Aller au contenu principal

"انعكاسات العولمة على الوطن العربي"

وليد عبد الحي، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2011، 119 ص.

1- ينطلق المؤلف من فرضية جوهرية مؤداها أنه مفاده أنه كلما تزايدت الروابط "العضوية" بين الدول والمجتمعات العربية مع الدول والمجتمعات غير العربية، كلما تراخت الروابط "الآلية" بين العرب، ليفتح ذلك مجالا أوسع للتفكك والذوبان في أنساق غير عربية.

ويلاحظ الكاتب، بالبناء على بعض النماذج الاقتصادية المتوفرة، أنه وإن كان المؤشر السياسي هو الأكثر وضوحا وضغطا بين مؤشرات العولمة في الوطن العربي، فإن الدول العربية تحتل مع ذلك، مواقع جد متأخرة بالقياس إلى المؤشرات الأخرى، لا سيما مؤشرات  الاقتصاد والاجتماع والبيئة وما سواها.

ويزعم المؤلف أن إخضاع البلدان العربية لأنماط النمذجة أمر متعذر للغاية، ليس فقط بسبب الفوضى وعدم الاستقرار الذي يطبع مؤشرات البيئة العربية، ولكن أيضا لأن " أغلب الفرضيات التي تنطبق بمستوى أو آخر في الدول الأخرى، لا نجدها في الدول العربية قابلة للتطبيق. فالدول الأكثر غنى هي الأكثر تخلفا والأقل تحررا سياسيا ولو في الحدود الدنيا، ولا علاقة بين التعليم وبين مستوى تمكين المرأة. فبعض الدول الأقل في مستويات التعليم، هي الأكثر تمكيناً للمرأة، بل إن الأحزاب المحافظة الدينية فيها تمكين للمرأة أكثر من الأحزاب العلمانية بأطيافها المختلفة…".

من جهة أخرى، لا يتوانى المؤلف في مطالبة دول المنطقة العربية على التكيف، والبحث عن أنجع السبل "للانخراط في العولمة، والتقليل من سيئاتها، والإفادة من حسناتها بأكبر قدر ممكن".

ويرى الكاتب، بامتداد لذلك، أن محاولة كل دولة عربية الاندماج لوحدها في مسلسلات العولمة، ليس خيارا صائبا، معتبرا أن التكامل بين هذه الدول هو الكفيل بضمان اندماج سليم، لأنه سيكون مرتكزا على مقومات أكبر وميزات أقوى. وهو ما لا يبدو له بالوقت الحاضر، قياسا إلى سلوك كل دولة من هذه الدول العربية.

 يقول الكاتب: بخصوص ظاهرة العولمة: "لما كان من غير الممكن لدولة معينة، أو لنظام إقليمي معين، أن ينعزل عن بقية الدول والأقاليم، نظرا للتشابك الهائل في وظائف مختلف الأنساق في المجتمع الدولي، وأعمالها، ولما كانت إحدى سمات العصر الحالي هي سرعة انتقال آثار الحركة في جزء من المجتمع الدولي إلى بقية المناطق، مع التطور التكنولوجي في كافة مناحي الحياة، فإن العولمة باعتبارها عملية تاريخية، لن تتوقف وقد تعرف تلكؤا أو تذبذبا بين الحين والآخر، لتعاود الاستمرار من جديد".

ومع ذلك، يتابع الباحث، فإنه "على المنطقة العربية أن تبحث عن أنسب السبل للانخراط في العولمة، بشكل يعظم من مكاسبها ويقلص من مثالبها... ولعل الاستراتيجية الأنسب هي ضرورة إدراك أن المواجهة الفردية من لدن كل دولة عربية لتيارات العولمة، تمثل الخيار الأسوأ، إذ أن أنسب السبل هو التكامل الإقليمي، لانتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب، عبر المفاوضات المختلفة مع المؤسسات الدولية المتنوعة".

