Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي لجريدة الشروق عن واقع القراءة والكتاب بالمغرب: "العطب بنيوي والعلاج يجب أن يكون كذلك"

على إثر اجتماع أعضاء مجموعة العمل، خلال شهر نونبر الجاري، لتدارس الخطة الوطنية للكتاب والقراءة، صرحت وزيرة الثقافة أن وضعية الكتاب والقراءة، تعيش أزمة تتطلب تشخيصا دقيقا للوضع، بحثا عن حلول ناجعة لإخراج هذا القطاع من الإكراهات والصعوبات التي يواجهها، وذلك بإشراك جميع المعنيين والفاعلين من كتاب وناشرين ومجتمع مدني لبلورة هذه الخطة. ومن بين أعضاء مجموعة العمل هاته، كان لنا لقاء بالأستاذ يحيى اليحياوي للوقوف على حقيقة الوضع.

الشروق: يتذمر أغلب المهتمين بالشأن الثقافي، من الحال التي أصبح عليها الكتاب والقراءة بالمغرب. ما هي رؤيتك لواقع هذين العنصرين؟

يحيى اليحياوي: واقع حال القراءة والكتاب بالمغرب مزري للغاية، وأنا مستعد للقول بأنه كارثي وبكل المقاييس، بجهة العرض كما بجهة الطلب على حد سواء. هذا واقع مثبت بالعديد من الدراسات، ولا يستطيع المزايدة بشأنه إلا مكابر أو مغال في التفاؤل.

عندما نلاحظ أن دور النشر لا تتعدى في الطبعة الأولى (وغالبا الوحيدة)، لا تتعدى 1500 إلى 2000 نسخة بالسحب، وعندما نقف عند حقيقة أن متوسط المبيعات لا يتجاوز ال 200 إلى 500 نسخة طيلة دورة الكتاب العادية، أعني المدة التي يبقاها الكتاب في السوق (أكثر من سنة بالعموم)، وعندما نلحظ وتيرة تحول العديد من المكتبات إلى مقاهي، أو تبنى على مساحتها دور للسكن، عندما نلحظ كل ذلك، لا يمكن للمرء أن يكابر، أو يخفي الحقائق.

وعندما نلحظ تبرم دور النشر عن الكتاب عموما، اللهم إلا الكتاب المدرسي المدر للربح مباشرة، ونلحظ تزايد الطبع على حساب المؤلف، لا بل وتحول دور النشر إلى دور للطبع، ونلحظ عصي تحريك السوق من لدن بعض المبادرات الرسمية، ونلحظ الغياب المستمر للمهرجانات الثقافية، ناهيك عن غياب ما يسميه البعض ب"الدخول الثقافي"، عندما نلحظ كل ذلك، لا يمكن للمرء أن يجتهد في تشريح واقع الحال.

أنا دائما أقول وسأبقى أقول، بأن طالما بقينا متخلفين، فسيبقى واقع القراءة والكتاب متخلفا، لأن العملية منظومية وثقافية ونفسية. أنظري إلى الدول المتقدمة مثلا، حيث مستوى المقروئية مرتفع، لأن المنظومة حاضنة، ومهيأة للدفع بوتيرة نمو سوق القراءة.

بالمقابل، فكيف نقول بغير كارثية القراءة بالمغرب، والصحف مثلا لا تسحب مجتمعة إلا أقل من نصف مليون نسخة، ويتصفح الجريدة الواحدة بالمقهى مثلا أكثر من قارئ؟ هذا وضع كارثي بامتياز ولا بد من الاعتراف بحقيقته.

الشروق: انطلاقا من كونك كاتب وصاحب مؤلفات، وعضو بمجموعة عمل الخطة الوطنية للكتاب والقراءة، هل أنت راض على هذا الوضع الذي آل إليه الكتاب المغربي؟

يحيى اليحياوي: أنا لست راضيا فحسب، بل أنا متذمر لدرجة الانتفاض. متذمر من حقيقة أن نسبة المقروئية متدنية للغاية، ببلد تجاوزت ساكنته الثلاثين مليونا. ومتذمر من حصيلة سياسات عمومية، لم تفرز بعد خمسين سنة من انتهاء الحماية، إلا نسبة في الأمية مرتفعة، ومستوى في الجهل يضرب الأطناب. ومتذمر فضلا عن كل ذلك، لأن لا شيء يلوح في الأفق، اللهم بعض المبادرات الخجولة هنا أو هناك، من قبيل دعم الكتاب أو توزيع جائزة سنوية لا تحرك سوق القراءة قيد أنملة، وما سوى ذلك.

