Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي يتحدث ل"الصحيفة" عن المشهد السمعي/البصري بالمغرب: التطورات الحاصلة ترقيعات لحالة مشوهة

أوضح يحيى اليحياوي، الباحث في مجال الإعلام والاتصال، أن التلفزة في المغرب في حاجة إلى تحرير حقيقي من الإكراهات المادية والرمزية التي تطالها، واصفا إياها بأحادية النظرة، محدودة الأفق، العاملة بالتوجيهات، غير الآبهة بالنقد. إنها ببساطة، يقول اليحياوي، "تلفزة الغبن". 

ولم يخف اليحياوي خشيته من أن يعاد استنبات الرداءة بمقاييس إضافية مع انطلاق الجيل الجديد من الإذاعات الخاصة بالمغرب.

الصحيفة: في كتابك "محنة التلفزة بالمغرب"، تساءلت: هل لنا التلفزة التي نستحق؟ الآن بعد التطورات التي عرفها المشهد السمعي البصري نطرح السؤال ذاته؟ 

يحيى اليحياوي: أنا أصدرت هذا الكتاب من حوالي عشر سنوات، وفي سياق كنت أحسب أن جزءا من الانفراج السياسي قد يأتي عبر التلفزة وعبر الإعلام بوجه عام، وقد كانت بعض مظاهر ذات الانفراج تبدو إلى حد ما على المستوى. وشددت على أن محنة التلفزة تأتي تحديدا من كونها جزءا من جهاز ومن سلطة، وليست جهازا قائما أو سلطة ذات تأثير على مجريات التحولات فعلا مباشرا أو تأثيرا. 

ودفعني التساؤل في طبيعة وفلسفة العمل التلفزي بالمغرب (إذا كانت هناك فلسفة أصلا)  إلى خلاصة مفادها أن العطب بالوظيفة وبجهة الارتباط وتحديدا بجهة الولاء. اليوم لا أزال أزعم أن سؤال "هل لنا التلفزة التي نستحق؟" الذي تحدثت فيه من حينه، لا تزال راهنيته حادة وتحتمل نفس الأجوبة التي قدمتها بالكتاب. بمعنى أن التلفزة لا تعكس لا واقع حالنا المعاش ولا هي بقادرة على استنبات الأمل في القادم من أيام. فواقعنا رديء بكل المقاييس والتلفزة لا تموسطه أو لا تريد ذلك، كما أن مستقبلنا مفتوح ونتعشم في أن تكون التلفزة إحدى روافعه.  

الحاصل أنها لا تقوم لا بهذا وذاك، هي تأتينا بالرداءة من بين ظهرانينا لكن ليس الرداءة التي نرى، بل الرداءة التي يراها القائمون عليها. ولاحظ هنا أننا لا نحتكم إلى نفس طبيعة الرداءة، ولا نستطيع التوافق على حدها الأدنى...بدليل أن رداءة ما قدم في رمضان، استلطفوه وأجازوه وتباهوا ب"المضمون الوطني" الذي يحمله.

التلفزة بحاجة إلى تحرير حقيقي من الإكراهات المادية والرمزية التي تطاولها. هي تعيش حالة خاصة، الجديد بداخلها لم يأت والقديم لم يتسن له الانزياح. وهذا أيضا هو الحد الأدنى في التوصيف الذي لا أعتقد أن ثمة مغربيا لا يتفق معي فيه.

المسألة بنيوية وليست عابرة، والتطورات التي تتحدث عنها هي ترقيعات لحالة مشوهة بكل المقاييس. أنظر إلى تشكيلة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري وطبيعة ارتباطها ومن أين تأتي ميزانيتها، وانظر إلى من منحتهم التراخيص، وأنظر إلى هذا "القطب الإعلامي العمومي" الذي فرخ ويفرخ "فضائيات" ماسخة، مكرورة، تعمل على تشويه صورتنا أكثر ما تسهم في إشاعتها، وأنظر إلى القناة الثانية وما تقدم من "قيم جديدة" مشبعة بالفرنكفونية البدائية واصطفافها حول الرسمي من الأخبار، بل الحروب الداخلية المحكومة بنزعة الولاء لهذه الجهة أو تلك... وقس على ذلك.  

الصحيفة:  هل لازالت التلفزة المغربية هي ذاتها التلفزة التي وصفتها، بأنها لا تحترم مواطنتها وانتماءها الوطني، المعيقة للديمقراطية؟

يحيى اليحياوي: التلفزة لا تخلق المواطنة. التلفزة تعكس قيم المواطنة إن توفرت بواقع الحال، وتعمد إلى ترسيخها بجهة إبراز جوانب الحق والواجب التي لم تتأسس بعد.

عمليا لو كانت التلفزة (الأولى والثانية والأجرام الماسخة الأخرى) تتعامل على أساس من استحضارها لبعد المواطنة، لعمدت إلى "تسليمنا" مادة  بمستوى المقابل الذي نقدمه على شكل إتاوات مباشرة بفواتير الكهرباء، أو عبر المال العام المتأتي من الميزانية. 

