Aller au contenu principal

يحيى اليحياوي لجريدة "الصباح": لو كان ثمة من زاوية لتقييم هذه الإذاعات، فالمفروض أن تستحضر ثلاثية الإخبار والتثقيف والإخبار

يبدو لي أن أفق سنة واحدة غير كاف لتقييم عمل، أو الحكم على سياسة. فتجربة الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري (الثاوي خلف عملية التحرير) لا تزال ذاتها فتية، ومعظم هذه المحطات الإذاعية لا يزال يتلمس طريقه للجمهور، ويبحث عن سبل للتمويل من هنا أو هناك. المفروض أن يكون ثمة تراكم في العطاء وفي التجربة، حتى يكون بالمقدور إعمال مبدأ التقييم بموضوعية، ودون أحكام قيمة مسبقة.

ويبدو لي أيضا أن التجربة، تجربة التحرير، مهمة بأكثر من جانب، على الأقل بالقياس إلى عقود الحجر التي مارستها الداخلية والسلطة على القطاع. الداخلية لا تزال دون شك متواجدة بهذا الشكل أو ذاك، ولا تزال تتحرز من الصورة (وإلا فما معنى الترخيص لقناة تلفزية واحدة، مقابل عدد لا بأس به من المحطات الإذاعية؟)، لكنها مرغمة مع الزمن لرفع يدها على القطاع، بحكم التحولات التكنولوجية وحركية المجتمع.

ولهذا السبب أزعم أن عملية التحرير غير محكومة برؤية واضحة، أو لنقل تحديدا محكومة بتصور تدريجي للأمور، من شأنه الحؤول دون المفاجآت، بل ولربما تكون العملية برمتها غاية في حد ذاتها، عوض أن تكون وسيلة، للقول بالمحصلة: تريدون التحرير، ها قد فتحنا السوق.

ما يثير في هذه المحطات، بملاحظة أولية مؤقتة، أنها في غالبيتها سطحية في تناول القضايا لدرجة قد تبترها في المضمون. وهو الحال مع إذاعتين تتطلعان إلى تبيان مميزات المنطقة المغطاة، فتختزلان مشاكل الجوهر في الشكل، دون تركيز كبير على جوانب القصور.

بهذه النقطة، أتصور أننا قطعنا حقا مع جيل الرواد بإذاعة طنجة مثلا أو بالإذاعة المركزية، حيث كانت المعالجة من عيار ثقيل، وكان للعديد من الصحفيين مرجعيات ثقافية وفكرية قوية، وكان التنشيط الإذاعي راق ومن مستويات عالية، وكان المرء على موعد مع برامج جادة، وهادفة وبلغة عربية سليمة. لست أدري، بهذا الجانب، لماذا لا ينادى على العديد من هؤلاء لتأثيث برامج هذه المحطة أو تلك.

بمعظم المحطات، لا يرقى الأداء لمستوى جيل الرواد، ليس فقط بجانب محدودية تكوين العديد من هؤلاء، وضعف معطى المرجعية من بين ظهرانيهم، لدرجة أن جلهم نكرة بالميدان الإذاعي، ولكن أيضا لأن دفتر تحملات المؤسسة لا يراهن كثيرا على المادة "الثقيلة"، كونها تنفر المستمع أو هكذا يقال.

بالجانب اللغوي، يبدو لي أن الرهان على الدارجة (مع خليط بفرنسية ركيكة) يثير بعض البلبلة بذهن المستمع، سيما بزاوية طغيانها على اللغة العربية، الذي من المفروض أن يكون لها السبق، بحكم رمزيتها وحمولتها المعرفية، وقدرتها على الرقي بالذوق، وتكوين ملكة الاستماع.

هذا أمر ينطبق على الإذاعات "الموسيقية" (المراهنة على "الطاقات الشابة")، وأيضا على الإذاعات العامة والشاملة. قد يكون استعمال اللهجات الأمازيغية مسوغا بالجنوب أو بأقصى الشمال، لكن اعتماد الدارجة الابتذالية في الوسط والشمال أمر مزعج إلى حد كبير.

يقال إن الدارجة هي واقعنا، والتعامل بها تستوجبه إكراهات التواصل مع أكبر نسبة من مشاهدين لا يتقنون اللغة العربية. وهذا صحيح جزئيا، لكن تقديم برنامج ما بلغة عربية بسيطة وسلسة ومفهومة قد يفي بالغرض، سيما وأن الدارجة المغربية "الجادة" غير بعيدة عن العربية.

ثم أنا صراحة لا أجد مكانا بهذه المحطات، لثلاثية "الإخبار والتثقيف والترفيه". قد يكون ذلك بسبب الطبيعة المتخصصة لكل محطة، لكن حتى بهذه النقطة يبدو لي أن الجانب الإخباري الموسع والثقافي، هو المستبعد نسبيا، وأخشى أن يكون بالمطلق عندما تستعر حرب الإشهار.

تصريح لجريدة الصباح، 18 ماي 2007 (استقى التصريح: أمينة الكندي)

 

 

Vous pouvez partager ce contenu