1- لن نجانب الصواب (أو هكذا يخال لنا على الأقل) لو صنفنا المنابر الإعلامية بالمغرب بكل أشكالها وأنواعها وأطيافها (وعلى خلفية من مبدأ الاستقلالية) إلى صنفين مركزيين اثنين:
- صنف المنابر غير المستقلة التي لا تتباهى بمبدأ الاستقلالية أو تتعاطى "للعمل الإعلامي" تمثلا لاعتباراته أو احتكاما إلى "إكراهاته".
- وصنف المنابر التي تدعي لنفسها الاستقلالية خطابا ولا تخضع لها في الأداء وعلى مستوى الممارسة.
يهون الاستخلاص ويسهل الاستنتاج من هنا إن نحن سلمنا (ولو مؤقتا) بذات التصنيف:
+ فالمشهد السمعي-البصري (إذاعة وتلفزيونا) حكر على الدولة تمويلا وتسييرا وتصورا. بالتالي فمن باب تحصيل الحاصل القول بلااستقلالية ذات المشهد وارتهان هويته بقوة القانون و بحكم الأمر الواقع.
+ والصحافة المكتوبة (يوميات وأسبوعيات) تنطق، في الغالب الأعم منها، باسم أحزاب أو منظمات سياسية أو جمعيات وطنية وجهوية لا تطرح إشكالية الاستقلالية لا من الأمام ولا من الخلف على اعتبار التحامها والهيئة القائمة عليها فلسفة وتدبيرا.
+ ووكالة الأنباء، كما المعهد العالي للإعلام والاتصال، كما المركز السينمائي، كما مطابع الأنباء كما غيرها، هي جزء من قطاع وزاري تتحكم الدولة في هياكل تنظيمه ومصادر تمويله وطبيعة الأطر القائمة عليه...ولئن منحت لبعضهم صفة الشخصية المعنوية والاستقلال المالي، فهي تبقى محكومة في صيرورتها بقرارات تتجاوزها وتتعدى "الامتيازات" الممنوحة لها.
وعلى هذا الأساس، فلااستقلالية تذكر للمنابر الإعلامية بالمغرب إلا بإعمال مبدأي التجاوز المجرد والادعاء الأجوف (الشكلي لا غير أعني)، ولئن تم لبعضها (المنابر أقصد) أن تتغيأ الاستقلالية في الفعل، فمن باب التطلع والطموح في أحسن الأحوال.
2- لا يعني مبدأ الاستقلالية المتحدث فيه هنا انغلاق ذات المنابر أو تقوقعها على نفسها أو انحسارها في ذاتها (على خلفية من اعتبار المبدأ إياه غاية في حد ذاته)، ولكننا نعني به ثلاثة أمور نخالها أساسية:
- الأول ويتمثل (في أفق تكريس مبدأ وطموح السلطة الرابعة) في فك الارتباط المادي و "الروحي" الذي يربط العديد من المنابر الإعلامية بمراكز السلطة السياسية حكومة وأحزابا ومنظمات.
ومعنى هذا أنه لن يكون لمبدأ السلطة الرابعة المروج له بانتظام، لن يكون له من قيمة ولا من مصداقية إذا بقيت المنابر إياها ناطقا رسميا للدولة أو للأحزاب أو للمنظمات أو بوقا مكبرا لإيديولوجيا الدولة، لطروحات الأحزاب أو لخطابات المنظمات.
إذا كانت الغاية المرجوة، نهاية المطاف، هي "علمنة الإعلام" كي يصبح سلطة موازية لباقي السلط (بما فيها السلطة السياسية والقضائية) فلن يكون ثمة من بد من فك الارتباط العضوي القائم حالا بين العديد من منابر الإعلام و"السلطة" (الرمزي منها والمادي) التي لا وجود لذات المنابر في غيابها ولا حياة.
- الثاني ويكمن (في أفق تكريس دولة الحق والقانون المموسط له خطابا منذ مدة) في " تحرير" العديد من منابر الصحافة والرأي من ضغوطات ومضايقات لوبيات المصالح الاقتصادية التي غالبا ما تجد في الوسيلة الإعلامية أداة "لشرعنتها" أو لتبييض الممارسات اللاقانونية التي تقوم بها، أو لتزيين صورة ذات اللوبيات عندما تتكشف تجاوزاتها وتنكشف سلوكاتها في العلن.
لا يطال التلميح هنا لوبيات مصالح كبرى أقامت لنفسها منابر في الإعلام (المكتوب أساسا) بغرض تجميل وجهها (تقربا أو عند اقتراب غنائم رمزية كالانتخابات مثلا)، ولكن أيضا إلى حروب الامتيازات الإشهارية التي لا حياة للعديد من المنابر بدون الحصول عليها واستمرار وتيرة صبيبها.
لا يقتصر الإشكال هنا في استقطاب وصلات أو صفحات لإشهار سلعة أو خدمة، بل يتعداه إلى " بناء مركب" يصبح المنبر بموجبه (بصرف النظر عن استمرارية الإشهار من عدم استمراريته) يصبح ناطقا رسميا باسم الجهة (صاحبة الإشهار) لا حديث عنها و لا تعليق يخصها إلا بالإيجاب.