وأنا متذمر أيضا من دور نشر لا تراهن إلا على الكتاب المدرسي، ولا تتعامل مع المؤلف إلا في كونه صاحب حرفة من لا حرفة له. ومتذمر من انحراف العديد من الكتاب، الذين باتوا بالسلطة، أو امتهنوا حرفا أخرى تذر عليهم بعضا من المال، وقد تكون مهينة لهم في بعض الأحيان، من قبيل السمسرة في السيارات أو في العقار أو ما سوى ذلك.  

الشروق: لديك مؤلفات وكتب تصدرها بين الفينة والأخرى. ما هي الصعوبات التي تواجهك وأنت في طريقك إلى إخراج هذا المؤلف إلى النور؟

يحيى اليحياوي: أصدقك القول، بهذه النقطة، أنه عندما أنتهي من صياغة المخطوطة، وأضعها رهن الناشر، أحسب بعد ذلك أن مهمتي قد انتهت. أنا لا أتعامل مع الكثير من دور النشر، سواء في كتبي بالفرنسية أو بالعربية. لدي ناشران أزعم أن لهما فضل كبير على مساري. هناك دار الطليعة ببيروت، وقد نشرت لديها أكثر من ثلاثة كتب، وقد التزم معي الراحل بشير داعوق بأن ينشر لي مخطوطة إلى مخطوطتين في السنة، وقد احترم ورثته هذا الالتزام. ولدي منشورات عكاظ بالرباط، وصاحبها أستاذي بالثانوي، وأتصور أنه يفتخر عندما يخاطبني كل مرة: عندما يجهز لديك كتاب، خذه مباشرة إلى التصفيف دون مشورتي. لكني أفاتحه بكل كتاب، تقديرا لثقته. وقد نشرت لدى عكاظ ما يناهز العشرة كتب بالعربية والفرنسية.

بالتالي، فما دام أن السؤال موجه لي شخصيا، فلا أرى حاجة للحديث عن الآخرين، وأتصور أن غالبيتهم، سيما المبتدئين، سيذوقون المرارة تلو أخرى، قبل أن يستقر بهم الأمر لتمويل ما أنجزوه بوسائلهم الخاصة.

الشروق: إذا أخذنا برأي من يعتبر أن الوضع الثقافي بالمغرب متأزم، فهل السبب في ذلك راجع إلى الوضع الذي يعيشه الكتاب، أم هي أزمة القراءة وما تعانيه من تهميش وعدم اهتمام ؟

يحيى اليحياوي: أزمة الكتاب والقراءة بالمغرب أزمة منظومية، بمعنى أن كل أطراف العملية مسؤول بنصيب محدد، وكل منهم قد يدفع بمسوغ ليدرأ عن نفسه المسؤولية. ونلاحظ أن بكل المسوغات بعض من الحقيقة، إذ تردي واقع الحال يحول دون مجازفة الناشر والموزع، وغياب المحفزات (من مهرجانات وجوائز ولقاءات دورية وغيرها) يطاول جودة المنتوج، فلا يقبل عليه القلة القليلة التي تقرأ، وضعف ميزانية دعم الكتاب رسميا يدفعها للاشتغال وفق منطق الانتقائية، وقس على ذلك.

بالتالي، فلما كان العطب منظوميا وبالمحصلة بنيويا، فإن العلاج لا يمكن إلا أن يكون بنيويا، أعني أن يبدأ بالعائلة ثم المدرسة، ثم الجامعة ويمتد بالحياة العملية. العملية تتطلب رؤيا واضحة، وعزيمة قوية، وتحديد أولويات، وتفعيل أدوات تقييم دورية. طالما غابت هذه العناصر، سيبقى الحال على ما هو عليه.

* "يحيى اليحياوي 'للشروق' عن وضعية الكتاب والقراءة: العطب بنيوي والعلاج يجب أن يكون كذلك"،  استجواب، جريدة الشروق، العدد 33، 11- 21 نونبر 2008.

 

Vous pouvez partager ce contenu