمي إلى المجتمع الشبكي" (3).

وعلى هذا الأساس، فإن دفع شبكة الإنترنيت بهذا الانتقال شكلا وبالجوهر، لا تكمن فقط في طبيعة بنائه التكنولوجي التي خولت له ذات الميزة (والامتياز أيضا)، ولكن أيضا وبالأساس في مرونة بنيته الثقافية التي وفرت له البيئة ووسعت من مجال فعله وتفاعله مع مستويات الاقتصاد والسياسة والمجتمع وما سواها.

أن يجزم المرء من البدء أن الإنترنيت إنما هو أصلا وبامتياز تنظيم شبكي ليس معناه فقط تحبيذ الطابع التقني الذي يحكم تمفصلاته الكبرى في بداياتها الأولى، ولا تقديم المنظومة المؤسساتية الثاوية خلفه قياسا إلى ما سواها من منظومات، ولكن أيضا التركيز على الصفة الملازمة له كونه كان ناديا للنخبة لم يبلغ صفة الجماهيرية إلا متأخرا.

والواقع أنه أيما تكن زاوية الرؤية المعتمدة لدراسة شبكة الإنترنيت في بعدها التقني الخالص، فإنه لا يمكن التجاوز على حقيقة أن الشبكة إياها إنما هي ملتقى ثلاثة عوالم لطالما تراصت الحدود فيما بينها وتباينت وظائفها وتنافرت مكوناتها (4).

وتلاقي عوالم الاتصالات والمعلوماتية والسمعي/البصري الفاسح في المجال لنشوء الإنترنيت (بكل أجياله) لم يكن له ليتكرس ويتداخل لدرجة الاندغام لولا "الثورة الرقمية" التي أفرزت معيارا موحدا (لغة واحدة يقول البعض) من شأنها توحيد كل أشكال التعبير المتوفرة نصا كانت أم صوتا أم صورة (5) وهو ما لم يكن، من ذي قبل، ممكنا ولا متاحا في غياب لغة التواصل هاته أو انحسار مداها على قطاع (المعلوماتية تحديدا) دون ما سواه من قطاعات أخرى.

بالمقابل (أو في صلب كل ذلك)، لم يكن بإمكان الرقمنة وحدها أن تدفع بمد التلاقي هذا إلى حدوده القصوى لا سيما بالوجود المتزايد لأحجام ضخمة من المعلومات المرقمنة تزداد الحاجة في خضمها إلى تقنيات ضغط فعالة وصبيب للإرسال واسع.

ومعنى هذا أنه من المتعذر حقا لدرجة الاستحالة نقل  وتخزين وإرسال وتوزيع المعلومات المرقمنة إذا لم تتوفر الأدوات والتقنيات التي من شأنها التقليص من حجمها، وهو ما صممت لغايته "تقنيات ضغط المعلومات" (6). إذ بفضلها يتم تقليص حجم المعلومات عبر ضغطها عند الإرسال ويزاح الضغط عند نقطة البلوغ فستسترجع المعطيات صورتها الأصل أي كما كانت عند الإرسال دون ما يترتب عن ذلك ضعف أو بتر أو تشويش.

وعلى الرغم من تسارع وتيرة تلاقي العوالم الثلاثة بداية ثمانينات القرن الماضي، فإنها قد تزامنت أيضا وبالأساس مع ظاهرتين تقنيتين عميقتين كان لهما وقع كبير على مسار وطبيعة الإنترنيت:

+ الأولى وتخص الطفرة الكبرى التي طاولت قطاع المعلوماتية وتحديدا في الجانب المتعلق بالتزايد غير المسبوق في قدرات تخزين المعطيات والسرعة الهائلة في معالجة ذات المعطيات زمنا وفي المكان.

والسر في ذلك لا يتأتى فقط من بروز الأفراص المدمجة ذات قدرات التخزين العالية (7) ولا من المرونة التي تتمتع بها لدى الاستخدام، ولكن أيضا من التطور المذهل في ذاكرة الحواسيب والتي كان من شأنها الرفع من قدرة هذه الأخيرة على معالجة المعلومات (8) بمستويات قياسية وفي مدة زمنية لا تتعدى العقدين.