لا مجال هنا لإعمال مبدأ الاستقلالية أو فرضيتها حتى، إذ يتماهى المنبر، نهاية المطاف، في الجهة التي هي داعمه وولية نعمته بامتياز.
- أما الأمر الثالث (في إشكالية الاستقلالية الإعلامية بالمغرب) فيتعلق ببعض المنابر (الأسبوعية منها بالأساس) التي تدعي لنفسها "الاستقلالية" عن مراكز النفوذ القائمة، لكنها في الغالب الأعم، تستفيد من طابع "الجرأة" الذي تدعيه لتستفز "تاريخا نائما" يضمن لها نشره (أو التهديد بنشره) إشهارا مجانا ونسبة مقروئية محترمة تفتح لها أبواب المزايدة إلى ما لا نهاية.
ليس عيبا (بل من المطلوب والمشروع أيضا) أن تتجرأ بعض من المنابر الإعلامية على فتح صفحات من تاريخ المغرب (على أساس من التصريحات أو الاعترافات أو نشر بعض من المذكرات أو ما سوى ذلك)، لكن العيب (كل العيب فيما نتصور) أن تلجأ المنابر إياها إلى اعتماد ذلك كأسلوب لتصفية حسابات أو لتأجيج فتن أو لمجرد الادعاء أن لها الجرأة (و"الاستقلالية") لفتح ملفات شائكة ليس من المضمون في شيء أن لها تبعات إيجابية أو مؤتمنة انعكاساتها على حاضر المغرب ومستقبله.
قد يؤمن المرء دونما مواربة بضرورة نبش ملفات تاريخ المغرب الحديث أو قضاياه المعاصرة (سيان في ذلك إن قامت على ذلك منابر إعلامية "جريئة" ومتسرعة أم مراكز أكاديمية لا تقل عنها جرأة لكنها متأنية)، لكن ذات المرء لا يستطيع التسليم بالمرة بأن إثارة ملف أو فتح قضية هو براء من أغراض أو بعيد عن أهداف وحسابات. بالتالي، فلئن استقام الحق (حق ذات المنابر) للحديث في ذات الأمور، فإنه لن يستقيم في نظر من يبحث في نزاهة ذات المنبر أو استقلاليته.
وتفسير ذلك، في اعتقادنا، أن الاستقلالية (ادعاؤها أقصد) هو بالمحصلة النهائية تعبير عن موقف (سياسي أو فكري) قد لا يكون بالضرورة مستقلا أو ذو أهداف ومرامي مستقلة، إذ الجرأة في إثارة إشكال أو فتح ملف ليست بالضرورة من النزاهة ولا من الاستقلالية.
3- الحاصل إذن أن الاستقلالية (الادعاء بها على الأقل) لا يجب أن تكون هدفا في حد ذاتها (أو اعتمادها كأداة ووظيفة) بقدر ما يجب اعتمادها كوسيلة للدفع بمبدأ (مبدأ تكريس الإعلام كسلطة رابعة) أو لتقديم حق (الحق في دولة حق وقانون) دونما مزايدة على رأي أو استصدار لحق أو استهتار بمكتسب.
بالتالي فليس من التجاوز في شيء (ولا من العيب أيضا) أن يعبر منبر عن رأي أو أن يتبنى موقفا، لكنه مطالب (بحكم الانتماء) لأن يكون ناطقا باسمه لا ناطقا باسم غيره...وإن صادف أن يكون "ناطقا" باسم ذات الغير، فيجب أن يكون ذلك بالصدفة الخالصة لا على خلفية من التبني الضمني.
قد يعذر في هذا المقام صحفي أفصح عن موقف أو أبان عن قناعة كلفته محاسبات جمة، وقد يعذر أكثر إن استتب له إجماع زملائه، لكنه لن يشفع له عذر ولن تطلب له شفاعة إن ثبتت عليه رشوة إعلامية ما أو مصادرة لرأي يتبناه لكنه يتهاوى أمام إكراهات من ذات الجهة أو ضغوطات من تلك.
لا يتعلق الأمر، في هذه النقطة بالذات، بخطوط حمراء (سياسية أو إعلامية أو غيرها) بقدر ما يتعلق بأخلاقيات مهنة (مؤدية بالضرورة لاستقلاليتها) قد تزايد عليها بعض المنابر (لربما جل المنابر بالمغرب) لكنها (أعني الأخلاقيات) قد تجعل من "أخلاقيات" ذات المنبر أخلاقياتها تماما كما قد يصبح التهافت وراء الولاء والإشهار أخلاقا.
بالتالي، فإذا كان مبدأ الاستقلالية (استقلالية المنابر الإعلامية بالمغرب) هو المحك السائد اعتبارا للضغوطات والإكراهات القائمة، فإن المحك الحقيقي (الحالي والمستقبلي بالأساس) إنما يكمن في المصداقية، مصداقية ذات المنابر إزاء نفسها وإزاء الجماهير التي هي مادتها ومقياس استقلاليتها.
* "عن استقلالية الإعلام بالمغرب"، جريدة العلم، 22 شتنبر 2002 ، جريدة النهار، اسبوعية، الرباط، 15 غشت 2003.