Aller au contenu principal

"اقتصاد المعرفة والهوة الترابية"

news-details

هناك توضيحان أساسيان إثنان لا بد من سياقهما، بداية هذا المقال، على الأقل من باب الاستهلال:

+ الأول (مرتبط بطرف عنوان هذا النص الأول...اقتصاد المعرفة) ويتمثل في الاعتقاد (اعتقادنا الخاص على الأقل) بأنه من غير المؤكد أن نجد تقابلا من نوع ما بين عبارة اقتصاد المعرفة وعبارة مجتمع المعرفة حتى وإن تسنى للثانية أن تجد لها بعض عناصر التقابل مع مصطلح مجتمع الإعلام الرائج بقوة منذ ما عرفه العالم من موجات التحرير واللاتقنين والخوصصة سادت وبقوة سنين العقدين الأخيرين من القرن الماضي.

والواقع أن المعلومة الخام، غير المهيكلة والتي بالإمكان إعادة إنتاجها عبر عملية بسيطة من الاستنساخ رائجة لا يمكنها أن تسمو إلى مرتبة المعرفة (فما بالك بالثقافة) إلا من خلال عملية طويلة من الاختمار ومجهودات كبرى في النمذجة ومسلسل طويل من التملك من لدن الأفراد كما من لدن الجماعات.

وإذا لم يكن في هذا القول من لدننا تلميحا ما إلى وجود سيرورة خطية محددة الخلفية والمرجعية لذلك، فإن الثابت حقا أن الانتقال من عبارتي اقتصاد الإعلام واقتصاد المعرفة إلى عبارتي مجتمع الإعلام ومجتمع المعرفة إنما يدلل على أن المقصود هنا تحديدا إنما يتعدى البعد الاقتصادي الخالص ليطاول التنظيم المجتمعي العام والذي تتحدد مفاصله بمركزية الإعلام والمعرفة في ذات التنظيم مظهرا كما في الجوهر.

المسألة مرتبطة إذن بدرجة التملك ومستوى القدرة على التعلم.

+أما التوضيح الثاني فيتعلق بعبارة الهوة الترابية التي آثرناها طرفا ثانيا لمعادلة هذا النص.

وإذا لم يكن من نصيب هذه العبارة-الظاهرة أن تلقى من الدراسات ما حازته مثيلات لها كالهوة الرقمية مثلا، فليس فقط لكونها معقدة وناظمة لأكثر من مستوى ولكن أيضا لأنها تختزل في صلبها مجموعة من القضايا والسياسات تبدو مختلفة في شكلها إذا لم تكن متناقضة في طبيعتها كما في الأهداف.

وعلى الرغم من ذلك، فإن العبارة إنما تترجم في الغالب الأعم للتخوف الكبير من تزايد اللاتوازنات الجوهرية الناتجة عن التكريس المستمر والمتزايد لاقتصادات ومجتمعات أضحت في طريقها للارتكاز على إنتاج المعلومة والمعرفة وتخزينهما واستغلالهما وتبادلهما في الزمن كما في المكان.

والحقيقة أن الحديث في ظاهرة الهوة الترابية (والهوة الرقمية بوجه عام) على ضوء مصطلح اقتصاد المعرفة (أو الاقتصاد المبني على المعرفة) إنما يثير بعضا من الملاحظات والكثير من التحفظات:

+ الأولى وتتمثل في اعتقادنا بأنه، على الأقل قياسا إلى الثقافة أوالفكر، فإن المعرفة ليست مستوى محددا بالإمكان التطلع إلى  بلوغه أو إدراكه، إنه طريق طويل وبناء دائم وبحث مستمر... إنه تموقع، تقول اليونسكو، " في حدود المجهول" اللامتناهي.