+ أما الظاهرة التقنية الثانية فتتعلق بالحركية الكبرى التي عرفها قطاعي الاتصالات والسمعي-البصري امتدادا أو تزامنا، وإن بوتيرة تطور أقل، لما عرفه قطاع المعلوماتية.

والواقع أن الرقمنة، التي استنبتها قطاع المعلوماتية من بين ظهرانيه، لم تفتأ تطاول شبكات الاتصالات المرقمنة مبدلات وأجهزة إرسال وكذا الشبكات التلفزية المتاحة عبر كوابل الألياف البصرية أوالموفرة عبر السواتل أو ما سواها من أعتدة وأدوات (9).

نحن إذن، بالظاهرة الأولى كما بالثانية، إنما بإزاء تحول جذري في طبيعة العلاقات التي كانت سائدة إلى حين عهد قريب بين القطاعات الثلاثة والتي ساهمت في تقاربها تقنيات الرقمنة والبرامج المعلوماتية وتطور ذاكرات الحواسيب وما سواها...لدرجة قد يزعم معها المرء أننا سنكون بمحصلة التطور التكنولوجي بإزاء قطاع واحد موحد وبإزاء جهاز واحد يوفر الكلمة المكتوبة والصوت المسموع والصورة المرئية بتفاعلية كبيرة دونما حاجة لاستمرار الهاتف والتلفاز والحاسوب متفرقين كل يعمل في فضائه ويبذر الجهد والمال فيما قد يكون مشتركا أو منسقا.

يقول آلن تورك في هذا الشأن: "إن هذا الفضاء التكنولوجي المتسارع التطور إنما يتميز بالتداخل المتزايد لمختلف أشكال الاتصال سواء تعلق الأمر بالمعلوماتية أو بالاتصالات أو بالسمعي-البصري أو بحوامل الإرسال... وسواء تعلق الأمر بالشبكة الهاتفية، بالكابل، بالشبكات الهرتزية أو بالألياف البصرية. توحيد مكونات مجتمع المعلومات المختلفة هاته إنما يجد تبريره ومحدده المادي كونها (المكونات) تترجم بواسطة لغة موحدة، لغة الرقمنة" (10).

ويتابع، متحدثا عن آفاق توحيد الجهاز: "إن التوجه بجهة جهاز واحد يجمع وظائف الهاتف والتلفزة والقناة الإذاعية والحاسوب أمر وارد سيما بالنسبة للمستهلك الذي سيجد نفسه، في سياق فضاء التعقيد المتزايد، بإزاء آلة جامعة توفر البلوغ لكل وظائف مجتمع المعلومات، لكنها مثالية في الوقت الراهن حتى وإن كانت قائمة على المستوى الثنائي أي اندماج إثنين بانفصال والآخر (الحاسوب والتلفاز مثلا)" (11).

ولئن كان اندماج الأقطاب التكنولوجية الكبرى في واحد منها (على الأقل بزاوية الجهاز) أمر غير قائم بداية هذا القرن، فإن ذات الاندماج أضحى (بجانب الوظائف على الأقل) قائما مع بروز الإنترنيت وتحديدا مع تمحور كل أشكال الاتصال حول جهاز الحاسوب الذي هو "مصب" الإنترنيت النهائي.

من غير المبالغ فيه إذن أن يحمل الإنترنيت منذ بداياته الأولى وإلى اليوم أيضا، مسمى "شبكة الشبكات" باعتباره نظاما فيدراليا لشبكات مختلفة ومتباينة وليس بأي حال من الأحوال شبكة موحدة أو مصممة على هذه الخلفية.

يقول تورك بهذه النقطة: "إن ظاهرة الإنترنيت باستخدامها لكل أنواع الحوامل، إنما كانت المؤشر لظهور نظام موحد للمعلومات" (12) كمعطى جديد لكنه يعبر في الصميم، عن واقع قديم قائم.