أنا قلت ولا أزال أقول بأنها معيقة للديموقراطية (لو سلمنا جدلا بأن ثمة نية في بناء ديموقراطي ما) كونها لم تخلق الفضاء العام الذي من المفروض أن يتبارى أصحاب المبادرات من بين ظهرانيه ثقافة وفنا ونقاشا فكريا وقربا من الجماهير.

هي لا تستطيع ذلك لأن طبيعة اشتغالها ذات خاصية تبشيرية وتهديئية، وترى المغرب بالألوان الزاهية، وتختزل المغرب العميق في المغرب الرسمي أو مغرب ما يدشنه هذا المسؤول أو ذاك، في حين لا تنفتح على ما يكتنزه المغاربة من فن وجمال.

هي تلفزة أحادية النظرة، محدودة الأفق، تعمل بالتوجيهات ولا تأبه بالنقد. كيف لها أن تكون عاكسة لتموجات المجتمع أو لتطلعات الجماهير وهي لا تأبه بهم أصلا ولا تدخل انتظاراتهم في شبكتها البرامجية. إنها تلفزة الغبن حقا. 

الصحيفة:  كيف تقيمون الأداء التلفزيوني في القنوات المغربية، خاصة بعد انضمام قنوات جديدة للمشهد التلفزي؟

يحيى اليحياوي: هل ثمة ما يستحق التقييم حقا...أرني ما يستحق ذلك؟

هذه الأجرام تحيلني على إشكال حقيقي لطالما عشناه بالمغرب وعاشته العديد من دول العالم الثالث: هل العبرة بالأدوات والوسائل أم بالمضامين والمحتويات؟ 

أنا أزعم أن الأدوات ضرورية، لكنها غير كافية إذا لم تؤثث بمضامين وتتم موطنتها. اليوم، التقنيات الرقمية وتقنيات الضغط وتقنيات الأقمار الصناعية وفرت الأداة، إذ بإمكان الأفراد والمؤسسات والدول اقتناء هذه التجهيزات بتكلفة متواضعة. ماذا ستضع بقناة على الهوتبيرد من مضامين؟ هذا هو المحك. وللأسف، الجزء الأعظم من مسؤولينا يعتقدون أن الحل في التقنية. التقنية جزء من الحل وليست الحل. الحل في أن تضع السياسة الصحيحة وترى فيما بعد (وفيما بعد فقط) في الأدوات الكفيلة بتحقيقها وضمن هذه الأدوات الأداة التقنية. وهو نفس الشيء بالنسبة لوزارة التعليم التي تتطلع إلى ربط المدارس بالإنترنيت والتلاميذ بالبوادي، والتلاميذ لا يزالون يقتنون الحمير كوسيلة نقل للوصول إلى المدارس.

الصحيفة: هل تعتقد أن الجيل الجديد من الإذاعات قادر على الاستجابة للانشغالات الحقيقية للجمهور المغربي؟

يحيى اليحياوي: عن أي جيل جديد تتحدث؟ أنظر لمن منحت التراخيص ودقق في دفتر التحملات والمحذورات والخطوط الحمر، وانظر أيضا طبيعة هذه المحطات وعلى ماذا تراهن في مشاريعها.

أنا لا أستطيع أن أرجم بالغيب، إذ الاحتكام إلى ما ستقدم، لكني لا أراهن عليها كثيرا زمن الصورة. وأخشى أن نعيد استنبات الرداءة بمقاييس إضافية.

الصحيفة: يرفع القائمون على شؤون التلفزيون شعار " تلفزة القرب"، هل حقا نمتلك تلفزة قرب؟

يحيى اليحياوي: لست أدري صراحة ماذا يقصدون بعبارة تلفزة القرب. هل تلفزة القرب أن تمطرنا التلفزة المغربية بسلسلات "فكاهية" رديئة للغاية بحجة أن اليومي المعاش من لدن المغاربة هو كذلك؟ هل تلفزة القرب هي أن تهيمن اللغة الفرنسية على القناة الثانية وتقدم برامج تافهة بحجة أنها لغة الحداثة والعصر؟ هل تلفزة القرب أن تحشرنا التلفزة (بقناتيها) في الزاوية وهي تنقل لنا أنشطة رسمية لا يعرف إلا الله متى ستنتهي؟ هل تلفزة القرب هي القول بأننا رخصنا لمحطات إذاعية جهوية تعبر عن خصوصيات كل منطقة من مناطق المغرب بحجة التنوع والحق في الاختلاف.