2- إن التحدي الحقيقي بوجه هذه الدول، يزعم المؤلف، يكمن في القدرة على مزاوجة التغير مع التكيف. إذ الأزمة الحالية بنظره، إنما هي متأتية من طبيعة التفاعلات الدولية، التي تشتغل وفق إيقاع يتسم "بسرعة من ناحية وتسارع من ناحية أخرى، أي أن الفاصل الزمني بين وقوع الأحداث في كافة الجوانب، يتقلص باستمرار، وأن هذا الفاصل لا يسمح بترتيب رد الفعل عليه".

ولعل البعد التكنولوجي هو المتغير المركزي الذي يميز كلا من ظاهرتي السرعة والتسارع، فأصبح التغير في مختلف البنيات يتدفق كالتالي:

°- تغيرات كمية تتمثل في التحولات التي تطال الأسعار، وكميات اللع وعدد الفضائيات والصحف، والمعطيات العلمية المتدفقة من هنا ومن هناك.

°- متغيرات نوعية، وتتمثل براية، في أنماط اللباس والمعمار والسلع والأسلحة والتغيرات المناخية والبيئية.

°- متغيرات "مستمرة"، وهي التغيرات "التي لا تتوقف، مثل الزيادة السكانية، أو المعرفة العلمية، أو انتقال الأفراد والسلع والأموال.. الخ.

°- متغيرات غير مستمرة، مثل الحروب والتغييرات المفاجئة في المجالات السياسية والاقتصادية والتحالفات الاستراتيجية...الخ.

 بالتالي، فلمواجهة هذه التغييرات، يغدو المطلوب من الدولة كما من المجتمع، التكيف معها لكي لا يضطرب أي منهما".

 في هذه الحالة، يقدم المؤلف مجموعة احتمالات: "أن تغلب الدولة المطالب الخارجية (مطالب العولمة أو النظام العالمي أو النظام الدولي) على المطالب الداخلية (التي يطلبها المجتمع المحلي من دولته). فالدولة قد تجد نفسها مطالبة من صندوق النقد الدولي، تخفيض قيمة عملتها، أو يطالبها البنك الدولي بدفع فوائد قروضه لها، أو تطالبها منظمة التجارة العالمية بفتح أسواقها، وتخفيض قيمة جماركها..الخ. وفي الوقت نفسه، قد يطالبها المجتمع بتوفير فرص عمل جديدة، أو زيادة الدعم لسلع معينة، أو تخفيف الضرائب ...الخ".

ولما كانت العديد من الدول عاجزة عن المطالب الداخلية والخارجية، فإنه عليها ن تلبي إحداهما، لتواجه الضغوط من الجانب الآخر. وقد لاحظنا أن أغلب الدول العربية، التي استجابت لمطالب البنك الدولي، عرفت اضطرابات سياسية في حينها".

كما أن الدولة قد تلجأ لمقاومة المطالب الخارجية لصالح تلبية المطالب الداخلية، من خلال "رفض الاستجابة لسياسات دولية معينة، نظرا لمعارضة المجتمع لهذه التوجهات، وهو ما قد يدفع الدولة لمواجهة ضغوط القوى الدولية بالوسائل الاقتصادية والسياسية والعسكرية أحيانا".

بالتالي، فإن الدولة "مضطرة إما للإذعان للقوى الدولية، مع كل ما يفرزه ذلك من مشاكل داخلية، أو مقاومة الضغوط الخارجية، مع كل ما يترتب على ذلك من مخاطر خاصة، إذ قدرات الدول الكبرى تكاد تكون غير محدودة".

ويخلص الكاتب إلى أن المخرج السليم لهذه الدول إنما يكمن في التعاون والتكامل العربيين، لأن من شأن ذلك أن يقلص الفجوة بين التغير المطلوب وإيقاع التكيف الزاحف. وهو ما لا يتراءى له بالسياسات المعتمدة بالعديد من الدول العربية، حيث تدني آليات التكيف، وضعف القدرة على مجاراة التسارع في التغير، "مما ينتج فجوة بين التغير والتكيف، الأمر الذي يفسر الانهيار الذي يصيب أغلب الدول العربية بين الحين والآخر".

نافذة "قرأت لكم"، 21 أبريل 2011

Vous pouvez partager ce contenu