2- الإنترنيت أو "الشبكة/الجرم"

لا يدخل ضمن مجال اشتغالنا تاريخ التقنيات حتى نسوغ هنا للحديث عن تاريخ الإنترنيت أو عن تاريخ التقنيات التي أرست له البنية وحددت له البنيان والتوجه.

لكن استبعاد زاوية النظر هاته لا تعفي إطلاقا من التذكير بالطبيعة العسكرية التي ثوت خلف نشوء الإنترنيت والخاصية الأمنية التي ميزته بعمق إذا لم يكن بمجمل تاريخه فعلى الأقل بسنين عمره الأولى.

والواقع أن ظهور الإنترنيت إنما يعود إلى أواخر ستينات القرن الماضي حين عمدت وزارة الدفاع الأمريكية إلى وضع شبكة تكون وظيفتها ربط كل الهيئات والمؤسسات العاملة في ظلها أو المتعاملة معها.

وعلى هذه الخلفية برزت للوجود "الأربنيت" (13) باعتبارها نمط ارتباط الشبكات والحواسيب فيما بينها يجعل الشبكة في مأمن عن كل أذى قد يطاولها أو يطاول جزءا منها سيما في حالة أي مواجهة عسكرية محتملة مع الغريم النووي الأول الذي كان حينها الاتحاد السوفياتي (14).

وعلى هذه الخلفية أيضا صممت بروتوكولات تنقل المعلومات داخل هذه الشبكات (بالأساس منظومة ط.سي.ب-إ.ب) ووضعت آليات مراقبة الشبكات إياها بغرض حصر التبادل فيما بين المستوى العسكري أو الدائر في فلكه.

الإنترينت إذن إبن المؤسسة العسكرية بامتياز، لكنه بالتحديد إبن الباحثين في تكنولوجيا المعلومات بصلبها من أساتذة جامعات وعاملين بالمعاهد المتخصصة و"مكتشفين- هواة" يشتغلون على البرامج المعلوماتية ويعملون على تطوير نجاعتها ومرونتها في التواصل مع ما سواها من شبكات فرعية.

بالتالي، فالصيغة التي نرى عليها الإنترنيت حاليا إنما هي نتاج مجهودات هؤلاء، سيما الذين نجحوا، بداية تسعينات القرن الماضي، في وضع أسس "الوورلد وايد ويب" (الويب) الذي أخرج الإنترنيت من فضائه المحلي الضيق وفسح له في المجال للانتشار على المستوى العالمي.

والويب، وإن قام على إخراجه باحث من المركز الأوروبي للأبحاث في فيزياء الطاقة العالية بجنيف، فهو لا يخرج عن كونه يندرج في إطار "تقاليد الأفكار والمشاريع التقنية التي عملت، على مدى نصف قرن، على محاولة ربط مصادر المعلومات عن طريق المعلوماتية التفاعلية" (15) وعلى نطاق واسع. وهو ما ساهم وإلى حد بعيد في تجريد الإنترنيت عمليا من الخاصية العسكرية التي لازمت نشأته (16) وسقوطه التدريجي في الميدان العام بين يدي أفراد ومجموعات يتبادلون المعطيات عبر آلاف الشبكات المعلوماتية ودونما اكتراث بطبيعة الشبكة/الأصل.

بالتالي أضحى الإنترنيت، منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، شبكة مخوصصة مفتوحة البنية التقنية  بالإمكان ارتباط كل شبكات الحواسيب بها. وأضحى بإمكان الويب الاشتغال بواسطة برمجيات ملائمة والعديد من أدوات الإبحار أضحت متاحة للجمهور الواسع.