إذا كانت تلفزة القرب كذلك، فلماذا يتهافت المغاربة أكثر من غيرهم من شعوب الأرض على اقتناء الصحون المقعرة لالتقاط القنوات الأجنبية؟

أتصور أنه كلما رفع شعار على مستوى الخطاب إلا وثمة أمر خلفه لا نعلمه أو تماديا في نهج السلوك المعتاد. إذا لم يكن هذا الكلام صحيحا، فلم التمادي في الاستهتار بأذواق المغاربة على الرغم من الإجماع شبه المطلق على أن أداء التلفزة هي أبعد ما يكون عن التلفزة. وسأكون صريحا معك: لو كان بيد المرء بعض من الحل والعقد بهذه البلاد، لعمد إلى إغلاق القناتين جملة وتفصيلا، وحول ما يصرف عليهما لبناء مستشفيات ودور العجزة والأيتام وجهزت البوادي بالكهرباء (بالمناسبة فأنا من أبناء منطقة بالغرب لا ماء ولا كهرباء بها...هذه هي الحداثة). 

الصحيفة: هل التطورات التي يعيشها الإعلام المغربي مست جوهره أم أنها فقط بقيت شكلية؟

يحيى اليحياوي: ثمة بعض من الحركية بالمظهر على مستوى بعض المنابر الأسبوعية (أنا هنا أتحدث عن الإعلام بوجه عام). وثمة بعض الوعي بضرورة استحضار بعد المهنية وإيلاء الاعتبار لأخلاقيات المهنة. وهو أمر ذهب بالبعض إلى فتح ملفات كدنا نسلم معها أننا حقا بإزاء عهد ستتراجع في ظله الإكراهات والخطوط الحمر.

لكن التراجعات الأخيرة التي عبرت عنها المتابعات القضائية والمحاكمات والإغلاقات، وأنا مستعد للقول بوجود نوع من الابتزاز من لدن الدولة، فبدأت الاصطفافات على الزمن السابق تتسارع. وأنت صحفي وتعرف العديد من الحالات دون شك.

الصحيفة: يتحدث الكثير من المسؤولين الحكوميين عن دخول المغرب مجتمع الإعلام والمعرفة،إلى أي حد  ينسجم هذا الحديث مع الواقع؟

يحيى اليحياوي: بالمجتمعات الغربية (وحتى بأدبيات الأمم المتحدة في قمتيها الأخيرتين بجنيف وتونس) نجد عبارة مجتمع المعلومات وليس مجتمع الإعلام والمعرفة. هذا اكتشاف مغربي أتت به حكومة التناوب في سياق حملة الوعود و"الأوراش الكبرى" التي وعدت بفتحها ليتم التراجع عن كل ذلك ممارسة وحتى على مستوى الخطاب.

مجتمع المعلومات يفترض بنية تكنولوجية تحتية تعمل على تشبيك أركان الاقتصاد والمجتمع (ربط الإدارات والمستشفيات والجامعات والجهات والمدارس وما سوى ذلك) وتوفير المعلومات لهذه الأركان، عبر خلق وربط بنوك المعطيات فيما بينها لتسهيل انسياب المعلومات بين الجهة المنتجة والجهة الراغبة في الحصول على المنتوج.

أنت إذن بحاجة إلى بنية تحتية وروافد (حواسيب، موديمات، قواعد معطيات وغيرها) وبحاجة أيضا إلى بنوك مكتنزة لمعطيات منتقاة، مصنفة ومرتبة وفق طلبات محددة تكون محكومة بمشروع مديري وبجدول زمني وبتقدير للكلفة.

وتفترض أيضا ضمان حق الأفراد والجماعات في البلوغ (الارتباط بالبنية أعني وتوفر الحواسيب) وأيضا في النفاذ إلى المعلومات.

هذا الحق غير متوفر، وهو معطى مؤسساتي المفروض أن يكون ناظمه قانون يضمن الحق في الإعلام والاتصال. هذا جانب. الجانب الثاني، البنية التحتية في الاتصالات لا تراهن على هذا المجتمع، هي تراهن على الربح السريع دونما تفكير من لدنها في ربط الجهات أو تزويد المناطق والمدن.

ثم هو مجتمع يفترض أن تكون الدولة تتحكم في العملية برمتها ويكون القطاع الخاص رافدا ليس إلا، لأن الدولة هي التي من شأنها تمويل وتوجيه العملية وتوفير المعطيات المختلفة التي تتوفر عليها ووضعها بالشبكة.

كل هذا أمر غير موجود، والحديث فيه ضرب من العبث.

هو بالتالي نفس الخطاب المروج بشأن تلفزة القرب.

الصحيفة:  تعرضت للمنع من إلقاء مداخلة في بنجرير أبريل الماضي، هل لعنة المنع أصابتك كما أصابت د. المهدي المنجرة؟

يحيى اليحياوي: كانت الندوة عن تقرير خمسين سنة من التنمية البشرية بالمغرب، وكانت محاضرتي بعنوان "عن أي تنمية بشرية يتحدثون؟". الواضح أن نغمة العنوان أشرت على مضمونه، فأشاروا على مندوبية الشباب هناك بمنع النشاط.

إذا كانت حقيقة لعنة كما تقول، فإنها تطاول المانع أكثر ما تطاول الممنوع...

جريدة "الصحيفة"، العدد 66، 4 دجنبر 2006 (أجرى الحوار: عادل نجدي)

 

Vous pouvez partager ce contenu