Aller au contenu principal

"الإعلام الغربي يتحدث العربية"

تكاثرت في السنوات الأخيرة الوسائط الإعلامية التي تطلقها الدول الغربية مستهدفة الجمهور العربي وناطقة بلسانه. ورغم أن الظاهرة ليست بالجديدة إلا أن الباحثين المتخصصين في علوم الإعلام لم يتمكنوا بعد من فك شفرات هذه الوسائط الإعلامية وما تتضمنه من رسائل. وبقي الأمر، على خطورته وأهميته، موضوع نقاشات وتعليقات هامشية بدل محاولة الغوص فيه وملامسة عمقه بشكل مباشر وفعال.

قال الأستاذ والباحث المتخصص المغربي يحيى اليحياوي: "أعتقد أن ظاهرة لجوء بعض الدول الغربية لإنشاء محطات إعلامية (إذاعية وتلفزيونية) ليس أمرا جديدا ولا هو موجه بالأساس للمنطقة العربية، إذ عمدت الولايات المتحدة مثلا منذ أواسط القرن الماضي، إلى توجيه جزء كبير من إعلامها بجهة التشويش على الاتحاد السوفياتي وعلى المنظومة الشرقية بوجه عام. وأوروبا الغربية ذاتها لجأت إلى نفس الأسلوب عندما أسهمت مع الولايات المتحدة في خلق إذاعة "أوروبا الحرة"...

الملاحظ هو تزايد أعداد هذه الوسائط الإعلامية بشكل مثير في السنوات القليلة الماضية حيث يقول يحيى اليحياوي: " أعتقد أن الظاهرة، في فلسفتها والغايات الكبرى منها، كانت موجودة في ظل الحرب الباردة وكانت تندرج في سياق حرب خفية لم يكن الإعلام (سيما الإذاعات في زمن الندرة التكنولوجية) إلا أحد مظاهرها البارزة.

المنطقة العربية لم تتعرض لهذه الظاهرة كثيرا منذ البدء، اللهم إلا بعيد "الاستقلالات الوطنية" حيث كانت الإذاعات الأجنبية الناطقة بالعربية تمجد هذا النظام أو ذاك (وكانت معظمها نظم عميلة للغرب) وتعمل على تبييض ما تقوم به من تجاوزات ما دامت تحفظ المصالح الغربية الكبرى (نموذج إذاعة فرنسا الدولية في غضها الطرف عما كان يتموج بإفريقيا السوداء وبالمغرب العربي أيضا).

بالوقت الراهن، أعتقد أن الظاهرة لا تزال سارية في فلسفتها العامة، لكنها تسارعت في الوتيرة بحكم الطفرة التكنولوجية ويسر العملية نسبيا قياسا إلى الفترات السابقة، لكنها لا تزال تنهل من نفس المنظومة الدعائية التي كانت قائمة منذ مدة"...

ويتابع: "في كل هذه الحالات، لم تكن الإذاعات إياها تعلن عن غاياتها ولا عن أهدافها وكانت الرسالة المروج لها مضمرة، غير جلية للعيان وتبدو (الرسالة أعني) كما لو أنها بريئة الخلفية ما دامت اللغة العربية بها هي الأداة والوسيلة وليست شيئا آخر.

مع بداية القرن الحالي ( سيما بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر وغزوتي أفغانستان والعراق وتزايد نسبة العنف بالعلاقات الدولية) عمدت العديد من الدول الغربية وخصوصا الولايات المتحدة إلى إنشاء محطات إذاعية وتلفزية (الحرة، سوا... ناهيك عن صوت أمريكا) أريد لها ثلاثة أهداف:

+ أولا، تفسير وتبرير ما جرى ويجري وتبيان أن الغرب، منذ الحادي عشر من شتنبر، هو الضحية الأكبر وأن ما ورد منه (بالعراق أو بأفغانستان أو بغوانتنامو) ما هو إلا ردة فعل من لدنه على "جماعات إرهابية" لم تتوان في التعبير عن "كرهها وحقدها على الغرب" أو على "نظم استبدادية باتت تهدد السلم العالمي".

+ ثانيا، تلميع السياسة والسلوك الغربي (الأمريكي تحديدا) في أعين الجماهير العربية تجاوزا على أطروحة " لماذا يكرهوننا ونحن أخيار؟". يبدو، بهذه النقطة، أن المحطات الإعلامية استهدفت التركيز على أن ما تقوم به الإدارة الأمريكية هو " نشر للحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان والتواصل بين الثقافات والحضارات والأديان"، وليس استهدافا لهذه الأمة أو تلك بغرض الاستهداف المجاني.

+ ثالثا، تفسير السياسات الأمريكية بجهة خلق "منظومة في الأفكار" تتجاوز التطرف ورفض الآخر وأيضا بجهة تمرير المشاريع الموضوعة للمنطقة العربية من قبيل الشرق الأوسط الأكبر وغيره...

هي بالتالي محطات موجهة ومحملة بتصور لما يراد أن تكون عليه المنطقة العربية (في عموميتها كما على مستوى كل شريحة اجتماعية معينة). وهي محطات تخاطب المواطن العربي من فوق تماما كما لو أنه لا يدري الخلفيات الثاوية خلفها والغاية من إنشائها".

" ليس مستغربا بالمحصلة إن لاقت في معظمها الفشل. والسبب في ذلك لا يكمن فقط في طبيعتها الدعائية والاستعلائية الجلية، ولكن أيضا زيادة نسبة الوعي لدى المواطن العربي وتزايد نقمته على السياسة الأمريكية بالعراق كما بأفغانستان كما بفلسطين مع غض للطرف من لدنها على ممارسات وتجاوزات الأنظمة الحليفة لها بالخليج كما بالمغرب العربي كما بغيرها من مناطق العالم.

ليختتم يحيى اليحياوي إجابته بالقول: " معنى هذا أنه طالما بقي الغرب (وتحديدا أمريكا) يكيل جهارة وعلنا بمكيالين، فإن صورته ستبقى على محك ذلك كائنة ما تكن المحطات الإعلامية أو الرسائل المراد ترويجها.

ومعناه أيضا أنه طالما لم تعالج أسباب كره العرب للغرب بالسلوك على الأرض، فإن ذلك لا يمكن أن يتم تجاوزه عبر هذا الوسيط أو ذاك مهما تكن قوته وعمق دعايته".

جريدة "العلم"، 22 ماي 2006 (استقى الرأي: يونس مسكين)

 

Vous pouvez partager ce contenu