يقول كاسطيل بهذه النقطة: "إذا كان خبراء العلوم المعلوماتية قد بدأوا التفكير في الإنترنيت بداية عقد التسعينات، وإذا كانت شبكة لتواصل الحواسيب قد صممت في السنة 1969، وإذا كانت المجموعات المعلوماتية التفاعلية قد بدأت تتأسس منذ نهاية عقد السبعينات بالنسبة للأفراد العاديين، بالنسبة للمقاولات وبالنسبة للمجتمع عامة، فإن الإنترنيت قد ولد سنة 1995. لكنه ولد وهو حامل لبصمة تاريخه" (17).

الإنترنيت إذن انتقل من فضاء إلى فضاء آخر، لكن ذات الانتقال لم يكن له ليتم إلا عبر ثلاثة "مركبات" تساوقت مجتمعة لإفرازه:

+ مركب العلوم الصلبة المرتكزة على المشاريع التقنية الكبرى، المدعومة بالميزانيات الضخمة والمرتكزة على مصادر التمويل العمومية.

+ مركب البحوث التكنولوجية العسكرية التي وفرت للباحثين والخبراء سبل الاشتغال على خلفية من الإيمان بأن اشتغالهم لن يترتب عنه إلا ما يفيد مباشرة أو بالتأثير غير المباشر.

+ ومركب "الثقافة التحررية" التي تمنح الأفراد وحركية السوق سبل العمل والإبداع والتطوير والمنافسة دونما إكراه مؤسساتي أو تضييق من لدن هذه الجهة أو تلك.

وعلى هذا الأساس، فإن وزارة الدفاع الأمريكية عندما أنشأت هيئة "الأربا" فإنها قامت في الوقت ذاته على تمويل البحوث وتوجيهها، لكنها تركت لها حرية الاشتغال. وهو ما جعلها رائدة في مجال مهمتها وأيضا في مجالات الإبداع التكنولوجي الأخرى على اعتبار أن ما قد لا يفيد المؤسسة العسكرية مباشرة سيكون حتما إفادة للاقتصاد والمجتمع والبحث العلمي وما سواها.

ولهذا الاعتبار ولغيره دون أدنى شك، كان الإنترنيت بمثابة الجرم الذي دارت في فلكه (منذ البدء) المؤسسة العسكرية  كما المراكز الجامعية  كما معاهد البحوث العلمية والتكنولوجية ولم يتخلف عنها إلا عالم الأعمال حيث كانت الشركات الكبرى محافظة في استراتيجياتها الصناعية والمالية وغير مستعدة لاستثمار الرساميل والأدمغة لدعم "التكنولوجيات الواعدة".

يقول كاسطيل في هذا الشأن: "إن الإبداعات التكنولوجية الكبرى التي أتت بالإنترنيت قد تم وضعها من لدن مؤسسات الدولة والجامعات الكبرى ومراكز البحث العمومية. الإنترنيت لم يولد في أحضان عالم المال بحكم  تكنولوجياه الجريئة وكلفة المشروع التي تجعل من المجازفة حقا ولوجها من لدن منظمات ذات أهداف ربحية" (18).

ولما جاء الإنترنيت من رحم الدولة وروافدها، فقد حمل حتما ثقافة المرفق العام ولم يكن احتكارا لجهة محددة وهو ما ساهم إلى حد كبير في تكريس خاصية الانفتاح بصلبه وجعله يتجه تدريجيا بجهة الكونية.

3- ثقافة الإنترنيت

جل النظم التكنولوجية (أو لنقل معظمها على الأقل) هي نتاج مجتمع ونتاج حراك اجتماعي ومحصلة صيرورة اجتماعية تتراكم في ظلها أو تتجاوز لكنها تبقى محكومة بسياق اجتماعي محدد.

ولما كانت النظم إياها كذلك، فهي بشكل من الأشكال إفراز حركية ثقافية تفعل في ذات النظم وتتفاعل معها في الزمن والمكان.

لا تخرج منظومة الإنترنيت عن هذه القاعدة، إذ ثقافة هذه المنظومة إنما هي ثقافة منتجيها، المصممين لها، الثاوين خلفها.

