عن مسببات أزمة القراءة في المغرب تمحورت مداخلات ليلة إشعاعية بمدرسة علوم الإعلام بالرباط يوم الثلاثاء 23 مارس، وتفرعت ما بين تقييم أداء الدولة-المؤسسة في محاربة الأمية وتشجيع فعل القراءة، جرد المقدمات الذاتية والموضوعية التي ترسخ أزمة القراءة وأخيرا قراءة الأزمة من منظور شمولي يمس نسق التنمية في المغرب ابتداء من فترة الاستقلال.
في البداية، تحدثت نزهة بلخياط، الأستاذة بالمدرسة والباحثة في علم الاجتماع، عن المستويات الثلاثة المميزة لفعل القراءة وتتفرع ما بين محو الأمية الأبجدية، الكتابة والنشر. كما نبهت الحضور إلى النتائج المتواضعة لأداء المؤسسة في مجال التعليم حيث حظي بميزانية تقارب 20 بالمائة من الميزانية العامة طيلة 35 سنة دون أن نلمس نتائج ملموسة انعكست حتما على إشكالية القراءة.
أما عبد العزيز كوكاس، رئيس تحرير "الأخبار المغربية" فقد أشار إلى غياب دراسات وأبحاث علمية تنطلق من مقاييس تقدم معطيات دقيقة مما يجعل من المداخلات التي تتطرق لهذا الموضوع أشبه بالانطباعات العامة ما دامت لا تركز على نتائج تلك الدراسات، مضيفا أن المسألة قد تختزل في الحديث عن مجتمع أمي بعيد عن تقاليد الكتاب. فنحن لا نقرأ وهناك غياب لتقاليد القراءة في المجتمع المغربي.
هذا معطى بنيوي عميق وله مكونات سوسيو/ثقافية. والخطير أن الطبقة الوسطى المعول عليها تعرف هي الأخرى عزوفا ملحوظا عن القراءة وأصبحت القراءة اليوم رهينة بالنجاح في العام الدراسي وليس كمكون للوجدان أو تشكيل للوعي الإنساني في بعده الفردي والجماعي.
أما مداخلة يحيى اليحياوي، الباحث في علوم الإعلام والاتصال والشبكة المعلوماتية، فقد استهل الحديث ببعض الملاحظات المنهجية منها تلك المتعلقة بمصطلح أو بمفهوم "أزمة" (القراءة).
فالمصطلح يشي ضمنا كما لو أن صيرورة القراءة بالمغرب كانت سليمة معافاة ثم فجأة حدثت قطيعة من نوع ما أدخلت هذه الصيرورة في أزمة توقفت جراءها نسقية الاشتغال العام مشيرا إلى أن منظومة القراءة بالمغرب (وبالعالم العربي عموما) كانت مأزومة ومؤزمة منذ البدء أي على الأقل منذ سنين "الاستقلال" الأولى وما أعقبها.
الأمر الثابت، حسب اليحياوي، هو أن أزمة القراءة بالمغرب (كما بالمنطقة العربية) إنما هي من أزمة " نماذج" التنمية التي تم اعتمادها منذ ستينات القرن الماضي والتي لم تفرز إلا التخلف والمديونية والاستبداد وضياع المرجعية وانسداد الأفق وما سواها.
ولما كان الأمر كذلك، فإن هذه النماذج لم تنجح في إقامة أسس أو مجتمعات مبنية على العلم وعلى المعرفة.
وعلى هذا الأساس، فأزمة القراءة لا تعدو سوى كونها عرضا من أعراض هذا الفشل في شكله وفي بنيته كما في مضمونه وشكله.
* "أزمة القراءة من أزمة التنمية"، جريدة "الأخبار المغربية"، 1-7 أبريل 2004 (تغطية: منتصر حمادة).جريدة سايس أخبار، العدد 74-75، دجنبر 2005.