+ الملاحظة الثانية وتكمن في التساؤل التالي: هل التطلع إلى بناء اقتصادات معرفة أو مجتمعات معرفة... هل له حقا معنى محددا في الوقت الذي نجد أن التاريخ (ولربما أيضا الأنتروبولوجيا) يشير إلى أنه منذ الأزل، كانت المجتمعات (كل بطريقتها) مجتمعات معرفة بامتياز؟

التوكيد على هذه الحقيقة إنما هو، حقيقة الأمر، من التوكيد على قناعة قائمة ومتوافق بشأنها مفادها أن الفرق الأساس بين عصر ما قبل التاريخ والمرحلة الراهنة إنما يرتبط تحديدا بتعدد حوامل إنتاج واستغلال وتخزين وإرسال وتوزيع المعلومات والمعارف....يرتبط بالسرعة التي تتم بها هذه العمليات في الزمن كما في المكان، ويرتبط بالتقدم المضطرد لما يمكن تسميته "جماهيرية البلوغ" قياسا إلى عهود ومراحل خلت سادت فيها وفي ظلها ثقافة النخبة وسلوكات الكتمان.

+ الملاحظة الثالثة وتتمثل في القول بأنه إذا كانت عبارة مجتمع المعرفة السائدة حاليا تعبير عن واقع تعدد الحوامل والبنى والأدوات، فإن ذلك لا ينفي أن ذات المجتمع لا يختلف عما سبقه من مجتمعات إلا بهذا الجانب وليس بجانب المضامين والمحتويات.

وعلى هذا الأساس فإن الذي يميز حقا مجتمعات المعرفة الحالية عما سبقها من مجتمعات إنما القدرة (وتوفر الأدوات) على ترميز المعلومات والمعارف وتخزينها بفضل التحولات الكبرى التي حملتها تكنولوجيا الإعلام والاتصال ووفرتها الشبكات والتطبيقات المتعددة والمختلفة التي ترتبت عن ذلك في الشكل كما في الجوهر.

من المجانب للتحليل الموضوعي إذن أن يلتف المرء على هذه المعطيات أو يقفز على الأبعاد التي من الوارد أن تكون خلفها حالا كما في المآل.

ولهذه الاعتبارات (ولغيرها دون شك) فإن الحركية الحالية لما اعتيد على تسميته باقتصاد المعرفة ليست بالمحصلة إلا حركية التفاعل العميقة بين التوجه بجهة تزايد حصة رأس المال اللامادي (من كفاءات وموارد بشرية وبحث وتطوير وتكوين مستمر وغيرها) من جهة،  والانتشار الواسع لتكنولوجيا الإعلام والاتصال الجديدة بالاقتصاد كما بالهياكل الإنتاجية كما بطرق التنظيم كما بغيرها من جهة أخرى. الأولى تترجم لبروز وتكريس مفهوم "الاقتصاد الجديد" (أو ما اعتيد على تسميته كذلك منذ مدة)، والثانية تشهد على الفلسفة والطبيعة الثاوية خلف توزيع الأعتدة والتقنيات بين الفضاءات وداخل المجالات.

بالتالي، فعلى خلفية من طبيعة وفلسفة توزيع ذات الأعتدة والتقنيات (في إطار الملك العام المشترك أو المرفق العمومي أو ما سوى ذلك) يتحدد مفهوم الهوة الترابية وينتظم مجال فعلها العام.

والحقيقة أن القول بهذا إنما هو بالمحصلة من القول بأربع قضايا كبرى أساسية مرتبط بعضها بالبعض الآخر:

+ الأولى وتنطلق من مسلمة أن تكنولوجيا الإعلام والاتصال إنما هي صلب مجتمعات المعرفة (أو المجتمعات المبنية على المعرفة)، وبناء عليه فإن هناك حتما علاقات ارتباط وتداخل بين هذه التكنولوجيا وبين واقع الحال الذي تتوخى عبارة الهوة الترابية ترجمته.

لكن،  بصرف النظر عن التأثير (القائم أو المحتمل) لتكنولوجيا الإعلام والاتصال الجديدة على المجال الترابي وعلى هيكلية ذات المجال، فإن الثابت بالملاحظة حقا أن الهوة الترابية إنما هي ظاهرة  سابقة على الموجة الحالية لذات التكنولوجيا.