والمقصود بالثقافة هنا لا تعني الإيديولوجيا أو التصور الفردي الخاص، بقدر ما تعني مجموع القيم والتمثلات الحاكمة للسلوك والتي تخلق (بحكم التكرار) العادات التي تعمل المؤسسات والتنظيمات على ضمان احترامها. إنها، في حالة الإنترنيت، "البناء الجماعي الواعي الذي يتجاوز التموجات الخاصة ويؤثر في الممارسات الفردية" (19).

وعلى هذا الأساس، فإن ثقافة الإنترنيت إنما تأتت كبناء من تظافر أربعة أركان كان لكل منها وظيفته حتى بتباين نسب المساهمة في ذات البناء:

+ أما الركن الأول فيتمثل في ثقافة الاستحقاق التكنولوجي (20) والتي حملت لواءها النخب التقنية الوافدة من فضاءي التعليم العالي والبحث العلمي والتي تعتبر منبع الإنترنيت بامتياز كونها تؤمن بالعلم والتكنولوجيا وتعتبر تطورهما "غاية في حد ذاته بحكم كونهما مكونا أساسيا لنهضة الإنسانية".

بالتالي، فإن القيم التقليدية لعالم المعرفة إنما تم استثمارها في مشروع الإنترنيت الذي يتغيأ "إقامة وإشاعة نظام في الاتصال الألكتروني على المستوى الكوني (على مستوى الكوسموس في المستقبل) يجمع الحواسيب وبني البشر في إطار علاقة حميمية وبتطور متزايد".

نحن إذن هنا إنما بإزاء رؤية تقنية متمحورة حول مجموعة قيم أهمها:

°- أن الاكتشاف التكنولوجي هو القيمة الأسمى باعتبار الاكتشاف ذاك الإبداع المرتبط بالبرمجة المعلوماتية في محيط شبكي.

°- أن أهمية الاكتشاف تتأتى من مساهمته في مجموع المجال ليس فقط بالجانب المعرفي والنظري الخالص، بل أساسا بجانب المعرفة التطبيقية التي تحمل تحسينات ما للنظام برمته (شبكات الاتصال عبر الحواسيب أو تطوير نمط استغلال محدد).

°- كل اكتشاف لا تحدد قيمته إلا بعد تقييم "جماعة الأكفاء" التي لا تكتسب العضوية بها إلا بالمصداقية ومستوى المساهمة في المشروع.

°- كل المشاريع والعمليات توزع من لدن أفراد ذوو سلطة وسلطان بالميدان ويتمتعون فوق كل ذلك باعتراف العلماء والباحثين وبثقتهم.

°- كي يتسنى للمرء أن يكون عضوا محترما بالجماعة (وذو سلطة معنوية بداخلها) فإنه مطالب بالانصياع لقواعد محددة لعل أسماها عدم مجاراة غاياته الخاصة اللهم إلا ما يضمن له بالشبكة تطوير معارفه وكفاءاته.

°- أن الأساس في المنهجية برمتها إنما ينبني على حرية تواصل البرامج والتحسينات المتأتية من العمل الشبكي. ليس الحرية فحسب، بل وكذلك انفتاح العلماء على بعضهم البعض ونشر مساهماتهم حتى تتسنى لها عملية التقييم وتحديد مدى أهميتها وعطائها.

وبناء على مجموعة القيم هاته، فإن القائم حقا أن ثقافة الإنترنيت إنما تأتت بالأساس من أروقة الجامعات ومختبرات البحوث الدائرة في فلكها بهذه الطريقة أو تلك.

+ أما الركن الثاني فقوامه "ثقافة الهاكيرز" التي استنبتت الطفرات التكنولوجية عبر التعاون والتواصل الحر وأيضا كونها العماد الذي بفضله تروج معارف الركن الأول لتبلغ المجال التجاري خاصة والمجال الاقتصادي بوجه عام.

هم ليسوا قراصنة بالمعنى المعلوماتي للكلمة، بل مجموعة خبراء في تصميم البرامج وهيكلة الشبكات تجمعهم قيم ومعتقدات إحدى سماتها الكبرى الاستقلالية عن أهداف المؤسسات والمقاولات والاعتماد على شبكة الحواسيب "كقاعدة مادية وتكنولوجية لهذه الاستقلالية".

بالتالي، فإذا كان الإنترنيت هو صنيعة صفوة النخبة العلمية والمعرفية، فإن ثقافة الهاكيرز هي التي دفعت به صوبا إلى الأمام بفضل خاصية التفاعلية التي روجتها بداخله.

إن العنصر الجامع لثقافة الهاكيرز إنما عنصر الحرية الذي بمقتضاه تستنبت المعارف، يتم تملكها وتوزيعها أيا ما يكون شكلها أو القناة المقتنية لها.

وعلى هذا الأساس، فالهاكيرز لا يتطلع (عبر هذا المبدأ) إلى تصميم برنامج معلوماتي وإقحامه بشبكة الإنترنيت بغرض الربح المادي الصرف فحسب، بل وكذلك من أجل تحصيل غنيمة معنوية ورمزية ليس أدناها "الاعتراف بالعبقرية" أو "القدرة على الإبداع" أو "التطلع إلى بلوغ مجمع الكفاءات" أو ما سوى ذلك (21).

+ الركن الثالث متمحور حول "الجماعات الافتراضية" التي تعتبر إحدى المصادر الثقافية لشبكة الإنترنيت. إذ إذا كان الهاكيرز قد استطاعوا طبع القواعد التكنولوجية للإنترنيت بطابعهم الخاص، فإن ثقافة الجماعة الافتراضية قد استطاعت تحديد أشكالها ومناهجها وكذا الاستخدامات الاجتماعية المترتبة عنها على اعتبار كونها تدفع بمنطق التواصل الأفقي الذي من شأنه أن يطاول الحقل الاجتماعي برمته.

هنا أيضا، كما بالركن الثاني، تعتبر حرية التعبير المصدر الأساسي لعمل هذه الجماعات سيما في فترات تعملق وسائل الإعلام وتزايد الرقابة الممارسة من لدن الدول والحكومات وما سواها.

وهو أمر بالإمكان تفهمه، إذ النجاح الجماهيري الذي بلغته شبكة المنتيل بفرنسا مثلا لم يكن له ليتحقق لولا "ثقافة الرسائل الوردية" التي فسحت له في المجال واسعا أمام الانتشار والذيوع (22).

+ أما الركن الرابع فيكمن في الدور المركزي الذي لعبته ثقافة المقاولين لإخراج شبكة الإنترنيت من المحيط المغلق للخبراء والجماعات إلى محيط المجتمع...أو لنقل إلى محيطه الاقتصادي والتجاري.

وثقافة المقاولين المتحدث فيها هنا إنما تلك التي تجمع حولها (بالسليكون فالي مثلا)  مجموعة من المقاولين اقتحموا ميدان تكنولوجيا الإعلام والاتصال (والإنترنيت تحديدا) محتكمين إلى أفكار، متشبعين بثقافة المجازفة ولا يحتكمون إلى رساميل مادية لاستثمارها مباشرة.

هم أفراد ومجموعات صغيرة توفرت لديها القدرة والذكاء لتحويل الأفكار إلى آلات لتفريخ الأرباح وهو ما كان خلف قطاع الإنترنيت بالعديد من دول العالم وبالغرب الأمريكي منذ البداية.

يقول كاسطيل بهذا الصدد: "إن ثقافة المقاول هي قبل كل شيء ثقافة المال، المال بأحجام ضخمة تسوغ لكل المجهودات، لكنها أيضا ثقافة العمل، العمل المرضي في الغالب الأعم. أي أنها ثقافة مصحوبة بحياة خاصة فقيرة حيث العائلة والزوجان هبة هذا الركض المستمر وبلا هوادة من أجل التكنولوجيا والمال والسلطة" (23).