ومعنى هذا أنه إذا كانت هناك هوة ترابية بين الجهات أو داخل كل جهة من الجهات، فإن المسؤولية في ذلك لا يجب حصرها في  تكنولوجيا الإعلام والاتصال حتى وإن كان لهذه الأخيرة  أن تساهم في تعميق ذات الهوة أو توسع من فضائها.

ومعناه أيضا أن جهة المساءلة هنا إنما يجب أن تنحو بناحية السياسات العمومية وسياسات إعداد التراب الوطني واستراتيجيات السلطات العمومية التي تتغيأ إدماج هذا الجزء من المجال أو ذاك، استبعاد هذا الجزء من الفضاء أو ذاك.

بالتالي فالذي من المفروض مساءلته بهذه الحالة إنما سياسات توزيع الأنشطة المرتكزة على المعرفة، على الإبداع، على البحث العلمي والتقني وعلى سياسات إنتاج المجال وليس هذه المستويات في حد ذاتها.

بالتالي، فكل الإشكالية متمحورة (أو من المفروض محورتها) حول معرفة إلى أي حد بإمكان موجة تكنولوجية قائمة أو قادمة إفراز تحولات في اللاتوازن السوسيواقتصادي والسوسيوديموغرافي والمجالي في قاريته كما في حركيته؟

+ القضية الثانية وتكمن في القول بأنه في خضم اقتصاد المعرفة المتزايد المد والوتيرة، فإن الهوة الترابية لا تبدو مستقلة الذات... هي امتداد لهوات أخرى (اقتصادية واجتماعية وثقافية) لا تمثل الأولى (الترابية أعني) إلا امتدادا لها على المستوى المجالي.

بالتالي فالهوة الترابية، من زاوية تكنولوجيا الإعلام والاتصال، لا تعدو سوى كونها امتدادا للهوة الرقمية التي تقسم المجال بين أطراف  جيدة التجهيز وأطراف لا أثر للتجهيز بداخلها. بهذه النقطة أيضا فإن الذي من المفروض مساءلته إنما طبيعة السياسات العمومية والترابية المعتمدة وليس تكنولوجيا الإعلام والاتصال في حد ذاتها.

+ الملاحظة الثالثة وتكمن في أنه كلما كان هناك حديث عن الهوة الترابية (أو الرقمية) بارتباط واقتصاد المعرفة إلا وتم التركيز في إطارها على إشكالية البلوغ والارتباط بالشبكات. وهي إشكالية محورية دون شك لكنها غير كافية ما لم تتزاوج بإشكالية التملك والاستعمال... المحيلة حتما على المضامين والمحتويات.

بالتالي، فالمطلوب إلحاحا إنما تجاوز مسألة البلوغ والارتباط لفائدة مسألتي التملك والاستعمال باعتبارهما تدليلا على حركية الهوة الترابية وعدم قاريتها في الزمن  والمكان.

+ الملاحظة الرابعة ونوردها بصيغة التساؤل: في زمن "انتصار" الشبكات والتقدم المستمر بجهة بناء مجتمعات معرفية، من من المستويات القائمة يجب مساءلته، هل الدولة أم الجماعات الترابية أم القطاع الخاص أم المنظمات غير الحكومية أم ما سواهم مجتمعين؟ قد لا يتعذر الجواب كثيرا في حالة الدول المتقدمة حيث المجتمعات المعرفية في طريقها إلى التكريس باستمرار وقواعد اللعبة محددة إلى حد بعيد، أما بالنسبة للعالم الثالث فإن تضييق الهوة الترابية (والرقمية عموما) لا يفكر فيه إطلاقا في طغيان الهوات الأخرى التي لا تعتبر الهوة الترابية في خضمها إلا عنصرا من العناصر ليس إلا...

جريدة العلم، 2 شتنبر 2004 

 

Vous pouvez partager ce contenu