ما ثقافة الإنترنيت إذن بالبناء على ما سبق من حديث؟

+ إنها، في قمة الهرم، ثقافة التميز والامتياز العلمي والتكنولوجي المتأتية أساسا من العلوم الصلبة ومن الفضاءات الجامعية. إنها تعمل في استقلالية تامة، لكنها رهينة "جماعة الأكفاء" التي تمنحها المصداقية وتضفي عليها الشرعية.

+ وهي، بعد ذلك، ثقافة الهاكيرز التي تقوت بفضلها جماعة العارفين وخلصت الإنترنيت من إكراهات السلط القائمة. إنها ثقافة أولئك الذين ينادون بالحرية كقيمة مطلقة سيما حريتهم في بلوغ التكنولوجيا وتوظيفها بالطريقة التي تعن لهم.

+ وهي، بالوسط، ثقافة "الشبكات الاجتماعية" التي تملكت شبكات المعلوماتية فكونت بفضل ذلك جماعات افتراضية فسحت في المجال لانتشار الاستخدامات الاجتماعية للتقنية.

هي جماعات تمثلت القيم التكنولوجية لصفوة النخبة، اشتركت في مبادئ الحرية والتواصل الأفقي والتفاعلية التي تميز جماعة الهاكيرز، لكنها دفعت باستعمالات التقنية إلى فضاء المجتمع اقتناعا منها بأن لا قيمة لمبدأ "التكنولوجيا من أجل التكنولوجيا" أو التكنولوجيا بغرض التكنولوجيا.

+ وهي، بالأخير، ثقافة المقاولين المهووسين بالإبداعات التكنولوجية، بابتكار أشكال اجتماعية جديدة، بتوسيع مجال استعمال الإنترنيت إلى الكون برمته عوض أن يبقى حكرا على جماعات محصورة ومغلقة.

هذه إذن هي ثقافة الإنترنيت التي يقول عنها كاسطيل: هي "ثقافة مبنية على إيمان النخبة العلمية بدور التكنولوجيا في النهضة الإنسانية، مجسدة من لدن جماعات الهاكيرز، متشبعة بحرية الإبداع التكنولوجي، مندمجة في إطار شبكات افتراضية تتغيأ إعادة اكتشاف المجتمع ومكرسة بأرض الواقع من لدن مقاولين أشداء حافزهم الأساس الربح في إطار الآليات الخاصة للاقتصاد الجديد....إنها ثقافة منظومة الإنترنيت".

هوامش

(1)- تحت عنوان جامع ("عصر المعلومات") أصدر مانويل كاسطيل ثلاثيته على الشكل التالي كما ترجمت إلى الفرنسية عن منشورات فايار:

+ «La société en réseaux» , Ed. Fayard, Paris, 1998.

+ «Le pouvoir de l’identité», Ed. Fayard, Paris, 1999.

+ «Fin de millénaire», Ed. Fayard, Paris, 1999.

(2)- Castells. M, «La société en réseaux», Ed. Fayard, Paris, 1998.

(3)- Castells. M, «La galaxie internet», Ed. Fayard, Paris, 2001.

(4)- أنظر في تفاصيل هذه النقطة:

El Yahyaoui. Yahya, «Les télécommunications à l’épreuve des mutations : Etat, monopole, déréglementation et concurrence», Ed. Okad, Rabat, 1995.

(5)- تكون المعلومة رقمية أو مرقمنة عندما تترجم في شكل وحدات (تسمى بايت) لا تأخذ إلا قيمة 0 و 1 والتي تعبر عن مرور أو انقطاع التيار الكهربائي واضعة بذلك لخطاب جديد بمقدور الحاسوب فهمه. بالتالي، فمنسوب المعلومة المرقمنة يقاس بحجم الوحدات المعلوماتية (البايتس) المرسلة في الثانية، فنتحدث عن الكيلوبايت بالنسبة لآلاف البتات والميغابايتس بالنسبة للمليون منها والجيغابايتس عندما يتعلق الأمر بملايير البايتات في الثانية.

راجع للمزيد من المعلومات في هذه الأمر سيما فيما يتعلق بمنسوب المعلومات المتاحة:

Théry. G, «Les autoroutes de l’information», La Documentation Française, Paris, 1994.

(6)- تقنيات ضغط المعلومات هي برمجيات معلوماتية الغرض منها تبسيط وانتقاء الإشارات المعبرة عن المعلومات المتكررة والمستهلكة والتي ترسل بانتظام ضعيف وليس كل المعطيات. بمعنى أن هذه التقنيات من شأنها تحرير فضاءات للإرسال وتمكين إرسال المعطى بدقة وبمستوى من الجودة عاليا كما هو الحال مع التلفزة أو مع البث الإذاعي.

وبمعنى أيضا أنه إذا كان النظام التشابهي لا يضمن وصول الإشارة إلا بصورة طبق الأصل لما كانت عليه عند إرسالها، فإن النظام الرقمي (نقيضه المطلق) يمنح ذات الإشارة الدقة ويوفر لها الجودة عند الاسترجاع.

(7)- بإمكان قرص مدمج عادي أن يحوي حوالي 600 مليون حرف أو ما يناهز 250 ألف صفحة مكتوبة...وبإمكان الأقراص المتطورة (د.ف.د) أن تخزن ما يناهز 17 مليار حرف ناهيك عن سبل المرونة المتاحة فيما يخص الكتابة عليها أو محوها بغرض استغلال آخر.

(8)- وفق قانون مور فإن ذاكرة الحاسوب تتضاعف بانتظام كل ثمانية عشر أشهر.

(9)- راجع في التفاصيل:

El Yahyaoui. Yahya, «Les télécommunications à l’épreuve des mutations… », Ouv. Précité.

(10)- Turk. A et Alii, «L’entrée dans la société de l’information», Rapport d’information n° 436, Sénat (France), Paris, 1996-1997.

(11)- Turk. A et Alii, «L’entrée dans la société de l’information», Rapport. Précité.

(12)- Turk. A et Alii, «L’entrée dans la société de l’information», Rapport. Précité.

(13)- سميت الأربنيت احتكاما إلى الوكالة التي قامت عليها أي وكالة مشاريع البحث المتقدمة.

(14)- التنظيم الشبكي الذي اعتمدته وزارة الدفاع الأمريكية في هذه المرحلة يعتبر الرديف الألكتروني للمناورة الماوية (نسبة إلى ماو تسي تونغ) التي لجأت إلى تشتيت قوى العصابات على مساحات شاسعة كي يكون بمقدورها مواجهة قوى العدو بمرونة أكبر وبمعرفة للجغرافيا دقيقة.

(15)- يتعلق الأمر بالمبرمج الإنجليزي تايم بورنرلي الذي كان له الفضل في تصميم تطبيقات الويب.

(16)- على الرغم من كون الأربنيت نتاج وزارة الدفاع الأمريكية، فإن الاستخدامات العسكرية الخالصة له كانت ثانوية سيما في ظل تراجع مد "الحرب الباردة" التي كانت خلف تأجيج المخاوف من إمكانية استهداف المصادر المعلوماتية التي تعتبرها الإدارة الأمريكية استراتيجية.

(17)- Castells. M, «La galaxie internet », Ouv. Précité.

(18)- Castells. M, «La galaxie internet », Ouv. Précité.

(19)- Castells. M, «La galaxie internet », Ouv. Précité.

(20)- La culture techno-méritocratique

(21)- أنظر للمزيد من التحاليل:

Lévy. S, « Hackers, heroes of the computer revolution », New York, Penguin-USA, 2001.

(22)- أنظر في التفاصيل:

Schuter. D, «New community networks, wired for change», Addison Wesley, 1996.

(23)- Castells. M, «La galaxie internet», Ouv. Précité.

 

جريدة "رؤى"، دورية، العدد الرابع، طنجة، 15 يونيو 2005.

Vous pouvez partager ce contenu